ما أكثر الوجوه التي تُجيد اختلاق الضجيج، وما أقل العقول التي تُحسن صناعة الأثر.

هناك صنفٌ من الناس يعيش أسيراً لصورةٍ رسمها لنفسه، يحرص على تلميعها أكثر من حرصه على بناء حقيقتها، ويجتهد في إقناع الآخرين بعظمةٍ لا وجود لها إلا في خياله المريض. ذلك هو الإنسان الجاهل الذي يرتدي ثوب المعرفة، بينما عقله عارٍ من العلم، ويتدثر برداء الهيبة وروحه خاوية من الفضيلة.

يبلغ به الوهم مبلغاً يجعله يصدّق أكاذيبه، ويعشق صورته المتخيلة، ويحسب التصفيق دليلاً على عظمته. يضيق صدره بكل متفوق، ويبحث عن عيوبه، ويحاول التقليل من شأنه، ويتحدث عنه بحقد وغلٍ. يخاصم الأشخاص، ويترك الأفكار، ويستبدل البرهان بالسخرية، والحقائق بالاتهامات؛ ظناً منه أن تشويه الآخرين يرفع منزلته.

أما العالِم فلا يحتاج إلى إعلان نفسه؛ لأن علمه يتحدث عنه، ولا يلهث خلف الأضواء، لأن أثره يسبق اسمه.

يعرف أن المعرفة بحر لا ساحل له، ولا يرى في الاعتراف بالجهل نقصاً، بل يعدّه أول أبواب العلم.

الجاهل يحسب الاعتراف بعدم المعرفة هزيمة، فيجيب عن كل سؤال، ويفتي في كل فن، ويتحدث في كل قضية، ولو كانت خارج حدود إدراكه الضيقة

يتحدث أكثر مما يسمع؛ لأن الكلام عنده وسيلة لإخفاء فراغ عقله وضحالة تفكيره، وأنه كتلة لحميّة جوفاء تمشي على الأرض. العالم يزداد تواضعاً كلما اتسعت معارفه، بينما يزداد الجاهل كبراً كلما ضاقت مداركه. يقيم صرحه على رمال الادعاء، ويستبدل الإنجاز بالكلام، والعمل بالاستعراض، والبرهان بالتهويل، يجيد تقبيل الكتوف ومسح الجوخ، يظن أن كثرة الحديث تغني عن قلة المعرفة، وأن رفع الصوت يعوّض ضعف الحجة، وأن المظاهر تستطيع أن تخفي خواء الباطن. ولأن الجهل يشعر صاحبه بالنقص، فيهرب من مواجهة نفسه إلى صناعة بطولةٍ وهمية.

يروي القصص التي تُضخّم قدره، ويضيف إلى سيرته ما لم يعشه، وينسب إلى نفسه إنجازات لم يشارك فيها، ويُكثر من ذكر علاقاته وألقابه وصوره، كأن القيمة تُشترى بالزينة الخارجية، لا بجوهر الإنسان.

يخشى العالِم الحقيقي؛ لأنه يكشف زيفه، ويهاب النقاش العلمي؛ لأن البرهان يهدم أوهامه، ويفضل الجلوس بين البسطاء الذين يصدّقون كل رواية مزخرفة، ويصفقون لمسرحيّته. يعيش عمره ممثلاً فوق مسرح الحياة، يخشى سقوط الستار، فيظهر تاريخه الحقيقي وأين كان.

الجاهل يظن أن الناس لا يميّزون بين الذهب المطلي والذهب الخالص، وينسى أن الزمن أمهر النقاد، وأن الأيام تمتحن الرجال امتحاناً لا تنفع فيه البلاغة الكاذبة، ولا تنقذ صاحبها الحيل والخدع.

ما أكثر الذين صعدوا سريعاً بأجنحة الادعاء، ثم هووا سريعاً بعدما سقطت الأقنعة.

ويبقى ميزان الناس عادلاً مهما طال الزمن؛ فالألقاب الزائفة تذبل، والأقنعة تتساقط، والأضواء تخفت، ولا تبقى إلا الأخلاق الكريمة. فالسنابل الممتلئة تنحني، والفارغة تبقى منتصبة. فالتواضع علامة الامتلاء، والغرور دليل الفراغ.

الجاهل يخدع الناس بعض الوقت، لكنه لا يستطيع أن يخدع الناس كل الوقت،

الحقيقة لا تموت، بل تنتظر بصبر حتى تسقط الأقنعة، فيظهر العالم بعلمه، ويُعرف المتواضع بخلقه، وينكشف الفهلوي الجاهل بوهمه، فيعود كل إنسان إلى حجمه الحقيقي، فلا يرفع المرء إلا علمه، ولا يخلده إلا أثره، ولا يمنحه الاحترام إلا صدقه.