الحروب الحديثة تفتقر لعنصر الحسم، عدا الحرب الفيتنامية (١٩٥٥-١٩٧٥)، لم تحسم أي حرب بالضربة القاضية، إذا صح التعبير. حتى في حالة الحرب الباردة، سقط أحد قطبيها، بدون قتال. في الشرق الأوسط نشبت بين العرب وإسرائيل أربعة حروب نظامية، لم تُحسم أي منها لصالح أي من طرفيها. في منطقة الخليج العربي نشبت عدة حروب، لم تحسم فيها لأي من أطرافها، كما هو حال الحرب الدائرة هذه الأيام بين إسرائيل والولايات المتحدة من جهة، وإيران من جهة أخرى. ليس فقط تلك الحروب التي نشبت بعد الحرب الكونية الثانية، لم تحسم نتائجها لصالح أحد أطرافها، بل إن بعض تلك الحروب، كانت تجتمع فيها الدبلوماسية مع القتال، ليس من أجل إعلان انتصار أحد أطرافها وهزيمة الطرف الآخر، بل ليجري الاقتتال على جبهتين (العسكرية والدبلوماسية)، في آن؛ وذلك من أجل العمل على وضع الحرب لأوزارها، لا من أجل تحقيق أي من أطرافها لأهداف لجوئه للحرب، بداية.
في الحرب الأخيرة (الحالية) في الخليج العربي، نلاحظ أن حركة الصراع تأخذ مسارين مختلفين، بل متناقضين. نلاحظ أنه في أثناء استعار الحرب، لم تنقطع حركة الدبلوماسية، بسلكها التفاوضي، لو بصورة غير مباشرة. الولايات المتحدة، رغم مبادرتها بوقف القتال مؤقتاً، إلا أن القتال تواصل، عن طريق إسرائيل، التي لم تستطع حسم حربها لا على غزة ولا على لبنان.
الحرب الأخيرة في منطقة الخليج العربي، التي دخلت شهرها الرابع، لم تنقطع الاتصالات الدبلوماسية بين واشنطن وطهران. في الوقت الذي ترتفع فيه نبرة العداء بين طرفَي الحرب. الملاحظ في هذه الاتصالات الدبلوماسية، أنها تُجرى بأدوات تفاوضية غير مباشرة، بطلها في كل الأوقات وسيط يقوم بتحركات مكوكية بين طرفَي الصراع، وظيفته الرئيسية نقل رسائل متبادلة بين طرفَي الصراع، دون أن يلتقيا وجهاً لوجه.
مما لا شك فيه أن وضع جبهة القتال العنيف، يفسر إلى حدٍ كبير بطأً وأحياناً جمود جبهة التفاوض غير المباشر بين طرفَي الصراع، مع لجوء طرفَي الصراع إلى التمسك بسقف أهدافهما المعلنة من قرار الحرب. لم تشهد حروب المنطقة، منذ ثمانينات القرن الماضي مثل هذا الجمود في مواقف طرفَي الصراع. عدا التنازل عن سقف كلٍ منهما التفاوضي، نجد كلاً الطرفين متشبثين بمواقفهما المتشدّدة، التي هي وراء خيار الحرب منذ البداية. واشنطن تصر على عدم تمكين إيران من بناء رادع نووي، جرّاء تمسكها بحقها، في أن يكون لها برنامج نووي سلمي. هذا موقف لا ترى فيه طهران أي غضاضة من أن يذهب الأمريكيون بقصب الفوز به، لأن طهران منذ البداية كانت تعلن أنها لا تسعى لبناء رادع نووي، وكل ما تطلبه هو إقامة برنامج نووي للأغراض السلمية، وإن كانت تصر طهران على أن يشمل ذلك قدرتها على توفير اليورانيوم المخصب، ذاتياً... وهو ما يعني بالنسبة للأمريكيين والإسرائيليين احتمالية أن تلجأ طهران لاحقاً لبناء رادع نووي، إن هي قررت ذلك.
القضية الإستراتيجية التي تدور حول محورها حركة الصراع، بذراعيها العسكري والدبلوماسي، هي قضية الصواريخ الباليستية، التي لدى إيران، وتطلب واشنطن تقييد مداها وعددها، حتى لا تطال إسرائيل. إيران من جانبها تصر على احتفاظها بحق أن يكون لديها رادع إستراتيجي غير تقليدي، كفؤ وفعّال، من أجل حماية أمنها القومي، طالما إسرائيل تتمتع بسيادة جوية في المنطقة، لا أقل من توفر لدى إيران رادع إستراتيجي تقليدي ضد ذراع إسرائيل الطويلة، وإن كانت طهران مستعدة للتخلي عن قواعدها القريبة من إسرائيل، كما هو حال علاقتها مع حزب الله في لبنان ومليشيات حلفائها في العراق واليمن، إلا أنها لن تتنازل عن قدراتها الدفاعية، بعيدة المدى لتطال إسرائيل، وأي وجود للقوات الأمريكية، في المنطقة.
ثم نأتي للقضية الأهم، بالنسبة للمفاوض الأمريكي، ألا هي هاجس حرية التجارة الدولية، التي تشكّل عصب التفكير الإستراتيجي في المنطقة. بينما تعزّز إيران من وجودها الجيوسياسي وتأثيرها على ما يشكّل شريان الملاحة الدولية للطاقة في المنطقة، بتأثيرها الإستراتيجي المتمثل في تحكمها على مضيق هرمز، تجد الولايات المتحدة نفسها غير قادرة على تحييد دور إيران التحكم في مضيق هرمز، لأن التعثر في هذا الأمر يسلّط الضوء على التحديات التي تواجهها في مواقع إستراتيجية مهمة، مثل مضيق ملقا وممر تايوان ومنطقة بحر الصين الجنوبي وبحر اليابان، مما يؤثر على وجودها في تلك المنطقة، في أي واجهة محتملة مع الصين.
في غياب الحسم العسكري، في منطقة الخليج العربي، فإن الأوضاع ستبقى على ما هي عليه، ربما تأجيلاً للحسم، لجولة أو جولات قتال مستقبلاً، تلعب فيها الحرب، دوراً أكثر حسماً، من ذلك الذي قد توفره الدبلوماسية. في كل الأحوال، كما يُقال: الحرب ما هي إلا إدارة للدبلوماسية، لكن بصورة عنيفة.