العمل الفني الكبير ليس ذلك الذي تشاهده في الصالات أو عبر الشاشات ثم تغادره، هو الذي يغادرك إلى البيت، ويجلس معك أيامًا، ويجبرك بعد زمن على العودة إليه؛ لأنك تشعر أن شيئًا ما فاتك في المرة الأولى.
لهذا بقيت الأوديسة، وتطورت الإلياذة، وحضرت الكوميديا الإلهية؛ لأنها لم تُبنَ على حكاية واحدة مغلقة، وإنما على طبقات من الإنسان والخوف والحب والبطولة والموت والخطيئة والعودة والبحث عن المعنى.
وكل قراءة جديدة لها تفتح بابًا لم يكن ظاهرًا من قبل.
وحين تستطيع السينما التقاط عمل كهذا، فإنها لا تصنع فيلمًا فقط، بقدر ما تعيد إنتاج ذاكرة أمة بلغة العالم.
وهنا يأتي السؤال الذي يستحق أن نسأله عن السينما السعودية اليوم:
لماذا، رغم كل ما تحقق لها من تطور ودعم ومهرجانات وتجارب ومواهب، لم نصنع بعد الفيلم السعودي الملحمي الذي يحكي حكايتنا للعالم؟
المشكلة بالتأكيد ليست في نقص الحكايات.
لدينا من التاريخ ما يكفي لعشرات الأفلام الكبرى. لدينا حكاية التأسيس بما فيها من تحولات وتحالفات وصراعات وشخصيات وأمكنة..
ولدينا ملحمة توحيد المملكة، وهي في ذاتها رحلة سينمائية مذهلة؛ رجل يبدأ بحلم، ويسترد الرياض، ثم تمتد رحلته سنوات بين الصحراء والمدن والقبائل والمعارك والسياسة والانتصار والانكسار، حتى تتشكل دولة بحجم قارة.
ولدينا معارك وأبطال ورحلات وقضايا ومواقف إنسانية لم تقترب منها الكاميرا بعد.
إذن لماذا لا نملك «أوديسّتنا» السينمائية؟
ربما لأننا ما زلنا نخاف من التاريخ أكثر مما نحبه فنيًا..!
نتعامل معه بوصفه مادة ينبغي المحافظة عليها، لا عالمًا ينبغي اقتحامه.!
نريد من الفيلم التاريخي أن يكون صحيحًا ومحترمًا وآمنًا، وهذه شروط ضرورية، لكنها لا تصنع وحدها فنًا عظيمًا.!
الفيلم الكبير يحتاج فوق دقة الرواية إلى خيال، وشخصيات من لحم ودم، وصراع، وضعف، وانتظار، وخوف، وانتصار له ثمن.
هوليوود حين تعود إلى أساطيرها وتاريخها لا تصور الحدث فقط؛ إنها تبني حوله عالمًا. تستدعي الموسيقى والملابس والجغرافيا واللغة والصمت والضوء، وتنفق على التفاصيل الصغيرة لأنها تعرف أن العالمية لا تبدأ من محاولة إرضاء العالم، ولكن من الإيمان العميق بالحكاية المحلية.
وهذه ربما مفارقتنا الأهم. فنحن نملك المال، والمواقع الطبيعية المذهلة، والتقنيات، والدعم، وجيلًا سعوديًا جديدًا من المخرجين والممثلين والكتّاب، ونملك قبل ذلك كله حكايات لم تُستهلك بعد.
لكن الفيلم الملحمي لا يولد بمجرد اجتماع هذه العناصر؛ يحتاج إلى كاتب يرى التاريخ إنسانًا قبل أن يراه تاريخًا، ومخرج يمتلك خيالًا يتجاوز إعادة تمثيل الوقائع إلى خلق عالم كامل، ومنتج يؤمن بأن بعض الأفلام لا تُصنع لشباك التذاكر وحده، إنما لتبقى خمسين عامًا وأكثر...
وهنا تبرز مسؤولية المؤسسات التي تحفظ ذاكرتنا الوطنية، وفي مقدمتها دارة الملك عبدالعزيز. فالدارة لا تختزن وثائق وصورًا ومخطوطات وروايات شفوية فحسب؛ إنها تحفظ المادة الخام لعشرات الأفلام التي لم تُصنع بعد.
وربما حان الوقت لأن تُفتح كنوز هذه الذاكرة بصورة أوسع أمام كتّاب السيناريو والمخرجين والمنتجين، وأن تنشأ جسور حقيقية بين المؤرخ والفنان؛ لأن الوثيقة التي تبقى في الأرشيف تحفظ التاريخ، لكن الوثيقة التي تقع في يد فنان عظيم قد تجعل العالم كله يراه.
ولا يعني ذلك أن تتحول الدارة إلى منتج سينمائي، ولا أن يتنازل المؤرخ عن دقة التاريخ لمصلحة خيال الفنان، وإنما أن نخلق منطقة يلتقي فيها الاثنان: المؤرخ يمنح الحكاية جذورها، والفنان يمنحها أجنحتها.
وربما نحتاج مستقبلًا إلى مسارات بحثية مخصصة لصناع الأفلام، وملفات تاريخية درامية تُستخرج من الوثائق والسير والروايات الشفوية، وتقول للمبدع: هنا حكاية تستحق أن تُروى.
فذاكرة الوطن لا يكتمل دورها حين نحفظها فقط؛ يكتمل حين نجعل الأجيال تراها وتسمعها وتشعر بها. وإذا كانت دارة الملك عبدالعزيز هي إحدى أهم خزائن الذاكرة السعودية، فإن السينما قد تكون واحدة من أجمل النوافذ التي نطل بها من تلك الذاكرة على العالم.
نحن لا نحتاج فيلمًا تاريخيًا يشرح للعالم من نحن.
نحتاج فيلمًا عظيمًا يجعل العالم هو الذي يريد أن يعرف من نحن.
فالعالم لم يعرف طروادة لأنه قرأ تقريرًا عن حربها، ولم يبقَ أوديسيوس آلاف السنين لأنه انتصر في معركة؛ بقي لأن الإنسان وجد نفسه في رحلة عودته.
وحكايتنا السعودية تمتلك الإنسان والمكان والصراع والحلم والبطولة.
لدينا الملحمة كاملة.. ما ينقصنا فقط أن يأتي من يراها بعين السينما.