هناك حقيقة ديموغرافية تتمحور حول فكرة أن العالم يتجه إلى الشيخوخة. معدلات المواليد تتراجع في عدد متزايد من الدول، ومتوسط الأعمار يرتفع، والقوى العاملة بدأت بالفعل في الانكماش في بعض الاقتصادات الكبرى. الحديث عن «القنبلة الديموغرافية» أصبح حاضراً بقوة في النقاش الاقتصادي في كثير من الدول كاليابان، وكوريا الجنوبية، والصين وأجزاء واسعة من أوروبا.

المنطق الذي يقف خلف هذا القلق مفهوم. عدد أقل من المواليد اليوم يعني عدداً أقل من العمال غداً، في المقابل يعني عدداً أكبر من كبار السن والمتقاعدين. في ظل التحوّلات التقنية الكبرى لماذا لا ننظر إلى المسألة من زاوية أخرى؟

ماذا لو كان انخفاض عدد العمال لا يعني بالضرورة انخفاض القدرة على الإنتاج؟ وماذا لو كان نقص العمال نفسه أحد الأسباب التي تدفع الاقتصادات إلى أن تصبح أكثر إنتاجية؟ الاقتصاد في النهاية لا يعتمد فقط على عدد من يعملون، بل على مقدار ما ينتجه كل واحد منهم، وهذا فرق مهم.

لنفترض أن اقتصاداً لديه عشرة ملايين عامل ينتج كل منهم ما يعادل 100 ألف دولار سنوياً، ثم انخفض عدد العاملين بمرور الوقت، لكن الاستثمار في التكنولوجيا ورأس المال رفع إنتاجية العامل بصورة كبيرة. عندها ليس من الضروري أن ينخفض الإنتاج الكلي بالقدر الذي يوحي به انخفاض عدد العمال، وقد لا ينخفض أصلاً إذا كانت مكاسب الإنتاجية كبيرة بما يكفي. هنا أعتقد أن النقاش حول شيخوخة السكان يحتاج إلى الانتقال من التركيز على عدد العمال إلى التركيز على إنتاجية العامل. الندرة في الاقتصاد لا تؤدي دائماً إلى الانكماش، أحياناً تغيّر السلوك والحوافز.

عندما تكون العمالة متوفرة ومنخفضة التكلفة، تستطيع الشركات الاستمرار في توظيف المزيد من الأشخاص لزيادة إنتاجها، لكن عندما يصبح العامل نادراً وأكثر تكلفة، تتغيّر المعادلة. يصبح الاستثمار في الآلات والبرمجيات والأتمتة والروبوتات أكثر جدوى، وتبدأ الشركات في البحث عن طريقة لإنتاج الكمية نفسها، أو أكثر، باستخدام عدد أقل من الأشخاص. بعبارة أخرى، قد يكون نقص العمال نفسه حافزاً لرفع إنتاجيتهم.

هناك العديد من الدول فيها انخفاض في معدلات المواليد، لكن لم يرتبط بالضرورة بنمو اقتصادي ضعيف. في كثير من المناطق والدول التي شهدت انخفاضاً أكبر في المواليد حققت في بعض الحالات نمواً أعلى في الناتج لكل فرد في سن العمل، إلى جانب نشاط أكبر في التقنيات الموفرة للعمل وتحسّن في بعض مؤشرات الإنتاجية. هنا تصبح المفارقة أكثر وضوحاً، قد يؤدي انخفاض عدد البشر المتاحين للعمل إلى زيادة الاستثمار في التكنولوجيا التي تجعل الإنسان الموجود أكثر إنتاجية.

التاريخ الاقتصادي مليء بأمثلة مشابهة. الآلة لم تنتشر فقط لأنها اختراع جيد، بل لأنها أصبحت في لحظة معينة أكثر جدوى من الاستمرار في الاعتماد على العمل البشري بالطريقة القديمة. كلما ارتفعت تكلفة عنصر من عناصر الإنتاج، زاد الحافز للبحث عن بديل له أو استخدامه بكفاءة أكبر. ما يجعل هذه القضية أكثر أهمية اليوم هو توقيتها. العالم يشيخ في اللحظة نفسها التي يشهد فيها طفرة غير مسبوقة في الذكاء الاصطناعي والروبوتات والأتمتة. خلال السنوات القليلة الماضية، انشغلنا بسؤال واحد: هل سيأخذ الذكاء الاصطناعي وظائف البشر؟ ربما علينا أن نضع إلى جانبه سؤالاً آخر: ماذا لو احتجنا إلى الذكاء الاصطناعي لأننا لن نملك عدداً كافياً من البشر للقيام بكل تلك الوظائف؟