قبل قرون، صاغ الفيلسوف الفرنسي رينيه ديكارت عبارته الشهيرة: «أنا أفكّر إذاً أنا موجود». لم تكن مجرد جملة فلسفية، بل هي تأكيد عن أن جوهر الإنسان يكمن في عقله ووعيه وقدرته على التفكير. فالإنسان موجود لأنه يفكر، ويفكر لأنه يمتلك ذاتاً واعية مستقلة عن العالم من حوله.

لكن لو عاد ديكارت إلى عالمنا اليوم، ربما سيفاجأ بأن الإنسان المعاصر قد استبدل هذه المقولة بأخرى غير مكتوبة، لكنها تُمارس يومياً ملايين المرات:

«أنا أصوّر إذا أنا موجود». ففي عصر الأجهزة الذكية ومنصات التواصل الاجتماعي، لم يعد الإنسان يكتفي بعيش اللحظة، بل أصبح يشعر بحاجة متزايدة إلى تصويرها وتوثيقها ونشرها وإظهارها، وكأن قيمة الحدث لم تعد فيما يضيفه إلى حياتنا، بل فيما يضيفه إلى حساباتنا.

لقد أصبحنا نوثق حياتنا أكثر من أن نعيشها. أصبحنا نبني صورنا، بعد أن كنا نبني ذواتنا. وبين واقعنا وصورنا مسافةٌ تفاقم مأساتنا، وتعمّق غربتنا. حتى لم يعد السؤال من أنت؟ بل أصبح السؤال كيف تبدو؟

ولم يعد النجاح يُقاس بما نقوم عليه وننجزه بقدر ما يُقاس بما نُظهره. هكذا انتقل الإنسان من مجتمع الإنتاج إلى مجتمع الاستعراض.

نحن لا نسافر فقط، بل نصور سفرنا. ولا نأكل الطعام فقط، بل نوثّق طعامنا. ولا نحضر المناسبات فقط، بل نبثها مباشرة. حتى اللحظات الخاصة التي كانت تنتمي إلى الذاكرة أصبحت تنتمي إلى المنصة.

لقد انتقل الإنسان المعاصر من استهلاك الأشياء إلى استهلاك الصور، ومن صناعة الخبرة إلى صناعة الانطباع. كنا نسأل أنفسنا ماذا تعلمنا؟ ماذا أنجزنا؟ ماذا أضفنا إلى حياتنا؟ اليوم أصبح السؤال الذي يسبق كثيراً من الأفعال هو: كيف نبدو على الشاشة؟ وهنا نقطة التحوّل الحضاري الكبرى.

أصبحت الهوية الفردية أقرب إلى «علامة تجارية» منها إلى كينونة إنسانية. فكل شخص يُدير صورته الذهنية، ويختار زوايا ظهوره، ويصمّم محتواه، ويتابع مؤشرات الأداء الخاصة به من إعجابات ومشاهدات ومتابعين. وأصبح النجاح عند البعض يقاس بمدى الحضور الرقمي أكثر من عمق الأثر الحقيقي.

هذا لا يعني أن التقنية مشكلة في ذاتها، فهي من أعظم أدوات العصر. لكن المشكلة تبدأ عندما تصبح الصورة أهم من الواقع، وعندما يتحوّل الوجود الحقيقي إلى مجرد مادة خام لإنتاج محتوى جديد.

الإنسان الذي ينشغل بإظهار حياته أكثر من عيشها ومعايشتها، يواجه خطراً وجودياً خفياً. فالمسافة تتسع شيئاً فشيئاً بين شخصيته الحقيقية وشخصيته الرقمية.. بين ما هو عليه فعلاً وما يود أن يراه عليه الآخرون. ومع مرور الزمن قد يصبح أسيراً لصورته التي صنعها بنفسه.

ولعل أخطر ما أنتجه مجتمع الصورة ليس التصوير ذاته، بل تحويل الاعتراف الاجتماعي إلى مصدر رئيسي للقيمة الذاتية. فبدلاً من أن يستمد الإنسان قيمته من أخلاقه أو علمه أو إنجازه أو علاقاته الحقيقية، أصبح بعض الناس يستمدونها من أرقام تتغيّر كل دقيقة على شاشة الأجهزة الذكية.

وهكذا ظهر إنسان يخشى الغياب أكثر مما يخشى الفشل، ويقلقه انخفاض التفاعل أكثر مما يقلقه انخفاض المعرفة، ويؤلمه فقدان المتابعين أكثر مما يؤلمه فقدان القيمة والمعنى.

لقد أصبح الإنسان المعاصر يعيش مفارقة غريبة؛ فهو الأكثر ظهوراً في التاريخ، لكنه ليس بالضرورة الأكثر معرفة بنفسه. والأكثر اتصالاً بالآخرين، لكنه ليس بالضرورة الأقل وحدة. والأكثر توثيقاً للحظاته، لكنه ليس بالضرورة الأكثر استمتاعاً بها.

إن التحدي الحقيقي الذي يواجه إنسان العصر كيف ينتج المزيد من الصور، بل كيف يحافظ على ذاته خلف هذه الصور.

فالصورة يجب أن تكون شاهداً على الحياة وتوثيقا لها، لا بديلاً عنها، والهوية يجب أن تُبنى من الداخل قبل أن تُعرض في الخارج.

ولعل السؤال الذي سيصبح أكثر إلحاحاً في المستقبل ليس «ماذا نشرت اليوم»؟ بل من أنت عندما تنطفئ الشاشة؟ هناك فقط يبدأ الجواب الحقيقي عن الوجود الإنساني.