من أكثر الأسئلة إيلاماً في التعليم السعودي سؤالٌ لم يجرؤ أحد على طرحه بالوضوح الكافي: ماذا استفاد التعليم العام من هيمنة بعض الأكاديميين على أهم قراراته طوال العقود الماضية؟ سؤال يبدو قاسياً، لكنه مشروع.
فبعد أكثر من ثلاثة عقود من الخطط والمبادرات والاستراتيجيات والمشروعات التي تعاقبت على التعليم العام، يحق لنا أن نتساءل عن الحصيلة الحقيقية.
لقد تغيّرت المسميات أكثر مما تغيّرت النتائج، وتعاقبت الإدارات والقيادات الأكاديمية لها أكثر مما تعاقبت الإنجازات، بينما ظل المعلم في فصله، وقائد المدرسة في مدرسته، والمشرف المغضوب عليه في ميدانه، يراقبون مشهداً يتكرر بصورة تكاد تكون مملة!
لو كان النجاح التعليمي يُصنع بالنظريات وحدها، لكانت مدارسنا اليوم من بين الأفضل عالمياً، لكن ما حدث أن النظريات تبدلت، والمسميات تغيرت، والمشروعات تعاقبت، بينما بقي السؤال نفسه معلقاً: لماذا لا تنعكس كل هذه الجهود على واقع المدرسة بالقدر المأمول؟
لا أحد يعترض على العلم، ولا أحد يقلل من قيمة البحث العلمي، لكن التعليم العام ليس ورقة بحثية، وليس مؤتمراً أكاديمياً، وليس مشروعاً تجريبياً يمكن التراجع عنه عند الفشل. التعليم العام حياة يومية يعيشها ملايين الطلاب والمعلمين والأسر، وأي خطأ في قراره لا يبقى حبراً على ورق، بل يتحول إلى سنوات ضائعة يدفع ثمنها جيل كامل.
فالواقع لا يتغير بالقرارات وحدها، ولا تتحول المدارس إلى نماذج عالمية بمجرد إصدار الأدلة التنظيمية أو إطلاق المنصات أو تغيير المسميات ووضع المؤشرات. التعليم كائن حي ينمو على أرض الواقع، لا على أوراق الاجتماعات، وكل مشروع يُطلب من الميدان تطبيقه دون أن يُبنى معه تدريجياً، يشبه من يطلب من طفل أن يركض قبل أن يتعلم الوقوف.
المشكلة ليست في وجود بعض الأكاديميين، ولكن في هيمنة العقل الأكاديمي النظري على القرار الميداني. فكثير ممن تولوا قيادة مسارات التعليم العام خلال العقود الماضية، لم يعيشوا الحياة الحقيقية للمدرسة كما عاشها المعلم والمشرف وقائد المدرسة. لم يقفوا سنوات طويلة أمام الفصول الدراسية، ولم يواجهوا تفاصيل الواقع اليومية التي تصنع الفرق بين نجاح القرار وفشله، ومع ذلك كانوا في كثير من الأحيان هم من يحددون الاتجاه، بينما يُطلب من الميدان التنفيذ دون مشورته أحياناً!
وهكذا تحول التعليم العام، في فترات كثيرة، إلى ساحة تتزاحم فيها المبادرات أكثر مما تتراكم فيها الإنجازات.. يأتي فريق جديد محمّلاً بأفكار جديدة ومنصات جديدة ومصطلحات جديدة، ويبدأ بإعادة تشكيل المشهد وفق ما قرأه في الكتب أو شاهده في المؤتمرات أو طُبِّق في بعض الدول، ثم لا يلبث أن يغادر قبل أن تُقاس النتائج الحقيقية، ليأتي فريق آخر يبدأ من جديد وكأن السنوات السابقة لم تكن!
وفي كل مرة تُستنزف الطاقات، وتُستهلك الميزانيات، ويُطلب من المدارس أن تتكيف مع الاتجاه الجديد، فيما يبقى الطالب والمعلم الحلقة التي تتحمل كلفة التغيير المستمر. المفارقة المؤلمة هنا، أن أكثر الناس غياباً عن صناعة القرار هم أكثر الناس التصاقاً بالتعليم الحقيقي.
المعلم الذي أمضى عشر سنوات في فصل مكتظ، يعرف عن التعليم ما لا يمكن أن تمنحه عشرات الدراسات النظرية. ومديرة المدرسة التي تتعامل يومياً مع الطالبات والأسر والمعلمات، تدرك تفاصيل لا تظهر في أي تقرير. والمشرف الميداني الذي كان يجوب المدارس، يرى من الحقائق ما لا تصل إليه مكاتب الوزارة المكيفة.
لهذا فإن خبرة الميدان ليست أقل من الشهادات العليا، قد تكون في التعليم العام أكثر قيمة عند صناعة القرار.
إن معلماً ناجحاً في مدرسة حكومية، أو قائد مدرسة يدير مئات الطلاب، قد يفهم احتياجات التعليم العام أكثر من خريج أرقى الجامعات العالمية، إذا كان الأخير لم يعش يوماً واحداً داخل واقع المدارس الحقيقي.
