شاركت المملكة في المنتدى الحضري العالمي الثالث عشر في أذربيجان، الذي نظّمته الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية، لشرح تجربتها الفريدة. فما نشهده اليوم لم يعد مجرد توسع عمراني تقليدي، بل مشروع حضاري متكامل يعيد تعريف فكرة (المدينة) بوصفها كياناً حياً يتفاعل مع الإنسان، ويحترم البيئة، ويؤسّس لمستقبل أكثر اتزاناً واستدامة.
تصريحات الوزير ماجد الحقيل خلال المنتدى، جاءت كقراءة إستراتيجية عميقة لمسار التحول الحضري الذي تعيشه المملكة، وحجم جهد وزارة البلديات والإسكان في إعادة بناء مفهوم المدينة الحديثة على أسس أكثر إنسانية واستدامة وجودة للحياة.
التحوّل الحضري تحت مظلة الرؤية القديرة يعكس وعياً عميقاً بأن المدن الحديثة تُقاس بقدرتها على خلق بيئة إنسانية متوازنة تمنح السكان الإحساس بالأمان والانتماء والراحة النفسية والاستقرار الاجتماعي.
لذلك أصبح مفهوم (المدينة الإنسانية) حاضراً في التخطيط السعودي، بدءاً من تصميم الأحياء ووصولاً إلى تطوير الخدمات الذكية والمساحات الخضراء وأنظمة النقل وجودة البيئة العمرانية، والانتقال من مفهوم الإدارة الخدمية التقليدية إلى مفهوم الإدارة التنموية الشاملة التي أعادت صياغة البيئة الحضرية بكاملها، عبر تطوير التشريعات، وتحفيز الاستثمار العقاري، وإطلاق برامج الإسكان التنموي، وتوسيع خيارات التملك، وتحسين جودة التخطيط العمراني، وربط التنمية السكنية بجودة الحياة والاستدامة الاقتصادية والاجتماعية.
في التجربة السعودية الدولة لم تتعامل مع الإسكان باعتباره ملفاً خَدَمياً محدود الأثر، بل اعتبرته أحد أهم مفاتيح الاستقرار الوطني والاجتماعي.
ارتفاع نسبة تملك المساكن إلى أكثر من 66% يعبّر عن تحوّل اجتماعي عميق ينعكس مباشرة على استقرار الأسر، وتعزيز الطبقة الوسطى، وتقوية شعور المواطن بالأمان والانتماء للمكان.
الإنسان الذي يمتلك منزله يصبح أكثر ارتباطاً بمدينته وأكثر إيماناً بالمستقبل وأكثر قدرة على المشاركة في عملية التنمية والإنتاج، وهو ما عملت عليه الدولة عبر برامج متنوعة استفاد منها أكثر من مليون أسرة سعودية.
المشروع الحضري السعودي يجمع بين الأصالة والمعاصرة، وهي معادلة معقدة فشلت فيها تجارب كثيرة حول العالم.
إطلاق 19 طرازاً معمارياً يعكس الهوية العمرانية السعودية يمثل خطوة شديدة الذكاء؛ لأن المدن التي تفقد هويتها الثقافية تتحوّل مع الزمن إلى نسخ متشابهة بلا روح. العمارة ليست جدراناً وأسقفاً بل ذاكرة بصرية تحفظ شخصية المجتمع وتاريخه وثقافته.
فالحفاظ على الطابع العمراني المحلي بالتوازي مع التحديث يمنح المدن السعودية خصوصيتها الحضارية ويمنع ذوبانها الكامل في النموذج العمراني العالمي المكرر، عبر اعتماد نماذج معمارية تعكس التنوع الثقافي والجغرافي للمملكة.
الاهتمام بالمدن الذكية يكشف عن إدراك مبكر لطبيعة المستقبل.
دخول ثماني مدن سعودية ضمن مؤشر IMD للمدن الذكية يعكس حجم الاستثمار في التقنيات الحديثة والبيانات والتحوّل الرقمي. المدينة الذكية لم تعد ترفاً تقنياً، بل ضرورة اقتصادية وأمنية وبيئية، لأنها ترفع كفاءة الخدمات، وتقلل الهدر، وتحسّن إدارة المرور والطاقة والمياه والنفايات، وتخلق بيئة أكثر مرونة وقدرة على التعامل مع التحديات المستقبلية.
جهات عدة سعت لتطوير المنصات الرقمية والخدمات الذكية والتوسع في الحلول التقنية المرتبطة بإدارة المدن، فانضمام 16 مدينة سعودية إلى مبادرة المدن الصحية يحمل دلالة أخرى بالغة الأهمية، تؤكد أن التنمية السعودية الجديدة تجاوزت المفهوم التقليدي للعمران إلى مفهوم أكثر شمولاً يربط الصحة العامة بالتصميم الحضري وجودة الهواء والمساحات المفتوحة وأنماط الحياة اليومية.
تشهد الرياض اليوم مشروعاً حضارياً عملاقاً، المسار الرياضي بطول 135 كيلومتراً؛ بهدف تشجيع السكان على تبني أسلوب حياة صحي معتمداً على «الكود العمراني» المستوحى من العمارة السلمانية لتحسين المشهد الحضري والبيئي.
المدن الحديثة تساعد سكانها على الحياة بصورة صحية ومتوازنة نفسياً وجسدياً، وتعيد صياغة العلاقة بين الإنسان والمكان بعد عقود هيمنت فيها المدن الاستهلاكية وحوّلت البشر إلى مجرد أرقام داخل فضاءات عمرانية فاقدة للروح.
المدينة في المفهوم السعودي الجديد تسعى لأن تكون فضاءً للعيش الكريم، والعمل، والثقافة، والترفيه، والاستدامة، والتفاعل الإنساني، وهو ما يفسر التركيز المتزايد على جودة الحياة والمشروعات البيئية والحدائق والممرات العامة والمرافق الثقافية والرياضية.
العالم اليوم يواجه تحديات حضرية هائلة، تشمل التلوث، والتكدّس السكاني، والاختناق المروري، وضعف الخدمات، وارتفاع تكاليف المعيشة، وتغيّر المناخ.
لذلك فإن أي تجربة قادرة على تقديم نموذج متوازن للتنمية الحضرية ستجد اهتماماً دولياً واسعاً.
السعودية تحاول أن تقدّم نفسها باعتبارها مختبراً عالمياً لصناعة مدن المستقبل، مستفيدة من قدراتها الاقتصادية، ورؤيتها الإستراتيجية، وسرعة اتخاذ القرار، والانفتاح الكبير على التقنيات الحديثة والشراكات الدولية.
المدن الجديدة التي تُبنى اليوم في المملكة تحمل رسالة تقول إن الإنسان يجب أن يبقى محور التنمية وغايتها الكبرى، وإن المدينة الناجحة تمنح سكانها الشعور بالحياة.
رسالة معبّرة لأمناء المناطق وحافز قوي لهم لينظروا ويتأملوا فعل الرؤية منذ أن أظلّت حاضر حياتنا، باثة طاقة جديدة، ومحركة تروس الإنجاز لترسم الدهشة والغبطة والإعجاب، في كل مجال ومساق، بغير استثناء.
رؤية فتحت الباب لشموس الغد لتعانق سماء الوطن، وترسم لنا الطريق نحو استلهام المستقبل، والبحث عن «جودة الحياة» وتقول للمتقاعسين لا مكان لكم في عقد الرؤية.