صبّحتْ (شفيعة) على عمّتها (مشفوعة) بالخير، والعجوز مسرّحة، تحرك شفاهها بكلمات لا يتضح معناها، وكأنها ناقمة على حِلم شافته في منامها البارحة فنغص عليها، لم تسمع التصبيح؛ فقربت منها وقالت بصوت مرتفع «وش أصبحتِ يا عمّة» انتغزت وقالت؛ أخرعتيني الله يخشعك، وازدادت العجوز احتقاناً وهي تقول؛ يا غبيرة يا دبيرة، بغيتِ تأخذين عقلي اللي ماعاد معي منه ما يملا زبدية القهوة! احمرّتْ وجنات زوجة ابنها الودود، بسبب ردة فعل سيدة الدار، التي لا يجرؤ أحد على استفزازها، فقالت؛ باسرح إن كان لقيت حلفاء وإلا خشاش يابس للبقرة؛ لم تُعلّق كونها أعرف أهل القرية بالوادي المتشقق من اليباس، وكأنها فقوع كعوب أرجل القرويين زمن النجديّة.
اشتلت (شفيعة) قفتها واخترجت المحش من بين حجارة مندر الدرجة، ولفّت حوكتها على رأسها، وأدخلت قدميها في كنادر بلاستيك، إذا دخلها شيء الماء تصدر أصواتاً فاضحة، اجتهدت في مسح المكان، ولم تظفر بقبضة كف من عشب، والغدران تحوم الهمجة على ما بقي من نقيع آسن، وافتقدت أصوات العصافير؛ فذهب بها ظنها إلى أن القريّة أغضبت ربي وإلا ما كان قطع عنها المطر، ظهر عليها الفقيه من السند قائلاً (بعوه) فقبعته بخشبة المحش في المضاغة وعجرمت، فتلفت ليتأكد أن ما حد شافه؛ وانخرط من بين العقش.
يطيب للقحم (شردان)، الذي لم يبق من أنداده ولا مخلوق، أن يفرش جاعداً ويتمدد في ركن الساحة ليرصد السارحات والرايحات؛ وكلما لمحته كهلته استلمته؛ قم من عندك يا شيبة يا هلبة يا المخرّف ما تستحي تتلمح في نسوان خلق الله؛ ويردّ عليها؛ كُلي تراب أربني باكلهنه يا كهلة عثبر؛ ويضيف مُحل رشاي فوق محّالة بيرك، والفراص ينكب، والديك يوذّن مدنّي ما معه قدرة يرفع راسه، علّقت؛ استح على نفسك من ربي، ما تسدنا الشحاحة اللي انحن فيها، وطقت بأيمان؛ ما بقي في سحاريتها ما يرفع الميزان ولا يرخيه؛ ردّ عليها؛ ما تعرفين تدبّرين يا محوقة البركة واستلمها يقصّد (ومنهنّ من تسوى ثلاثين ناقة، ومنهن من تسوى فتيل قعود؛ ومنهن من تدني ويدني لها الغنى، ومنهن من تحدا الغنى بعمود) وكعادته إذا انفعل يشرع في عضعضة براطمه، ثم قال (يا ليت ما مضى من عمري يعود والله لاخلّي جنّك يسلمون)، فقالت؛ قم أطلب ربك يرحمنا خل عنك ما معك إلا كما ..... الديك؛ وأضافت؛ نسيت يوم كنت تتشرد مني في عُليّة أمك؟! ؛ فكّ مشبك حلق الثوب فاندلع؛ وبدا يندف صدره البارزة أضلاعه كعيدان زربه متهالكة ويقول؛ ليتني طاوعت أُمي الله يرحمها، فأوصلتها معه كيس التمباك يوم قالت؛ الله يجعلك لحوقتها، فدخل على السحارية ونثّرها ولفلف ما فيها وزقاب هتافيرها قدام الباب وطلّق من ظهرها ما تقعد فيه إلا ما قعدت.
