لسنوات طويلة، ظل البيض حاضرًا في دائرة الجدل حول صحة القلب، بسبب احتواء صفار البيض على الكوليسترول الغذائي، ما دفع كثيرين إلى الاعتقاد بأن تناوله بانتظام قد يرفع مستويات الكوليسترول في الدم ويزيد خطر الإصابة بأمراض القلب، لكن بيانات وأبحاثًا حديثة تشير إلى أن العلاقة بين تناول البيض وصحة القلب أكثر تعقيدًا مما كان يُعتقد سابقًا.
وسلط طبيب الأعصاب الهندي الدكتور سودير كومار، من مستشفيات أبولو، الضوء على نتائج دراسة عالمية ضخمة، نُشرت في المجلة الدولية للبحوث البيئية والصحة العامة International Journal of Environmental Research and Public Health، وحللت بيانات امتدت لنحو 28 عامًا وشملت 185 دولة، مشيرًا إلى أن النتائج أظهرت ارتباطًا عكسيًا بين استهلاك البيض ومعدلات الإصابة بمرض القلب الإقفاري والوفيات الناجمة عنه.
وأوضح الطبيب، في منشور عبر منصة «إكس»، أن البيانات تشير، بصورة مبسطة، إلى أن المجتمعات التي سجلت معدلات أعلى في استهلاك البيض ارتبطت لديها معدلات أقل من الإصابة بمرض القلب الإقفاري، إلى جانب انخفاض الوفيات المرتبطة بالمرض.
لكن هذه النتائج لا تعني بالضرورة أن تناول البيض يمنع النوبات القلبية، إذ إن وجود ارتباط إحصائي بين عاملين لا يثبت أن أحدهما هو السبب المباشر للآخر، كما تتداخل عوامل عديدة في تحديد مخاطر الإصابة بأمراض القلب.
هل يرفع البيض مستوى الكوليسترول؟
ويرجع القلق التقليدي بشأن البيض إلى احتواء صفاره على الكوليسترول الغذائي، إلا أن تأثير هذا النوع من الكوليسترول على مستويات الكوليسترول في الدم يختلف من شخص إلى آخر.
وأشار الدكتور كومار إلى أن الكوليسترول الموجود في الغذاء له تأثير محدود نسبيًا على مستويات كوليسترول البروتين الدهني منخفض الكثافة «LDL»، المعروف باسم الكوليسترول الضار، لدى معظم الأشخاص.
وتلعب عوامل أخرى دورًا أكثر أهمية في تحديد مستويات الكوليسترول وخطر الإصابة بأمراض القلب، من بينها النظام الغذائي بشكل عام، وكمية الدهون المشبعة، والعوامل الوراثية، والنشاط البدني ونمط الحياة.
وبحسب الطبيب، تشير الدراسات الاستباقية الحديثة والتحليلات المجمعة إلى أن تناول البيض باعتدال، وبمعدل يصل إلى نحو بيضة واحدة يوميًا، لا يرتبط بزيادة خطر الإصابة بأمراض القلب لدى البالغين الأصحاء.
فوائد غذائية تتجاوز البروتين
ولا يقتصر البيض على كونه مصدرًا للبروتين عالي الجودة، إذ يحتوي أيضًا على مجموعة من العناصر الغذائية المهمة.
ويعد البيض من المصادر الغنية بالكولين، وهو عنصر غذائي أساسي يشارك في إنتاج «أستيل كولين»، وهو ناقل عصبي يؤدي دورًا مهمًا في الذاكرة ووظائف عصبية أخرى.
كما يحتوي صفار البيض على مضادات الأكسدة «اللوتين» و«الزياكسانثين»، وهما مركبان يرتبطان بصحة العين، ويساعدان في حماية أنسجتها من الإجهاد التأكسدي ودعم الوظائف الطبيعية لشبكية العين.
كذلك يوفر البيض الأحماض الأمينية الضرورية لإنتاج بروتينات مختلفة في الجسم، ومنها الكيراتين، الذي يدخل في تكوين الشعر والجلد والأظافر.
هل يجب التوقف عن تناول البيض؟
تشير الأدلة الحديثة إلى أن معظم البالغين الأصحاء لا يحتاجون إلى استبعاد البيض تلقائيًا من نظامهم الغذائي خوفًا من الإصابة بأمراض القلب.
لكن الخبراء يشددون على أن الصورة الكاملة للنظام الغذائي تظل أكثر أهمية من التركيز على عنصر غذائي واحد.
ويُفضل أن يعتمد النظام الغذائي الداعم لصحة القلب على الخضروات والفواكه والحبوب الكاملة والبقوليات والمكسرات وغيرها من الأطعمة قليلة المعالجة، مع الحد من الدهون المشبعة والمتحولة والملح والأطعمة شديدة التصنيع.
كما تلعب طريقة تحضير البيض دورًا مهمًا في القيمة الغذائية للوجبة؛ فالبيض المطهو مع الخضروات وبكمية قليلة من الدهون المشبعة يختلف غذائيًا عن وجبة تعتمد على البيض إلى جانب كميات كبيرة من اللحوم المصنعة أو الزبدة أو الكربوهيدرات المكررة.
ولم تعد الأدلة الحديثة تدعم فكرة أن الكوليسترول الموجود في البيض يؤدي تلقائيًا إلى انسداد الشرايين أو الإصابة بالنوبات القلبية لدى الأشخاص الأصحاء، ومع ذلك، لا يمكن تعميم توصية واحدة على الجميع، إذ ينبغي أخذ الحالة الصحية لكل شخص، ومستويات الكوليسترول لديه، ونمطه الغذائي بالكامل، وعوامل الخطر الأخرى لأمراض القلب في الاعتبار عند تحديد الكمية المناسبة من البيض في النظام الغذائي.