بدايةً أدعو بأن يكون لكل إنسان في المملكة حق الابتكار، من خلال إيجاد وتأمين طريق قصير وعادل ومعلوم للابتكار منذ بداية المشكلة إلى بلورة الفكرة إلى التجربة إلى السوق.
لا يجوز أن تضيع في المملكة فكرة جيدة؛ لأن صاحبها لا يعرف إلى أين يذهب، أو لا يملك المال، أو يعيش بعيداً عن المدن الكبرى، أو لا يحمل مؤهلاً علمياً، أو يعمل في مهنة لا تُصنّف تقليدياً ضمن قطاعات الابتكار. لا بد أن يصبح الابتكار متاحاً للجميع، وحقوق الابتكار مكفولة كالماء والهواء.
فلم تعد ثروة الدول تُقاس فقط بما تختزنه أراضيها من نفط وغاز ومعادن ومياه، ولا بمساحتها وعدد سكانها وموقعها الجغرافي. فثمة «الابتكار» المورد الجديد الذي أخذ يعيد تشكيل خريطة القوة والثروة في العالم.
من هنا يمكن النظر إلى الابتكار باعتباره بديلاً نسبياً للموارد الطبيعية، وزناداً يطلق طاقات الموارد البشرية. فالندرة بالموارد الطبيعية كثيراً ما تكون دافعاً وسبباً للبحث الدؤوب عن مورد بديل للدول.
الابتكار ليس بديلاً كاملاً عن الموارد الطبيعية، إلّا أنه يظل قادراً على تقليل الاعتماد على الموارد، وتعظيم قيمتها، وابتكار بدائل لها. فالماء المحدود والأرض الزراعية المحدودة والمواد الخام المحدودة يجعلها الابتكار موارد ذات قيمة إضافية وممتدة.
كل الدول تمتلك موارد بشرية، لكن الفارق الكبير بينها يكمن في قدرتها على إطلاق مارد الابتكار والمبتكرين والاستفادة القصوى من العقول.
هناك حلقة مفقودة، هي القدرة على تحويل المعرفة إلى فكرة، والفكرة إلى تجربة، والتجربة إلى منتج، والمنتج إلى سوق، والسوق إلى ثروة، بذلك يتم إعمال زناد الموارد البشرية، ويتحوّل الإنسان من مستهلك للمعرفة إلى منتج لها، ومن مُنفّذ للعمل إلى مطوّر له، ومن متعايش مع المشكلة إلى باحث عن حلٍّ لها.
ليس كلّ الناس مبتكرين بالدرجة نفسها، لكن معظمهم يمتلكون قابلية ما للابتكار. وصحيح أن الحاجة أم الاختراع، لكن هناك ابتكارات تولد من الطموح والفضول والمنافسة والخيال والإبداع. قد تشعل الأزمات شرارة الابتكار، لكن المنظومة والبيئة يمكنها أن تحوّل الشرارة إلى طاقة وقوة وتأثير.
قد تكون الشرارة من الأسرة والمدرسة والجامعة أو حاضنات الابتكار والمختبرات والمعامل والأبحاث، لكن أخطر تلك المراحل المتعثّرة هي حقوق التجربة وحقوق التمويل وحقوق الملكية الفكرية وحقوق تحويل المشروع إلى شركة أو مصنع أو بيع المشروع.
ليس صحيحاً أن العاملين في قطاع التقنية هم الأوفر حظاً بالابتكارات، إذا أدركت القطاعات الحكومية والجهات المسؤولة ضرورة دفع القطاعات الأقل ابتكاراً إلى التغيير، وألا تكتفي بالدعوة إلى الإبداع، بل أن تبني المنافسة والحوافز والأسواق التي تجعل الابتكار مجدياً. على سبيل المثال، نحن بحاجة لاقتصاد يحمي الثقافة ويستثمر فيها من خلال الابتكار، بدلاً من اقتصاد يسلّع الثقافة.
