وصلت الحرب الأمريكية-الإيرانية إلى تقاطع طرق سوف يحدد ليس فقط شكل المنطقة بل أيضًا العالم. إيران عبر تاريخها، تعتمد على سياسة الاستنزاف وتستفيد منها ليس فقط للحفاظ على وجود نظامها، بل أيضًا لاستثمار «ثقافة الصمود» في الحروب على المستويين الخارجي والداخلي.

ففي الداخل، كانت تستثمر لعبة التهديد الوجودي وصمود النظام لإحكام القبضة العسكرية على الداخل. أما خارجيًا، وهنا الأهم، استطاعت إيران رغم الحروب ورغم الحصار والإخفاقات التي تعرّضت لها، أن تبني ترسانة نفوذها عبر تقوية وكلائها الممتدين بشكل مباشر في اليمن والعراق ولبنان وفلسطين وسوريا، سياسيًا وإعلاميًا واقتصاديًا واجتماعيًا وعسكريًا. من «درّة تاجها» حزب الله مرورًا بالحوثيين في اليمن، والفصائل الأخرى في العراق، أنتجت إيران نظامًا في المنطقة تصبح فيه سيادة الدول موضع تفاوض دائم. لننظر إلى لائحة ما تسمّيها إيران الشروط لإبرام أي تسوية ممكنة مع الولايات المتحدة الأمريكية، فهي تتضّمن مطالب بعدم التعرّض إلى حلفائها، وهم مجموعات عقائدية و/أو عسكرية خارجة عن القانون في بلادهم تحت عناوين مختلفة ومنها المقاومة، يفرضون نفوذهم في البلاد التي يتحركون فيها بقوة السلاح. الأخطر من ذلك، تعمل إيران على دعم هؤلاء في مساومة أنظمة البلاد التي يتواجدون فيها مقابل أي تفكير في تسليم السلاح والاحتكام إلى مؤسسات دولهم، من خلال دفع هؤلاء للحصول على مكتسبات سياسية «إضافية» في بلدانهم تحت عنوان الضمانات مقابل البحث في تسليم السلاح.

كما أن أخطر ما أنتجته إيران في المنطقة هو لا مركزية العمل لوكلائها على مستوى العمليات، وفي الوقت نفسه بناء شبكة معرفية عملياتية مرتبطة ببعضها البعض تتبادل الخبرات العسكرية والموارد المالية وغيرها. فعلى سبيل المثال لا الحصر، تم اختبار تكتيكات وقدرات جديدة في ساحات القتال وتطوير الأدوات والإستراتيجيات في استخدام الطائرات المسيّرة والعمل على الاستفادة من الأخطاء التي وقعت في الحروب الماضية. هذه الاختبارات استفادت منها المليشيات الإرهابية وعملت وما تزال على تكيّفها بما يناسب ظروفها. هذه الشبكات في نقل الخبرات من ساحة قتال إلى غيرها عن طريق الحرس الثوري وفيلق القدس، كانت تستفيد منها إيران بدورها، ليس فقط في نقل المعركة خارج حدودها عبر استنزاف خصومها في مواجهة الوكلاء، لكن أيضًا في تحويل العمليات العسكرية التي يقوم بها الوكلاء إلى محطات اختبار تستفيد منها إيران في حروبها كما يحدث اليوم في مضيق هرمز.

تسعى إيران عبر نظامها إلى تثبيت نموذج إقليمي يقوم على دول تحتفظ بحدودها ومؤسساتها الرسمية، فيما تبقى قراراتها السيادية الكبرى ومستقبلها رهينة قوى مسلّحة موازية للدولة، تمتلك حق التعطيل في الداخل وترتبط إستراتيجيًا بطهران. فمن خلال هؤلاء، تحقق إيران موطئ قدم لها إستراتيجي قرب المضائق المؤدية إلى القرن الإفريقي. وفي أدوات الحروب الحالية، من يسيطر على الممرّات والمضائق يبني النفوذ.

من هنا، تبرز الحاجة إلى وجود نظام ردع فاعل وليس شكليًا ضد النموذج الذي تحاول إيران المحافظة عليه وتكريسه، وإلا، فإن أي تسوية تحت عنوان الاحتواء دون معالجة مصادر التهديد الإيراني ودون وجود سياسة ردع حقيقية، ستتحوّل إلى فرصة جديدة للنظام الإيراني لإعادة بناء وتفعيل وتكريس النموذج الذي فرضته إيران.

حينها، لن تكون الدول العربية القائمة التي تبني وتستثمر في نظام قائم على القانون والمؤسسات والتنمية قد ربحت استقرارًا مستدامًا، بل هدنة مؤقتة بانتظار الجولة المقبلة.