بينما كان العالم يدخل واحدة من أشد أزماته الاقتصادية في العام 1930، نشر الاقتصادي البريطاني جون ماينارد كينز مقالته الشهيرة «الإمكانات الاقتصادية لأحفادنا». على الرغم أن الكساد العظيم كان يضرب كبرى الاقتصادات حينها، إلا أن كينز كان يحاول النظر 100 عام إلى الأمام، متسائلًا عن شكل الحياة الاقتصادية في عام 2030.
كان كينز شديد التفاؤل بقدرة تراكم رأس المال والتقدم التقني على رفع الإنتاجية ومستويات المعيشة. نتيجة لذلك التفاؤل، توقع أن يصبح الإنسان قادرًا على إنتاج احتياجاته بجهد أقل، حيث قال: «ثلاث ساعات من العمل يوميًا تكفي تمامًا»، متصورًا أن أسبوع العمل قد ينخفض إلى نحو 15 ساعة فقط. رأى أن الإنسان سيظل يمارس قدرًا محدودًا من العمل كي يشعر بالرضا الذاتي فقط.
عاد إيلون ماسك بعد 95 عاما ليقدم رؤية قريبة الشبه برؤية كينز، لكن هذه المرة بلغة عصر الذكاء الاصطناعي والروبوتات. في المنتدى الاستثماري السعودي-الأمريكي عام 2025، قال ماسك: «توقعي أن يصبح العمل اختياريًا»، وأكد أن العمل ذاته قد يتحول إلى نشاط يشبه ممارسة الرياضة أو زراعة الخضراوات في المنزل؛ يفعله الإنسان لأنه يستمتع به، لا لأنه يحتاج إليه لكسب رزقه. تستند رؤية ماسك على قاعدة أن الذكاء الاصطناعي والروبوتات البشرية سيوفران كثيرا من السلع والخدمات خلال فترة تتراوح بين 10 و20 عامًا، إلى درجة قد تجعل المال نفسه أقل أهمية.
بين تلك الرؤيتين التاريخ يعيد وعوده. اعتقد كينز أن الآلات ستمنح الإنسان مزيدًا من الوقت. واليوم يعتقد ماسك أن الذكاء الاصطناعي قد يعفيه من العمل تمامًا. لكن التجربة منذ عام 1930 تقول إن التقنية وحدها لا تصنع عصر الفراغ؛ فهي تزيد ما يستطيع الاقتصاد إنتاجه، أما تحويل هذه الزيادة إلى وقت ورفاه مشتركين فيبقى قرارًا اقتصاديًا واجتماعيًا، وليس نتيجة تقنية حتمية.
إلى هذه اللحظة، لم تتحقق رؤية كينز، ولا تزال رؤية ماسك مجرد توقع للمستقبل. صحيح أن الإنتاجية ومستويات المعيشة ارتفعت بصورة كبيرة، وأن متوسط ساعات العمل انخفض في عدد من الدول، إلا أن العالم لم يقترب من أسبوع العمل المكون من 15 ساعة. تشير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى أن مكاسب الإنتاجية لم تتحول بالقدر الذي توقعه كينز إلى وقت فراغ إضافي للعاملين بدوام كامل؛ فقد اختار الناس، أو دفعتهم الأنظمة الاقتصادية، إلى الحصول على أجور واستهلاك أعلى بدلًا من خفض ساعات العمل جذريًا.
لم يكن خطأ كينز في تقدير قدرة التقنية على زيادة الإنتاج، فقد كان قريبًا من الصواب في ذلك، وإنما في افتراضه أن ارتفاع الإنتاجية سيقود تلقائيًا إلى تخفيض ساعات الأعمال والاكتفاء. الاحتياجات الأساسية قد تكون محدودة، لكن الرغبات النسبية لا تتوقف؛ كلما ارتفع مستوى المعيشة ظهرت سلع وخدمات جديدة وتحولت بعض الكماليات إلى ضروريات. هكذا استخدم المجتمع التقنية لإنتاج المزيد من السلع والخدمات، وليس فقط للعمل ساعات أقل.
كلنا نتذكر الثورة الصناعية في القرن التاسع عشر وما ترافق معها من طفرة إنتاجية للسلع، لكن المفارقة أن مكاسب تلك الإنتاجية تركزت في يد فئة محدودة، وحُرمت منها فئة أخرى. من هذا المنطلق، الآلة قد تنتج وفرة اقتصادية، لكن ملكية الآلة هي من تحدد من يحصل على عوائدها، وبذلك نستطيع القول إن نظرة إيلون ماسك إلى هذه اللحظة أغفلت التصور الخاص بمسألة توزيع مكاسب الإنتاجية. إذا تركزت تقنيات الذكاء الاصطناعي والروبوتات في أيدي عدد محدود من الشركات والأفراد، فقد يصبح العمل اختياريًا لمالكي تلك التقنيات، بينما يصبح فقدان الوظيفة تهديدًا لدخل بقية المجتمع. هنا تتضح لنا أن رؤية ماسك أكثر جرأة، لكنها ليست مكتملة اقتصاديًا. القول إن الروبوتات ستنتج كل ما نحتاج إليه، لا يشرح كيف سيحصل من لا يعمل على نصيبه من هذا الإنتاج. تحقق «العمل الاختياري» لا يحتاج إلى تقدم تقني فقط، بل إلى ترتيبات جديدة للدخل والضرائب والملكية وتوزيع عوائد رأس المال.