يشهد الاقتصاد الخليجي خلال السنوات الأخيرة تحوّلات متسارعة فرضتها المنصات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي، حتى أصبح من الصعب أحياناً التمييز بين صاحب الخبرة الحقيقية وصاحب الحضور الرقمي. هذه الظاهرة، التي يمكن تسميتها بـ«سوشلة الأشياء»، لا تعني فقط انتقال الأعمال إلى الفضاء الرقمي، بل تعني أيضاً تراجع قيمة التخصص لصالح الشهرة، بحيث يبدو أن أي شخص قادر على ممارسة أي مهنة أو تقديم أي خدمة بمجرد امتلاكه جمهوراً واسعاً.
تكمن خطورة هذه الظاهرة في أنها تضعف المعايير المهنية التي كانت تميّز بين المتخصص وغيره. فالإعلام والدراما يقدّمان اليوم نماذج واضحة لهذا التداخل، حيث لم يعد النجاح مرتبطاً بالخبرة أو التأهيل بقدر ارتباطه بالانتشار. ويثير ذلك تساؤلاً مشروعاً حول ما إذا كانت هذه الحالة قد تمتد مستقبلاً إلى مجالات أكثر حساسية مثل الطب أو التقنية، حيث لا يمكن أن تكون الشعبية بديلاً عن الكفاءة. وعندما تتراجع المعايير، يختفي تدريجياً دور «حارس البوابة» الذي كان يفرض حداً أدنى من الجودة قبل وصول المنتج أو الخدمة إلى الجمهور، فيصبح الرديء مألوفاً، بينما تتحوّل الجودة إلى استثناء.
اقتصادياً، تؤكد نظرية المؤسسة التي طوّرها الاقتصادي Ronald Coase أن المؤسسات لم تنشأ عبثاً، بل لأنها أكثر كفاءة من الاعتماد على الأفراد وحدهم في تنظيم النشاط الاقتصادي. فالمؤسسة لا تقدّم منتجاً أو خدمة فحسب، بل تبني أنظمة للمساءلة، وتستثمر في التدريب، وتوظف الكفاءات، وتدفع الضرائب والرسوم، وتخلق فرص عمل، وتحافظ على المعرفة المتراكمة داخل السوق. لذلك فإن قيمتها الاقتصادية تتجاوز ما يستطيع الفرد، مهما بلغت شهرته أو تأثيره، أن يقدّمه منفرداً.
وتنعكس هذه الظاهرة بوضوح في عدد من القطاعات الاقتصادية. ففي سوق الإعلان، لم يعد كثير من المعلنين يتجهون إلى وكالة إعلانية تؤدي دوراً اقتصادياً متكاملاً عبر توظيف المختصين في التخطيط والإبداع والإنتاج والبحوث، بل أصبحوا يفضلون التعامل مع مؤثر واحد يمتلك جمهوراً واسعاً. وبذلك تنتقل القيمة الاقتصادية من مؤسسة توزع الدخل على عشرات العاملين وتراكم المعرفة والخبرة، إلى نشاط فردي يحقق نتائج تسويقية آنية لكنه لا يؤدي الوظيفة الاقتصادية نفسها. والأمر ذاته يمكن ملاحظته في انتشار المطابخ السحابية التي تدير عشرات العلامات التجارية من مطبخ واحد؛ فهذه النماذج قد تكون أكثر كفاءة من الناحية التشغيلية، لكنها تعكس أيضاً هيمنة المنصة أو النموذج الرقمي على حساب بناء مؤسسات مستقلة ذات هوية وخبرة متراكمة. هنا لا تكمن المشكلة في التقنية ذاتها، بل في تراجع دور المؤسسة بوصفها منتجاً للقيمة الاقتصادية طويلة الأجل، واستبدالها بنماذج تركّز على سرعة الوصول إلى السوق وخفض التكاليف، حتى لو كان ذلك على حساب التنوع المهني وتراكم الخبرات.
ولا يعني ذلك رفض التطوّر الرقمي أو التقنيات الجديدة، فهذه التحوّلات قد تكون جزءاً طبيعياً من تطور الأسواق، بل وقد تسهم في رفع الكفاءة وخفض التكاليف وفتح فرص جديدة. لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح الانتشار معياراً بديلاً عن الجودة، وعندما تتراجع المؤسسات التي تبني القيمة الاقتصادية المستدامة لصالح نماذج تعتمد على الحضور اللحظي والشعبية الرقمية. فالسوق لا تحتاج إلى مزيد من الشهرة بقدر حاجتها إلى مزيد من الكفاءة، ولا إلى إلغاء المؤسسات، بل إلى تطويرها لتواكب العصر دون أن تفقد وظيفتها الأساسية.
إن الاقتصاد القوي لا يقوم على الأفراد وحدهم، ولا على المؤسسات وحدها، بل على توازن يحفظ مساحة الإبداع الفردي داخل إطار مؤسسي يحمي الجودة ويضمن الاستدامة. وعندما يختل هذا التوازن لصالح الشهرة على حساب التخصص، فإن الخسارة لا تصيب مؤسسة بعينها، بل تمتد إلى السوق بأكملها، وإلى جودة المنتجات والخدمات، وإلى قدرة الاقتصاد على الابتكار والنمو على المدى الطويل.