نجاح تجارب بعض مناطق المملكة خلال العقود الماضية وإلى اليوم فيه الكثير من الدروس فهو لم يكن مصادفة، ولم يكن نتيجة «المال» وحده كما يُعتقد أحيانًا، بل كان نتيجة تفاعلات بين الجغرافية والبنية الاقتصادية، والثقافة المحلية، والقيادات، التوقيت التاريخي، وقدرة المنطقة على استثمار ميزتها النسبية قبل غيرها.

من هنا، فإن فهم تجارب بعض المناطق السعودية وقصص نجاحها، يساعدنا على فهم كيف تُبنى «الهويات الاقتصادية للمناطق»، وكيف تتحوّل بعض المدن والمناطق إلى حاضنات مستثمرين وروّاد أعمال، ومنصات تأثير اقتصادي وثقافي وإداري داخل ذات المنطقة وخارجها،

رغم التفاوت بين مناطق المملكة الـ13 بمساحاتها الجغرافية وكثافتها السكانية، وتنوع مواردها الطبيعية التي حباها الله وبمواردها البشرية والكثير من مقوّمات الاستثمار.. ورغم ما حظيت به كل مناطق المملكة من دعم حكومي سخي وميزانيات ضخمة خلال العقود الماضية ولكافة القطاعات منذ البدء بخطط التنمية.

صحيح أن المال مهم في التنمية، وصحيح كذلك أن الموارد الطبيعية ضرورية للاستثمار، لكن هناك الإدارة ورأس المال البشري والقيادة التي لا تقل أهمية عن المال وعن الموارد الطبيعية في المنطقة.

تلك النجاحات والتجارب الاستثنائية لبعض المناطق، تضعنا أمام مسؤولية وطنية تنموية لتأصيل وتوثيق تلك التجارب الاستثنائية والقصص الملهمة وتكريم روّاد النجاح لتلك التجارب من المعاصرين وممن سبقهم، وتعظيم الفائدة من نجاحاتهم وتجاربهم.. مثلما تضعنا نجاحات بعض المناطق أمام مسؤولية طرح سؤال عن أسباب عدم استفادة المناطق التي لا تزال تبحث عن هويتها الاقتصادية والتي لا تزال تتلمس طريقها لأسباب إما إدارية من خلال ترجمة واستثمار مواردها الطبيعية والبشرية وميزتها الثقافية والجغرافية النسبية لتلتقي مع أغلب مستهدفات رؤية المملكة 2030 والتي من ضمنها تنويع مصادر الدخل الوطني وجودة الحياة.

تقتضي المرحلة -على ما يبدو- البحث في إيجاد آليات إدارية تفاعلية بين إدارات المناطق، بجانب إيجاد وتفعيل منبر أو منصة تعنى بالوعي الإداري والتقني التنموي والاستثماري وإتاحة الفرصة المباشرة وغير المباشرة لتدوير الفائدة والتجارب الناجحة وتنضيج المتأخر والمتعثر منها في بعض المناطق، وتصحيح مسارات بعضها، ويشمل ذلك كل الإدارات الحكومية وفروع الوزارات في المناطق للمواكبة والتوأمة في بعض الأحيان، وعدم التكرار والتخلص من العناصر التي تحول دون تقدّم وتنمية بعض المناطق.

كما أن المرحلة ربما تقتضي إيجاد وتفعيل مؤشر المناطق ربع السنوي على مستوى المملكة لتحديد المناطق الأكثر جاذبية استثمارية وذلك لخدمة المستثمرين، ولتنبيه المناطق المتأخرة أو المتعثرة إداريًا والمناطق المترددة في رسم هويتها الاقتصادية الاستثمارات الصناعية، التقنية، الزراعية، السياحية، اللوجستية، والعقارية، والخدمية، ليشمل حجم الجذب وسرعة النمو والبنية التحتية وجاهزية الإدارات الحكومية وعدم تضارب إجراءاتها ومرونة الإجراءات وجودة البنية الاقتصادية وحجم المشروعات، والقدرة على جذب الشركات والمواهب والعقول، والقرب من المنافذ الحدودية والموانئ والممرات البحرية.

المستثمر يبحث عن الفرص العادلة والتشريعات الواضحة والإجراءات الأقصر والأسرع، والاستثمار لا يبحث عن الموارد فقط، لكنه يبحث كذلك وبالتوازي عن البيئة التي تشعره بإدارة محلية صديقة تعمل معه لا ضده وثقافة محلية شريكة له، ولهذا متوقع أن تكون المنافسة في الاستثمار بين المناطق السعودية الأكثر ودية وجاذبية للمستثمرين، خاصة مع التحوّل التاريخي الذي رسمته رؤية السعودية 2030، حيث لم تعد المناطق الـ13 مجرد تقسيمات إدارية، بل تحوّلت إلى وحدات اقتصادية وتنموية تتنافس على جذب المستثمر واستقطاب المواهب والعقول ورفع جودة الحياة وتحويل الميز المحلية إلى اقتصاد مستدام. إن أفضل المناطق وأكثرها قابلية للاستثمار وجذبًا للمستثمرين ليست هي الأغنى بمواردها، بل هي الأسرع والأوضح والأقل تعقيدًا والأعلى سرعة والأكثر تعاونًا والأكثر احترافية.

تبرز الحاجة إلى مؤشر وطني شفاف يقيس أداء المناطق الـ13 في تحفيز الاستثمار، وجودة الخدمات الاستثمارية، وسرعة الإجراءات، وكفاءة الحوكمة، وكفاءة مراكز الأعمال ورضا المستثمرين، وعدد المشروعات التي نجحت واستمرت، لا التي افتُتحت فقط بهدف خلق تنافس تنموي صحي وكشف مكامن التعثر وتحفيز القيادات المحلية، وتوجيه الدعم والقرارات بناءً على بيانات حقيقية. ونجاح الاستثمار في المناطق مناط كذلك بقدرة القيادات المحلية على صناعة ثقافة صديقة للإنجاز والشراكة والمسؤولية المجتمعية والمنطقة التي لا تطور بيئتها الاستثمارية ستتراجع حتى لو امتلكت موارد ضخمة.