ولو جمعنا تكلفة هذا العبث الإداري والفكري المتكرر عبر العقود، لوجدنا أننا دفعنا ثمناً باهظاً من المال والوقت والجهد والطاقة البشرية، بينما ظل السؤال الكبير بلا إجابة: لماذا لا نبدأ من أهل الميدان أنفسهم؟
الأكثر غرابة، أن هذا كله يحدث في الوقت الذي تزخر فيه منظومة التعليم بكفاءات ميدانية عالية التأهيل. ففي المدارس وإدارات التعليم آلاف المعلمين والمشرفين وقادة المدارس الحاصلين على الماجستير والدكتوراه، ممن جمعوا بين المؤهل العلمي والخبرة العملية. هؤلاء عرفوا المدرسة قبل أن يكتبوا عنها، وعاشوا الفصل الدراسي قبل أن يدرسوا نظرياته، وواجهوا التحديات الحقيقية قبل أن يناقشوها في رسائلهم العلمية.
فلماذا يُنظر إلى أستاذ الجامعة بوصفه الخيار الطبيعي للقرار التعليمي، بينما يُهمش معلم أو مشرف أو قائد مدرسة يحمل المؤهل نفسه، ويملك فوقه عشرين عاماً من الخبرة الميدانية؟
أيُّهما أقدر على فهم التعليم العام: باحث يقرأ عن المدرسة أم معلم عاش المدرسة؟
وأيهما أصدق تشخيصاً للمشكلة: أكاديمي يدرس الظاهرة من خلال الاستبيانات، أم مشرف تربوي كان يراها كل يوم في عشرات المدارس؟
لقد ترسخت، من حيث لا نشعر، ثقافة إدارية تعطي وزناً أكبر للسيرة الأكاديمية من الخبرة الميدانية، وكأن سنوات الوقوف أمام الطلاب خبرة، أقل قيمة من سنوات الكتابة عنهم. وكأن المعرفة الحقيقية بالتعليم تُكتسب من الأوراق، أكثر مما تُكتسب من الواقع. وهنا تكمن المفارقة.
ففي معظم المهن الكبرى لا يُسمح بقيادة الميدان إلا لمن خبر تفاصيله، أما في التعليم العام، فقد أصبح من الطبيعي أحياناً أن يتصدر القرار من درس المدرسة أكثر مما عاشها، وأن يتراجع دور من أفنوا أعمارهم بين طلابها ومعلميها وقضاياها اليومية.
إن التعليم العام لا يحتاج إلى مزيد من المنظّرين، بقدر حاجته إلى من يجمعون بين العلم والخبرة، بين الشهادة والممارسة، وبين المعرفة والواقع. يحتاج إلى من يعرف رائحة الفصل، وضغط الحصة الأولى، وتحديات المدرسة، وتعقيدات الأسرة، والفجوة بين ما يُكتب في التقارير وما يحدث فعلاً على الأرض.
ولست أدعو إلى إقصاء الأكاديميين كما أُقصي أهل الميدان طويلاً، لكنني أدعو إلى إعادة التوازن المفقود. فمكان الأكاديمي الطبيعي أن يقود البحث العلمي، ويطور الجامعات، ويرتقي بمخرجاتها، بينما ينبغي أن يكون صوت أهل الميدان حاضراً في قلب القرار التعليمي العام، لا على هامشه.
وكما تحرص الدولة على كفاءة الإنفاق وتعظيم الأثر وتحقيق المستهدفات الوطنية، فإن من حقنا أن نسأل: ألم يحن الوقت لإعادة الاعتبار إلى الخبرة الميدانية؟ ألم يحن الوقت لأن يكون حامل الدكتوراه الذي خرج من الفصل الدراسي أولى بالقرار من حامل الدكتوراه الذي لم يعرف الفصل إلا من نافذة البحث العلمي؟
لقد اختُطف التعليم العام طويلاً باسم التطوير، وحان الوقت أن يعود إلى أهله.
وحين يصبح القرار بيد من عاشوا المدرسة لا من زاروها في تقاريرهم، سنكتشف أن كثيراً من الحلول التي بحثنا عنها في اللجان والاستشارات والمؤتمرات، كانت تقف كل صباح أمام السبورة، لكنها لم تجد من يستمع إليها.
وعندما يعود القرار التعليمي إلى أهله الحقيقيين، سنكتشف أن كثيراً من المشكلات التي عجزت عن حلها اللجان والاستشارات والمؤتمرات، كان يعرف حلها منذ البداية معلمٌ يقف في آخر الممر، أو قائدة مدرسة تبدأ يومها قبل الجميع وتغادر بعد الجميع.
لقد آن الأوان لأن يستعيد التعليم العام صوته المفقود، آن الأوان لأن ينتقل أهل الميدان من مقاعد التنفيذ إلى مقاعد القرار، آن الأوان لأن يكون المعلم الخبير، والمشرف المتمرس، وقائد المدرسة الناجح، شركاء في رسم السياسات لا مجرد متلقين لها.