بادئ ذي بدء، أود أن أوضح للقارئ، أنني لست مفتياً، ولا رجل دين، ولا علاقة لي بالفتاوى الشرعية، وليس من حقي أن أصدر حكماً في مسألة دينية لا أملك أدواتها ولا علمها. لكن ما دفعني لطرح هذا السؤال الوارد في عنوان المقال «أرباح منصة إكس.. حلال أم حرام؟» أو غيرها من المنصات الرقمية، هو ما لاحظته من أن بعض مرتادي هذه المنصات، من مشاهير وإعلاميين وغيرهم، أصبحت نظرتهم مادية بحتة، هدفها تحقيق أكبر قدر ممكن من المشاهدات والتفاعل، ومن ثم الحصول على أكبر نسبة من الأرباح التي توزعها هذه المنصات.

وأنا هنا أتحدث تحديداً عن بعض من لهم علاقة بالشأن الرياضي، وما ينشرونه من أخبار تفتقد في كثير من الأحيان إلى المصداقية، وتقترب في محتواها من الشائعات، التي تثير البلبلة والتشويش في محيطنا الرياضي.

الأخطر من ذلك، أن بعضهم يستغل حسن نية المتلقي، مستفيداً من غياب الرقابة، وفي الوقت نفسه من عدم قيام الجهات الرياضية المعنية بهذه الأخبار غير الصحيحة بدورها في تكذيبها أو ملاحقة مروجيها قانونياً، حتى أصبح الأمر في بعض الأحيان أقرب إلى مقولة: «حارة كل من يده له».

هذه ظاهرة واضحة امتلأت بها المنصات الرقمية، أو ما يُطلق عليها وسائل التواصل الاجتماعي، بصورة أصبحت مؤسفة ومثيرة للقلق، وكان من الممكن التغاضي عنها في السابق، لولا أنها في الآونة الأخيرة أخذت في الانتشار بشكل مبالغ فيه، حتى بات من الصعب السكوت عنها. حتى غير المتخصصين في النقد والتحليل الرياضي باتوا «هوامير»، بعدما امتلكوا ميكرفون وكاميرا ولوحة مفاتيح وبضغطة زر شكلوا مشهداً فوضوياً لا نهاية له ولا حل.

بصراحة، هؤلاء يسعون سعياً حثيثاً إلى تحقيق «الترند» من جهة، وإلى تحقيق مكاسب مالية من جهة أخرى، دون أن يدرك بعضهم أن ما يقومون به لا يقتصر على مجرد الحصول على مشاهدة أو تفاعل أو أرباح، فالكلمة التي تُنشر ليست مجرد كلمة عابرة، والخبر الذي يُقدَّم على أنه «عاجل» أو «حصري» ليس مجرد محتوى للاستهلاك السريع. إنه قد يمس سمعة أشخاص، سواء كانوا مسؤولين إداريين أو فنيين أو مدربين أو لاعبين، وقد يثير حالة من الاحتقان والإحباط لدى الجمهور الرياضي، وقد يؤدي إلى تضليل الشارع الرياضي بمعلومات لا صحة لها، وقد يصل حالهم إلى نشر أخبار سارة أو قرارات منتظرة لا أساس لها من الصحة، فيصدقها المتلقي، ثم يبدأ بالمطالبة بتنفيذها والوفاء بها، وكأنها أصبحت حقيقة مؤكدة.

ومن وجهة نظري، المشكلة ليست في أن تربح من منصة رقمية، فالربح في حد ذاته ليس موضع اتهام، وإنما السؤال الذي ينبغي أن يسبق هذا الربح: ماذا قدمت مقابل هذا المال؟ هل قدمت معلومة موثوقة؟ أم شائعة؟ أم خبراً مضللاً؟ أم معلومة لا تملك دليلاً على صحتها؟ أم محتوى تسبب في الإساءة إلى شخص أو جهة، وأثار البلبلة بين الناس؟

وهنا لا أملك أن أقول، إن هذه الأرباح حلال أو حرام، فهذا شأن أهل العلم والاختصاص، لكنني أملك أن أطرح السؤال على كل من يمارس هذا النوع من المحتوى: «هل الوسيلة التي تحقق لك المشاهدة والتفاعل والانتشار والربح مقبولة شرعاً وأخلاقاً إذا كانت قائمة على معلومة غير صحيحة، أو شائعة تسيء إلى الآخرين، أو خبر مضلل يثير البلبلة في المجتمع الرياضي؟»، فالربح في حد ذاته ليس المشكلة، وإنما الوسيلة التي قادت إليه هي التي تستحق أن يتوقف عندها الإنسان طويلاً.

ولهذا كان من الواجب أن ألفت النظر إلى هذه النوعية من الممارسات التي بات أصحابها «يتاجرون» بالمعلومات عبر هذه المنصات، تحت عناوين من قبيل: مصادرنا الخاصة «عاجل» دون وجود ما يثبت صحة ما ينشرونه أو مصداقيته.

والأغرب أن بعض هذه الحسابات تتعامل مع المعلومة وكأنها سلعة، كلما كانت أكثر إثارة، كانت قيمتها أعلى، وكلما زاد الجدل حولها ارتفع التفاعل، وكلما ارتفع التفاعل زادت فرص تحقيق الأرباح. وبالتالي يصبح السؤال أكثر إلحاحاً: هل أصبح عدد المشاهدات أهم من صحة المعلومة؟ وهل أصبح الربح أهم من سمعة الآخرين؟ وهل أصبح الوصول إلى «الترند» مبرراً لنشر ما لا نملك دليلاً على صحته؟

أتمنى من هذه الفئة (مروجي المحتوى المضلل) أن تراجع حساباتها، ليس فقط على المنصة، وإنما في ضمائرها أيضاً، وأن تتقي الله في ما تنشر، وأن تمارس الرقابة الذاتية قبل أن تنتظر رقابة الآخرين. فنحن نعيش في عصر أصبح فيه تأثير المنصات الرقمية أقوى بكثير مما كانت تمارسه الصحافة، التي عُرفت لعقود طويلة باسم «السلطة الرابعة». ومن يمتلك هذا التأثير، عليه أن يدرك أن مسؤوليته أصبحت أكبر، لا أن تتحول هذه المساحة المفتوحة إلى وسيلة للبحث عن الشهرة بأي ثمن، أو لتحقيق الربح بأي وسيلة. فالمتلقي قد لا يدفع من جيبه مقابل ما يقرأه أو يشاهده، لكنه قد يدفع من ثقته ووعيه وسمعته، وربما من علاقاته، ثمن معلومة كاذبة أو شائعة لا أساس لها. ولهذا فإن السؤال الذي أتركه أمام كل من يعنيه الأمر ليس فقط: «أرباح إكس.. حلال أم حرام؟» بل السؤال الأهم: كيف ربحت؟ وماذا فعلت من أجل أن تربح؟ ذلك هو السؤال الذي ينبغي أن يسبق عدد المشاهدات، ونسبة التفاعل، وحجم الأرباح.. والله الهادي إلى سواء السبيل.