كم حزنت، بل كم تألمت، وأنا أقرأ في منصة «إكس» وغيرها من المنصات آراءً خنفشارية لا تعدو أن تكون خزعبلات، كتبها أناس أقحموا أنوفهم فيما لا يفقهون، فلا يميزون بين رائحة البصل وعبير المسك، ومع ذلك يتصدرون المشهد بوصفهم مثقفي هذا العصر، ويمنحون أنفسهم الجرأة لتقييم صوت الست أم كلثوم، كوكب الشرق، وصاحبة التاريخ الفني الذي تجاوز حدود الزمان والمكان.


-حينها لم أجد ما أقوله سوى -هزلت ورب الكعبة-، وتذكرت ما غرد به الأديب الأستاذ عبداللطيف الشيخ عندما استحضرت المثل الشعبي: «صُوَيْر وعُوَيْر واللي ما فيه خير»، فكتب عنه معلقة أدبية بديعة تستحق القراءة.


-لم أرغب في إعادة نشر ما كتبه أولئك، لأنهم لا يستحقون أن يُمنحوا مساحة للنقاش، ولا أن تُروج آراؤهم الهابطة. بل إن مجرد ذكر أسمائهم يعد مكسباً لهم لا يستحقونه، فكيف إذا كان الحديث عن الست؟ ولو فعلتُ، لمنحتهم مكانة ليست لهم، ولسعِدوا لمجرد أنني التفت إلى آراء لا قيمة لها، وأسماء لا طعم لها ولا مزية.


-ورغم حزني، فإنني أشفق كثيراً على ما أسميه جيل الهمبرغر والنت، لقد رددت على أحدهم في منصة «إكس» قائلاً: المشكلة ليست في صوت أم كلثوم، وإنما في سمعك. ثم ندمت على هذا الرد، لأنني أدركت أن المشكلة أعمق من ذلك بكثير؛ فالمصيبة الحقيقية أنهم فقدوا الإحساس، ومن فقد الإحساس فقد القدرة على التذوق، وصدق المثل القائل: «فاقد الشيء لا يعطيه».


-الإحساس الذي أعنيه لا يولد من فراغ، من قلوب ميتة وعقول فارغة وإنما تصنعه التجارب الإنسانية.. الحرمان والانتظار، والفراق، والاشتياق، والحب الذي يبدأ بنظرة، ثم ابتسامة، فلقاء، ثم عالم من الأحلام الجميلة.


-أما جيل اليوم، فقد وجد كل شيء متاحاً وسريعاً، حتى المشاعر أصبحت سريعة الاستهلاك، ولذلك لم يعد يفرق بين الجميل والعادي، ولا بين الأصيل والزائف، بعدما أغرقته الوفرة في كل شيء ميسراً له، يحصل عليه في أقل من الثانية، وبالتالي لا يحس بالجمال وقيمة الوقت ومعنى الحب والغرام.


-لهذا تراجعت قيمة التذوق الفني لديهم، تماماً كما طغت الوجبات السريعة على موائدهم، كل شيء سريع، وكل شيء جاهز، وكل شيء يُستهلك دون تأمل أو إحساس، ولذلك لم تعد الذائقة تميز بين الأصوات، بعدما أصبحت الساحة تعج بأغانٍ همها الإيقاع الصاخب، وهز الأجساد، و«النطنطة»، بينما أصبحت «الآهات» التي كانت تختصر أعظم مشاعر الإنسان مادة للسخرية، وفي زمنهم حتى النكتة فقدت مذاقها، فكيف سيشعرون بـ«آه» تنطلق من الحنجرة الذهبية لأم كلثوم؟


-في طفولتي لم أكن أهوى سماع أم كلثوم، بل كنت أعترض على أخي الأصغر الذي كان ينتظر بشغف السهرات التي كانت تعرضها القناة السعودية الأولى، والتي كانت تكرر بين فترة وأخرى أغنيتي «أروح لمين» و «فكروني»، إلى أن جاء اليوم الذي استمعت فيه، لأول مرة، إلى حفلتها وهي تشدو بأغنية «القلب يعشق كل جميل» ومنذ تلك اللحظة أسرتني الست بجمال صوتها الاستثنائي، فسعيت إلى اقتناء جميع أشرطتها القديمة والحديثة، وأصبحت أعيش مع أغانيها بكل تفاصيلها.


-ثم ازداد تعلقي بها عندما استمعت إلى مقطع من أغنية «سهران لوحدي» وهي تحلق بصوتها الفاتن:


"يا اللي رضاك أوهام.. والسهد فيك أحلام.. حتى الجفا محروم منه.. يا ريتها دامت أيام". كلمات الشاعر الكبير أحمد رامي، وألحان العبقري رياض السنباطي، صنعت لدي ذائقة شعرية حقيقية، وجعلتني أقترب أكثر من عالم الشعر والأدب.


-وفي مرحلة المراهقة عشت أول تجربة حب، فأصبحت مدمناً على قراءة القصص الرومانسية، ومتابعة المسلسلات اللبنانية مثل «فارس بني عياد، وابن الحرامي، وبنت الشاويش، وفارس ونجود» وكنت لا أنام إلا وصوت الست يملأ غرفتي، علّني أرى محبوبتي في أحلامي، وكأن أم كلثوم كانت تنقل إليّ مشاعر تخفف عني قسوة الحرمان ولوعة الفراق.


-الحديث عن الست يطول، وما دفعني إلى كتابة هذا المقال ليس الرد على «صُوير وعُوير واللي ما فيه خير»، ولا على جيل الهمبرغر والنت، فقد كان بإمكاني تجاهل خزعبلاتهم، لكنني رأيت أن من الواجب أن يكون لي موقف دفاعاً عن القامات الفنية التي صنعت تاريخاً من الإبداع والعطاء، رافضاً تطاول الصغار وأن يتحول أصحاب العقول الفارغة إلى قضاة يقيّمون عظمة الكبار.


سبحان الله... آخر الزمان.


-وأختم بما قاله الشاعر الراحل لطفي زيني في قصيدة غناها الفنان عبادي الجوهر:


الله يا دنيا صحيح.. شفنا في أحوالك عجب


فيكِ الثمين مسكين.. يرخص ولو أنه ذهب