لقد نجحت قيادة المملكة ورؤيتها في تحقيق الكثير بمجال الابتكار خلال هذه المرحلة، وقد حان الوقت للتوسع بالابتكار من نشاط نخبوي إلى فرصة مجتمعية متاحة لكلّ فرد.
فالمملكة تمتلك بالفعل بنية مهمة: هيئة تنمية البحث والتطوير والابتكار، كما توجد برامج لدى «منشآت» لدعم النماذج الأولية والابتكار وريادة الأعمال. لكن التحدي التالي هو إيصال هذه المنظومة إلى المواطن العادي خاصة في بعض المناطق والمحافظات التي لا تزال فروع المؤسسة الحكومية والإدارة المحلية فيها بعيدةً عن التحوّل والتغيير ومواكبة مستهدفات الرؤية وبرامجها.
خلاصة القول، إنني أدعو لمشروع وطني يمكن تسميته (الابتكار للجميع)، يقوم على الآليات المترابطة التالية:
1- بوابة وطنية موحدة: (لديّ فكرة) للتحرر من المنصات الحكومية المنتمية لمؤسسة بعينها ولتستوعب أي تصنيف من الابتكارات المختلفة وربطها بالممكّنات القائمة لدى هيئة البحث والتطوير والابتكار و(منشآت) والجامعات والصناديق والجهات القطاعية.
2- مراكز ابتكار مجتمعية في كل محافظة، لا ينبغي أن يبقى مختبر الابتكار داخل الجامعات والمدن الكبرى. نحتاج إلى مراكز صغيرة مجهزة بالنمذجة والطباعة ثلاثية الأبعاد والتصميم والبرمجة والإرشاد التجاري، يستطيع دخولها الطالب والمتقاعد والمزارع والحرفي والموظف.
3- محفظة ابتكار لكلّ مواطن، بحيث يمكن إنشاء «محفظة ابتكار» رقمية للفرد تسجّل أفكاره والتحديات التي شارك في التغلب عليها، بذلك يصبح الابتكار مساراً تراكمياً لا مسابقة عابرة.
4- تحويل المشكلات الحكومية إلى سوق للابتكار. كل مؤسسة ومشفى وجامعة تنشر سنوياً قائمة بالمشكلات لديها، وتدعو المبتكرين لتقديم الحلول لها.
5- (قسيمة الابتكار) لكل صاحب فكرة واعدة. فمن أبرز أسباب موت الأفكار أن صاحبها لا يستطيع دفع تكلفة النموذج الأولي أو الاستشارة الهندسية أو الاختبار.
6- تحفيز الموظفين والمتطوعين والمتقاعدين وكل فئات المجتمع مادياً ومعنوياً من خلال دعوتهم لتقديم حلول.
7- حق التجربة والفشل المنضبط. لا يمكن أن يكون لدينا مجتمع مبتكر إذا كانت كل فكرة تحتاج إلى سلسلة من الموافقات. نحتاج إلى مساحات اختبار صغيرة وآمنة في مختلف القطاعات، بحيث يستطيع المبتكر اختبار فكرته دون تحمل التكلفة.
8- سوق وطني للأفكار وليس معرضاً للأفكار. المشكلة ليست في نقص المعارض والجوائز بقدر ما هي في ماذا يحدث للفكرة بعد المعرض.
أخيراً، أقترح إنشاء «المسار السريع للمبتكر». بمجرد اجتياز الفكرة تقييماً أولياً يحصل صاحبها، عبر نافذة واحدة، على خمسة أشياء: حماية أولية للملكية الفكرية، مستشار فني، إمكانية استخدام مختبر، تمويل نموذجي صغير، وربطه بجهة يمكن أن تكون أول عميل له. هنا سنختصر على المبتكر رحلة ربما تستغرق شهوراً. علينا ألا نطلب من الناس الذهاب إلى الابتكار، بل نجعله يذهب إليهم في ميادين أعمالهم.
ختاماً، علينا أن ننتقل من رعاية المبتكرين إلى مفهوم أوسع وهو حقوق المبتكرين.