من أبرز المواضيع المطروحة حالياً في منصات التواصل ما أشيع عن قرار شركة الصحة القابضة بإلزام أطباء الامتياز بدفع رسوم شهرية لتدريبهم في المستشفيات التابعة لها بمعدل 2300 ريال شهرياً، أي 27 ألف ريال للسنة، وكانت هذه المفاجأة إحدى سلسلة المفاجآت التي بدأت بها الشركة عملها، رغم أنه لم يتضح إلى الآن مفهوم الشركة بالنسبة للتحوّل في القطاع الصحي، ولم تفصح عن إستراتيجيتها في التعامل مع الكوادر الصحية برغم كل التساؤلات المهمة المطروحة التي لم تقدّم الشركة إجابات عنها وكأنها شركة خاصة لا يحق للمجتمع معرفة ما يدور داخلها.
ما علينا، دعونا الآن نتحدث عن أطباء الامتياز فقط، ولغير العاملين في القطاع الطبي نقول إن طبيب الامتياز هو خريج كلية الطب الذي لابد أن يقضي إلزامياً هذه السنة عاملاً في المستشفيات، متنقلاً بين عدة تخصصات، ويمثل جزءاً مهماً وأساسياً في منظومة الكادر الطبي في أي مستشفى، ويتحمّل أعباءً ثقيلة، ومسؤوليات جسيمة، كما أن هذه السنة تُعتبر شرطاً ضرورياً لمنحه رخصة الممارسة الطبية، بالإضافة إلى أنها تمثل مفترق الطرق للطبيب الخريج في تحديد مساره المستقبلي، كما أن خريج كلية الطب خلالها يُعتبر تحت إشراف كلية الطب ممثلةً في أساتذتها الذين يعمل الطبيب تحت إشرافهم، وغيرهم من الاستشاريين المعتمدين للتدريب والتقييم، وكان طبيب الامتياز يُمنح مكافأةً جيدة خلال هذه السنة تُشعره بأنه فعلاً يقدّم خدمة يستحق المكافأة عليها. وقد كان التدريب متاحاً في المستشفيات الجامعية المحدودة، لكن أغلبه يتم في مستشفيات وزارة الصحة.
الآن، مطلوب من طبيب الأمتياز أن يدفع مبلغ 2300 ريال شهرياً مقابل تدريبه، علماً بأنه خريج غير مسموح له بممارسة المهنة قبل اجتياز سنة الامتياز بتقييم يؤهله لذلك، أي أنه الآن في حكم العاطل عن العمل رغم تخرجه، ومطلوب منه أن يدفع للجهة التي سيتدرب في مستشفياتها ويخدم مراجعيها خدمة كبيرة، فماذا سيفعل الخريج إذا لم تكن لديه القدرة المالية على دفع رسوم التدريب؟
دعونا نتحدث بوضوح وشفافية وصدق ونقول إن المبلغ المطلوب دفعه من طبيب الامتياز لمدة سنة هو 27600 ريال، وهذا المبلغ ربما يقل عن الميزانية الشهرية للشاي والقهوة والمرطبات في مكتب أي مسؤول كبير، ومنهم رئيس شركة الصحة القابضة، وإذا كان عدد خريجي كليات الطب بحسب آخر الإحصائيات يقارب 5000 خريج فإن تكلفة تدريبهم بحسب اشتراط الشركة تبلغ 135 مليون ريال سنوياً، وهي لا تزيد على تكلفة مشروع خدمي فرعي في إحدى المدن، ربما لا يكون له أثر كبير. ولكن عندما نتحدث عن المجال الصحي فإنه مبلغ لا يذكر في سبيل تأهيل آلاف الأطباء للعمل في قطاع ما زال الاحتياج فيه كبيراً، والفجوة متسعة لصالح الكادر الأجنبي، ونحتاج إلى عشرات السنين لسد هذه الفجوة الكبيرة.
المفهوم الاستثماري لشركة الصحة القابضة بهذا الشكل خاطئ جداً، ويتنافى مع المسؤولية الجوهرية في توطين وظائف القطاع الطبي الذي يعتبر أحد أهم برامج الرؤية الوطنية 2030، كما أن تعطيل آلاف الأطباء الخريجين بهذا الشرط المجحف سوف يضع كثيراً من التساؤلات لديهم حول أهميتهم لوطنهم ومجتمعهم، بالإضافة إلى أن الدولة تستثمر في أبنائها وتحفّزهم على العطاء والبذل بما يكرس انتماءهم وحبهم لوطنهم، بينما هذا القرار لا يعكس التوجه الحقيقي للدولة.
المطلوب الآن مراجعة هذا القرار المتعسف حفاظاً على معنويات أطباء الامتياز وتشجيعهم على تحصيلهم وتحفيزهم للإقبال على المراحل القادمة، وهذا ما نأمله من شركة الصحة القابضة، فليس خطأً التراجع عن القرارات الخاطئة.