لا أعرف كم عدد السعوديين الذين قضوا إجازتهم الصيفية خارج المملكة هذا العام، ليست لدي إحصائية الآن ولكن حتماً هناك الكثير الذين ذهبوا إلى بلدان العالم شرقاً وغرباً. السياحة الخارجية هي ثقافة حياة لدى كل الشعوب حتى في البلدان التي تتوفر فيها كل مقومات الجذب، الغرض منها تغيير نمط الحياة مؤقتاً والابتعاد عن المكان والمحيط المعتاد الذي يعيش فيه الإنسان، واكتشاف الجديد من المعارف عن الشعوب. الدول التي تشهد ازدحاماً بالسياح في الصيف يذهب مواطنوها إلى دول أخرى، سويسرا مثلاً بلد الهدوء والطبيعة الساحرة التي يؤمها المصطافون، يسافر مواطنوها صيفاً إلى بلدان أخرى أقل جمالاً طبيعياً وأشد حرارة، وهذا ينطبق على كثير من سكان البلدان المصنفة ضمن الأعلى ارتياداً في السياحة.
بالنسبة لنا كسعوديين كان الغرض من الاصطياف سابقاً، أي قبل التغير الكبير في نمط حياتنا الذي أحدثته رؤية 2030، أكبر من كونه الهروب من لهيب الصيف وتغيير المكان فقط. كان السعوديون أفراداً وعائلات يسافرون للحصول على الترفيه، ذهاب العائلات إلى الحفلات ودور السينما ومدن الملاهي، الجلوس في المطاعم سوياً بشكل طبيعي دون قلق، ارتياد الأسواق التجارية للتبضع دون فصل أماكن الرجال عن النساء والتوجس من عيون حرّاس الأخلاق وأوصياء السلوك البشري.
الآن تغير كل شيء لدينا. الحياة تمضي بشكل طبيعي، ولدينا مقومات كثيرة للجذب السياحي كخيار للذين لا يريدون السفر، لكن المشكلة أننا نروّج لها بأسلوب المقارنات. إذا تحدثنا عن منتجعات بحرية نقوم بمقارنتها بالمالديف أو سيشيل أو جزر الكاريبي، وإذا تحدثنا عن مصايف جبلية خضراء معتدلة المناخ استحضرنا مقارنتها بمنتجعات سويسرا، وإذا مدحنا شواطئنا أقحمنا معها لتفضيلها شواطئ الجنوب الفرنسي أو الإيطالي، وهكذا على هذا المنوال، رغم الاختلاف الكبير في عمق تجربة الصناعة السياحية وتفاصيلها. الناس لا تذهب إلى أماكن تشبه المألوف لديها بل تريد المختلف. عندما أكون مواطناً في المالديف وتقول لي إن مشروع البحر الأحمر مثلاً هو مالديف السعودية فلن أتحمس لزيارته لأني أريد شيئاً مختلفاً، وبالتالي لا بد أن تتغير إستراتيجية الترويج الخارجي لسياحتنا المحلية، وأما بالنسبة للسائح المحلي، فإنه أيضاً يبحث عن منظومة سياحية متكاملة في أي موقع سياحي. السياحة تفاصيل كثيرة يضعها السائح في اعتباره، وليست مكاناً فقط. الخدمات، الأسعار، التسهيلات، الترويح والترفيه المناسب، التجارب المثيرة المستمدة من الثقافة المحلية وليس استنساخ التجارب التقليدية المعروفة في الخارج، هذه العوامل يجب أن تؤخذ في الاعتبار لتطوير سياحة محلية منافسة.
وعلى أي حال، نحن ما زلنا في بداية الصناعة السياحية، وما تحقق شيء جيد، لكننا نطمح إلى أن تكون السياحة الداخلية خياراً منافساً، ليس بسبب العاطفة الوطنية ولكن لأسباب موضوعية مقنعة.