التاريخ لا يكرر نفسه بالمسطرة، لكنه يكاد ينطق بلسان واحد: إن العبث المحتدم في مياه الشرق الأوسط اليوم ليس وليد اللحظة، بل هو استمرار لشرارة واحدة أُوقدت عام 1979م، حين اعتلت طهران مسرح الأحداث بنظام جعل من تصدير الأزمات عقيدة، ومن خنق الملاحة البحرية أداة ابتزاز سياسي، ولعل «حرب الناقلات» (1984-1988) تُعدّ الشاهد التاريخي الأبرز والأكثر بلاغة على هذا النهج القديم المتجدّد، يوم تحوّل الخليج العربي إلى ميدان ألغام، ولم تتوانَ إيران عن استهداف الناقلات الكويتية والسعودية والسفن الدولية التي لا ناقة لها في الحرب ولا جمل، مراهنة على فرض إرادتها بالقوة أو إغراق شريان الطاقة العالمي برمته.
لم تكن تلك الهجمات مجرد حوادث عابرة، بل سجّل التاريخ محطات فارقة أثبتت حقيقة هذا السلوك الأرعن والرد الكفيل بلجمه، ففي عام 1987، وأمام تصاعد الخطر الإيراني بالألغام والصواريخ، أطلقت الولايات المتحدة عملية «الإرادة المخلصة» (Operation Earnest Will) لحماية الناقلات الكويتية تحت العلم الأمريكي، في أكبر عملية مرافقة بحرية منذ الحرب العالمية الثانية. وعندما أصاب لغم إيراني الفرقاطة الأمريكية USS Samuel B. Roberts في أبريل 1988، جاء الرد حاسمًا عبر عملية «فرس النبي» (Operation Praying Mantis)، حيث قُلّمت أظافر البحرية الإيرانية ودُمّرت منصاتها النفطية المخصصة للاعتداءات، ليثبت التاريخ أن الردع الصارم هو اللغة الوحيدة التي تدفع طهران للتراجع والتقهقر.
إن ما يشهده البحر الأحمر ومضيق باب المندب اليوم عبر الأذرع والمسيّرات، ليس إلا الامتداد المباشر لتكتيكات الثمانينيات، فالوجه تغيّر لكن الفلسفة الإيرانية واحدة: «إما أن ننعم جميعاً بالأمن، أو نحرم العالم منه». إن قراءة «حرب الناقلات» بوعي تجعلنا ندرك أن الاضطرابات الحالية ليست نبتة شيطانية طارئة، بل هي عرض لمرض متجذّر يبدأ من طهران وينتهي بها، ومثلما انتهت عربدة الثمانينيات حين فرض المجتمع الدولي معادلة الردع وقبلت إيران تجرّع «كأس السم» بإيقاف الحرب، فإن استقرار المنطقة اليوم لن يتحقق بالأمنيات والحلول المؤقتة، بل بإنهاء جذر الأزمة وقطع يد العبث من مصدرها.