مرّتْ بهم (شفيعة) وهي رايحة بقفتها الفاضية؛ ألقت عليهم تحيتها العذبة؛ (ولعون)، وهي منكسرة الخاطر، مسحت بطرف الحوكة رشحها الناضح من جبهتها، وصاحت باتلى نشغة في صوتها؛ يا الله في المزى، وشبك يا عمّ (شردان) انحن في وقت، ما لنا فيه إلا مرضاة ربي؛ وانته على ضعيفة الله سمّيتاها وهميتاها؛ وضع سبابته على شفتيه؛ في إشارة تحذير تعني؛ التزام الصمت، وبدع (وش معا زارع الثومة من الثوم فود؛ غير فتق المحاجي لا غمض نونها) فأدارت له ظهرها؛ وهي تحدث نفسها عن سوء الخاتمة مع أزواج ما يخافون الله ولا يتقونه؛ وتذكّرتْ شريك حياتها، ورفيق دربها المغترب في مكة من سنين، ولا تشوفه إلا مرة كل عام، مع رجعة الحجاج إلى أهاليهم.
عدّت من السُّدة، وعين عمتها على القُفّة؛ سبقتها بالهرجة؛ حالفةً إنها ما فرحت من الوادي لا بحشيشة ولا قشيشة، وأضافت؛ تقولين حد ولّع فيه بعود كبريت؛ عادت العمّة لاستحضار تفاصيل الحِلم؛ وما ينفهم منها إلا (صُفة أتلى الزمان) وجدت العمة الفُرصة مواتية لتفجير لُغم القلق المحتقن وتصفية الحسابات مع (شفيعة) وبدأت تلمّح لها أنها ما سرحت تتخلا للبقرة؛ بل لتتسلّى بحليس ومليس ونقّاب الكيس، لم تردْ عليها حشمة اللي في الحرم يدّعي به، وتذكّرت أن في آخر السفل بقية من قصيل الخريف، فاحتزمت بالشرشف، وندرت لتعلف البقرة، التي كادت تنطحها وكأنها تعاتبها لتأخرها عليها.
اقترح العريفة على الفقيه يسرح بهم يتسقون، وقال؛ بكرة الاثنين اسبقنا قبل شرقة الشمس، وطلب من المذّن؛ يشاور (مشفوعة) إن كان أعطتهم البقرة، يتسقون بها، ويتشركونها، حتى يفرجها عليهم، ويعطونها قيمتها، وبغت (مشفوعة) تنشبها في صفا، قالت لها؛ شفيعة أعطيهم يا عمة قبل ما تخرج في السفل؛ ردّت؛ أعطوك عُطة بقرتي والا بقرة أهلك يا ضرسه، تذكّرت حِلمها المُنذر بمخاوف، فقالت؛ يا ديكان البقرة باربعين ريال، وتراني ما اعرف إلا أنت، فقيهك ياكل مال الأيتام وينتزي في الحرام، وعريفتك بطنه أحمر الله ربنا وربه. افتكها من مربطها، فدمعت عين (شفيعة)؛ وخرج الصغار والكبار وراء البقرة مرددين؛ (يا الله ارحمنا وانظر فينا، يا والي ترحم وادينا، من قبل الغدرة تمسينا، والغبرة تحجب ناوينا).
تقدّم الفقيه ليُصلّي، فمغصه بطنه، وخشي يهرّه، فانسحب مدحدر على المجرّة؛ وصوت قربعة معدته تبلغ أسماعهم، فقال الشاعر ساخرا؛ (كريم يا راعد بطول المجرّة) فتضاحكوا، وطلب العريفة أحد يتقدم، يصلّي بهم ويستغيث، فاعتذروا، كونه لا أحد يجيد قراءة الفاتحة؛ فنشدهم؛ عندكم وإلا عندي؟ قالوا ؛ لا والله إلا عندك؛ فقال؛ سووا كما سواتي، فرمى عمامته في قبلة المسقّى، ورمى الحضور عمائمهم، وقال؛ هذي دخالتنا عليك تغيثنا، والله لو انك مكاننا وانحن مكانك ولك حاجة عندنا وطلبتنا ما نردك؛ فهبت شامية، وانقلب لون السماء، ومرّ عليهم أربعين ليلة لا يخرج خارج، ولا يدرج دارج، وغدت الدنيا سما وماء، وخرج العريفة صبيحة اليوم الحادي والأربعين، ولمح الركايب تنزي في بعضها؛ والغدران لها أزلة؛ والضفادع تؤنس الوادي بصوت قرقرتها؛ فرفع بصره إلى السماء مردداً؛ (بالنيّة ما هي بالمظهريّة).