قد تبدو رؤية «السعودية 2030» و«فرنسا 2030» متشابهتين في الاسم والتاريخ المستهدف فقط، لكن بالنظر إلى ما وراء العنوان يكشف عن تقاطعات اقتصادية أعمق بكثير. السعودية تسعى من خلال رؤيتها إلى بناء اقتصاد أكثر تنوعًا، ورفع مساهمة القطاعات غير النفطية، وتطوير قطاعات جديدة، وجذب الاستثمار والتقنية والمعرفة. على الجانب الفرنسي، تهدف إلى إعادة بناء قدراتها الصناعية والتقنية، وتعزيز قدرتها على المنافسة في صناعات المستقبل، من الطاقة النظيفة إلى الذكاء الاصطناعي والتقنيات المتقدمة. إذن البلدان لا ينطلقان من النقطة نفسها، لكنهما يتحركان في اتجاهات تتقاطع بصورة واضحة. في تقديري، هذا هو المدخل الاقتصادي الأهم لفهم زيارة ولي العهد الأمير محمد بن سلمان الأخيرة إلى فرنسا. هناك سؤال حاضر بقوة في الرؤيتين حول من سيملك صناعات وتقنيات اقتصاد المستقبل؟ لذلك العلاقة بين الرياض وباريس تتجاوز فكرة التجارة والاستثمار بصورتهما التقليدية.
بعد عقود من توسع العولمة وانتقال أجزاء من الإنتاج الصناعي إلى آسيا، أصبحت الاقتصادات الكبرى أكثر اهتمامًا بالأمن الصناعي وسلاسل الإمداد والقدرة على إنتاج التقنيات الإستراتيجية محليًا. فرنسا 2030 تعكس هذا التحوّل بوضوح؛ فهي تستهدف دعم الصناعات المستقبلية، وخفض الانبعاثات الصناعية، وإنتاج المركبات الكهربائية والهجينة، وتطوير الطيران منخفض الكربون، إلى جانب الاستثمار في التقنيات الإستراتيجية. في ذات الوقت، تسير رؤية السعودية 2030 في اتجاه مختلف في نقطة البداية، لكنه متقارب في النتيجة، وذلك من خلال بناء قاعدة صناعية أكبر، وتوطين سلاسل القيمة، وزيادة المحتوى المحلي، وتحويل المملكة إلى مركز للصناعة والخدمات اللوجستية والاستثمار. هنا تصبح فرنسا شريكًا يمتلك معرفة صناعية وتكنولوجية تحتاج إليها قطاعات تستهدف المملكة بناءها محليًا بعيداً التبادل التجاري التقليدي.
فرنسا 2030 تراهن على مزيج يجمع الطاقة النووية والهيدروجين وإزالة الكربون من الصناعة، وهذا يتضح جلياً من خلال سعيها لتطوير مفاعلات نووية صغيرة ومبتكرة، والوصول إلى موقع ريادي في الهيدروجين الأخضر، وخفض الانبعاثات الصناعية. في الجانب الآخر السعودي، رغم موقعها كواحدة من أهم دول الطاقة التقليدية في العالم، إلا أنها تبني في الوقت نفسه قدرات كبيرة في الطاقة المتجدّدة والهيدروجين والتقنيات منخفضة الكربون ضمن توجهاتها في الحد من الكربون للعام 2060. هنا تظهر واحدة من أهم العلاقات التكاملية بين الرؤيتين، فرنسا تمتلك قاعدة تقنية وصناعية متقدّمة، بينما تمتلك المملكة الموارد ورأس المال والموقع الجغرافي والقدرة على إنتاج الطاقة على نطاق واسع. لذلك قد تكون الطاقة إحدى أهم المساحات التي تتحوّل فيها العلاقة من بيع وشراء إلى بناء سلاسل قيمة مشتركة.
علاوة على ذلك، فرنسا تنظر اليوم إلى الذكاء الاصطناعي باعتباره جزءًا من سيادتها الاقتصادية والتكنولوجية، وتسعى إلى زيادة قدراتها في مراكز البيانات، والحوسبة، والبحث، والتطوير. في المقابل، أصبحت المملكة تنظر إلى الذكاء الاصطناعي والبيانات والبنية التحتية الرقمية باعتبارها محركات للنمو الاقتصادي الجديد. على الرغم من أن عناصر القوة مختلفة لدى الطرفين، كون فرنسا تمتلك الجامعات والباحثين والشركات والخبرة التقنية والوصول إلى السوق الأوروبية، إلا أن السعودية تمتلك قدرة استثمارية كبيرة، وطاقة تنافسية، وسوقًا سريع التحوّل، وطموحًا لبناء بنية تحتية رقمية ضخمة، هذه الاختلافات، هي ما يجعل الشراكة الاقتصادية أكثر منطقية.
لا نستطيع إغفال الجانب الثقافي، فرنسا تمتلك واحدة من أقدم وأقوى الصناعات السياحية والثقافية في العالم، بينما تعمل المملكة على بناء قطاع سياحي وثقافي وترفيهي كان حضوره الاقتصادي محدودًا قبل سنوات قليلة. التعاون في العلا مثال واضح على أن العلاقة يمكن أن تتجاوز الاستثمار المالي إلى نقل الخبرة في إدارة الوجهات، وحماية التراث، وبناء المنتجات الثقافية والسياحية. الجدير بالذكر، في الزيارة الأخيرة الاتجاه بدأ يتحرك في بشكل معاكس. وهذا يتضح من خلال الإعلان عن استثمارات بقيمة 6 مليارات يورو لتطوير ثلاثة مشروعات ترفيهية قرب باريس مما يعكس تغيّرًا مهمًا في طبيعة العلاقة. رؤوس الأموال والمشروعات السعودية نفسها أصبحت تبحث عن فرص داخل الاقتصاد الفرنسي. هذا يؤكد أن نضج العلاقات الاقتصادية يقاس أيضًا بقدرة شركاتها ومستثمريها على التحوّل إلى لاعبين دوليين وبناء أصول ومصالح اقتصادية في الخارج. من هنا يمكن فهم خصوصية العلاقة السعودية الفرنسية في المرحلة الحالية. لكل دولة دوافعها، لكن مساحة المصالح المشتركة بينهما تتسع. لهذا فإن القيمة الاقتصادية للزيارة الأخيرة لها أبعاد كبيرة تتجاوز عدد الاتفاقيات التي وقعت، وحتى مليارات الاستثمارات المعلنة.