من السهل توجيه الاتهامات، لكن من الصعب الاعتراف بالحقائق التاريخية. فمنذ سنوات، تتعرّض الدول المنتجة للنفط، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية، لحملة مستمرة تحاول تصويرها على أنها المسؤول الأول عن التغيّر المناخي والاحتباس الحراري، وكأن العالم لم يعرف التلوث إلا مع النفط، أو أن الثورة الصناعية لم تترك أثراً عميقاً ما زال الكوكب يدفع ثمنه حتى اليوم.
الحقيقة أن الجزء الأكبر من الانبعاثات الكربونية التي أسهمت في اختلال التوازن البيئي جاء نتيجة قرنين من التصنيع المكثف في الدول الصناعية الكبرى، التي اعتمدت على الفحم ثم النفط والغاز لبناء اقتصاداتها، وتحقيق نهضتها الصناعية، والوصول إلى مستويات الرفاه التي تنعم بها اليوم. لقد استهلكت تلك الدول الموارد الطبيعية لعقود طويلة قبل أن تبدأ الحديث عن حماية البيئة، وبعد أن أصبحت كلفة التحوّل إلى الطاقة النظيفة أقل مما كانت عليه في الماضي.
ومع ذلك، لم تتعامل المملكة مع هذا الواقع بمنطق تبادل الاتهامات أو التنصل من المسؤولية، بل اختارت نهجاً مختلفاً يقوم على المشاركة في الحلول. فجاءت مبادرة الشرق الأوسط الأخضر لتؤكد أن المملكة تنظر إلى حماية البيئة باعتبارها مسؤولية إنسانية ومصلحة عالمية مشتركة، حتى وإن لم تكن هي الطرف الذي صنع جذور الأزمة.
وهنا تكمن المفارقة؛ فالمملكة تتحرك لأنها تؤمن بمسؤوليتها تجاه مستقبل العالم، لا لأنها تقر بأنها المتسبّب الرئيس في المشكلة. وهذا الفارق ينبغي أن يكون حاضراً في أي نقاش منصف حول المناخ.
وفي المقابل، لا يزال النفط يتعرّض لحملات تصورّه وكأنه «عدو البشرية»، بينما يتجاهل هذا الخطاب حقيقة لا يمكن إنكارها: أن النفط كان ولا يزال أحد أهم أسباب النهضة الحديثة. فمن خلاله تطورت وسائل النقل، والصناعات، والبتروكيماويات، والقطاع الصحي، والبنية التحتية، والتقنيات التي يعتمد عليها العالم اليوم في مختلف جوانب حياته. ولم يكن النفط يوماً مجرد وقود، بل كان محركاً للتنمية والابتكار وتحسين جودة الحياة.
ولا يعني ذلك تجاهل التحديات البيئية أو التقليل من أهمية خفض الانبعاثات، بل يعني أن معالجة المشكلة يجب أن تقوم على التوازن والإنصاف، لا على شيطنة مصدر للطاقة أسهم في بناء الحضارة الحديثة. فالتحول نحو مستقبل أكثر استدامة يحتاج إلى التعاون، وإلى الابتكار، وإلى تطوير تقنيات تقلل الانبعاثات، وليس إلى اختزال الأزمة في اتهام طرف واحد.
لقد أثبتت المملكة، من خلال استثماراتها الضخمة في التشجير، والطاقة المتجدّدة، وتقنيات الاقتصاد الدائري للكربون، أنها شريك فاعل في الجهود الدولية لحماية البيئة. وهي بذلك تقدّم نموذجاً يجمع بين المحافظة على دورها الاقتصادي بوصفها دولة رائدة في قطاع الطاقة، وبين الإسهام العملي في مواجهة التحديات المناخية.
أما الاعتقاد بأن الاحتباس الحراري يمكن أن يختفي بالكامل، فهو طرح يفتقر إلى الواقعية العلمية. فالمناخ منظومة معقدة تتأثر بعوامل طبيعية وبشرية متشابكة، وما يستطيع الإنسان فعله هو الحد من الآثار السلبية، والتكيّف معها، وتطوير حلول أكثر استدامة، لا الادعاء بأنه قادر على التحكم الكامل بمسار الطبيعة.
لهذا، فإن الرسالة التي تقدمها المملكة واضحة: لسنا المسؤولين عن نشأة المشكلة، لكننا نعد أنفسنا جزءاً من الحل. وبين من يكتفي بإلقاء اللوم، ومن يعمل لصناعة المستقبل، يبقى الفارق كبيراً.