لم تكن هجمات الفصائل المسلحة تجاه المملكة العربية السعودية خلال حرب الأربعين يوماً حدثاً عابراً، بل عملاً عدوانياً هدفه تنفيذ أجندات خارجية للإضرار بالعراق أولاً وعلاقاته مع السعودية ثانياً، ورغم عجز حكومة محمد السوداني في منع التهديدات، إلا أن الرياض قابلت تلك الاعتداءات بضبط النفس والحكمة والفهم العميق لمحاولات جرها للحرب، مطالبةً في الوقت ذاته بغداد بأن يكون هناك موقف حاسم ضد هذه الجماعات التي استخدمت الجغرافية العراقية كمنصة لاستهداف الأمن القومي الخليجي، خلافاً لأواصر الأخوة والأعراف والقوانين الدولية.


وأعلن رئيس الوزراء علي الزيدي بعد منح حكومته الثقة عن دبلوماسية خارجية لتقليص آثار الحرب على العراق من خلال «تعزيز علاقاته العربية والإقليمية والدولية على أساس الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة، بما يحفظ مكانته ودوره التاريخي في المنطقة»، ما دفع وزير الخارجية إلى طرح فلسفته بإدارة ملف السياسة الخارجية بالتركيز على «سعيه لترميم العلاقات مع دول الخليج»، لكون العلاقة بين بغداد ودول مجلس التعاون ضحية للحرب التي تفجرت في 28 فبراير الماضي بين إيران من جهة وأمريكا وإسرائيل من جهة أخرى.


وشكّل موقف ولي العهد رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان، بتهنئة علي الزيدي بمناسبة تكليفه رئيساً لمجلس الوزراء، و«التطلع للعمل على توطيد أواصر العلاقات الأخوية بين البلدين والشعبين، وتعزيزها في المجالات كافة، وتمنياته لشعب جمهورية العراق الشقيق مزيداً من التقدم والرقي»؛ موقفاً يمثل حرصاً على استدامة العلاقة مع العراق بمعزل عن عدوان الجماعات المسلحة، وأثبت قدرة المملكة على فرز العراق الرسمي عن أفعال المليشيات، بهدف البدء بكل ما يمكن أن يضع العلاقة في طريقها الصحيح.


من الواضح أن هناك إدراكاً لافتاً من حكومة الزيدي لأهمية موقف ولي العهد السعودي وكذلك لأهمية المنظومة الخليجية والعربية بالنسبة للعراق؛ لذا كشف رئيس الوزراء أن جولته الخارجية ستشمل الرياض؛ لأجل السعي إلى إقامة شراكة اقتصادية مع السعودية، في خطوة يمكن تفسيرها على أن صانع القرار الجديد في العراق يعي أهمية ومكانة وثقل المملكة في المنظومة الخليجية والعربية والإقليمية والدولية، فضلاً عن نجاح دبلوماسيتها خلال الحرب الأخيرة وتوظيف كل إمكاناتها من أجل السلام والاستقرار في منطقة الشرق الأوسط.


مع هذه الخطوة المتبادلة من البلدين والفرصة الثمينة للعراق، فإن بغداد تحتاج إلى استعادة ثقة دول الخليج العربي من خلال بوابة الرياض، مع الأخذ بنظر الاعتبار بأن على بغداد تبني رؤية جديدة لإعادة تعريف علاقاتها مع العواصم الخليجية، سيما أن الحكومات السابقة لم تُحقق تقدماً ملموساً في تنامي هذا المسار، ولا يتم ذلك إلا بتقليص تأثير النفوذ الإقليمي ومعالجة ملف الفصائل المسلحة باحتكار الدولة لاستخدام القوة، ومنع توظيف الأرض العراقية بكل ما يهدد الأمن القومي السعودي أو الخليجي والعربي، فالعراق لا يستطيع أن يكون جزءاً مستقراً من منظومة أمن المنطقة بينما يحتفظ داخله بسلاح موازٍ للدولة، واتخاذ خطوات لبناء الثقة بمعالجة ملف الهجمات التي تتهم بعض الدول الخليجية فصائل عراقية بالوقوف وراءها، وبما يمهد التعاون الأمني والانخراط العراقي بالأمن الإقليمي الذي تسعى المملكة إلى ترسيخه، لتحقق أهداف بغداد والرياض بتوسيع الارتباط الاقتصادي عبر مشاريع وشراكات اقتصادية واستثمارية وتجارية أوسع؛ ومع كل هذا فإننا أمام مشهد وخطوة وفرصة مميزة في سجل العلاقة بين العراق والمملكة العربية السعودية.