يقضي القانون الدولي وقانون البحار وما هو متعارف عليه بين الدول وما يقر به النظام الدولي أن المضايق والممرات المائية الطبيعية مناطق مشاع استخدامها للجميع، كما هو حال المياه الدولية في أعالي البحار والفضاء الخارجي، ومناطق القارتين الشمالية والجنوبية المتجمّدتين. وليس لدولةٍ ما أو أي شخصية دولية اعتبارية أو خاصة أن تدعي السيادة عليها، بأي شكلٍ من الأشكال، لتمنع أو تحول دون أي قوة أو شخصية اعتبارية دولية أو خاصة من استخدامها، بالذات في أوقات السلم. أما المضايق والممرات المائية والمسطحات المائية التي تشترك دولتان أو أكثر في الإطلالة عليها، كالأنهار والبحيرات والقنوات المائية الاصطناعية، أيضاً لا يترك للدول أو الدولة التي تقع ضمن إقليم دولة ما أن تطبّق عليها متغيّر السيادة المطلقة، بل تحكمها اتفاقات ومعاهدات دولية، كما هو في حالة قناة السويس ومضيقي البسفور والدردنيل في تركيا.

إن كان هناك من سيادة لدولة ما على سواحلها المتشاطئة مع بحار دولية.. أو محيطات في أعالي البحار، أو تلك التي تتقاسم إطلالة مباشرة على مضايق أو ممرات مائية دولية طبيعية، سواء بصورة حصرية بأن يَطْبّق إقليمها على ضفتي الممر أو المضيق المائي الطبيعي، فإن هذا الوضع الجيوسياسي، لا يخوّل هذه الدولة أو الدول الأخرى منع أو حرمان المرور في وقت السلم للدول الأخرى، بهدف عرقلة حركة التجارة الدولية.. أو فرض حصار على الدول المتشاطئة، لهذه المضايق الدولية والمسطحات المائية.

من هنا يمكن فهم الوضع الاستثنائي، الذي نشأ حول مضيق هرمز، بين الدول المتحاربة، في منطقة الخليج العربي، حيث كل فريق من الأطراف المتحاربة يحاول استخدام ورقة مضيق هرمز، لصالح جهده القتالي، لمنع الخصم من أي دعاوى سيادية أو حرية الملاحة عبر المضيق، سواء لأسباب سلمية أو خدمة لأي مجهود حربي يفرضه. مبدئياً، لا تحول حالة الحرب التي تسود المنطقة، من استخدام المضيق لدواعٍ استراتيجية (قتالية)، فإن جدلية حرية الملاحة البريئة، لن تصمد أمام حالة الحرب المتأججة في المنطقة. متغيّر القوة والقوة وحدها، في هذه الحالة، هو من يكون له القول الفصل، في هذا الأمر. مع ذلك، وفي كل الأحوال: الطبيعة القانونية لن تتأثر في تفسير المضيق من وجهة نظر قانون البحار، ولا عند الرأي العام العالمي، الذي عليه أن يتأقلم مع حالة الحرب المشتعلة في منطقة الخليج العربي، حتى تضع الحرب أوزارها.

جيوسياسياً، تخدم وضعية المضيق الجيوسياسية مصلحة إدارة إيران للحرب، أكثر منها قدرة وإرادة الولايات المتحدة في تحدي الوضع الجيوسياسي للمضيق، الذي تضغط إيران لتفرضه، باعتباره ورقة ذات قيمة استراتيجية عالية في إدارة الحرب. الغريب هنا أن طهران تجادل بالسيادة على المضيق لتبرير منطق إغلاقه واستخدامه كسلاح في حربها مع الولايات المتحدة. طهران هنا: تتجاهل حقيقة أنه، حتى لو أخذنا بنظرية السيادة التي تزعمها، فإنها من الناحية الجيوسياسية، لا تتحكّم بصورة حصرية في السيادة على المضيق، إذ إن سلطنة عُمان تشاركها في الإطلالة على المضيق، من الناحية المقابلة (الغربية). كما أن سلطنة عُمان، وهي ليست طرفاً مباشراً في الحرب لا تشارك طهران في ادعاء السيادة على المضيق، وفي ظل عجز طهران الحقيقي عن تنفيذ وفرض ما يترتب عليها من ادعاءات السيادة على المضيق، مع الوقت لن تستطيع طهران الاستمرار في التهديد بإغلاق المضيق، ولن تتمكّن من تحصيل رسوم مرور للعبور فيه، جيئة وذهاباً، لا في أثناء القتال.. ولا بعد أن تضع الحرب أوزارها.

ما يحسم قضية وضع مضيق هرمز، والحرب مشتعلة الآن، هو القوة والقوة وحدها. الولايات المتحدة لا ترغب في استثمار فائض القوة لديها للسيطرة الفعلية على حركة العبور في المضيق، خوفاً من ارتفاع تكلفة ذلك المادية والبشرية والسياسية.. ومن جانبها: لن تتمكّن طهران ولا تمتلك من القوة الرادعة ما تفرض به ادعاءاتها بالسيادة على المضيق للتمكّن من التحكّم في حركة الملاحة فيه إلى ما لا نهاية.

باختصار: مهما كانت نتائج الحرب الدائرة في المنطقة، فإنه لن يطرأ أي تغيير في الوضعية الدولية للمضيق كممر مائي دولي، بعد الحرب، حيث يظل قانون البحار يحكم حركة الملاحة فيه.