في كل عام، وقبل أن يكتمل مشهد الحج العظيم، تبدأ الأسطوانة ذاتها بالدوران: مقاطع مجتزأة، روايات مرتبكة، حسابات مجهولة أو مؤدلجة، ومحاولات متكررة لصناعة انطباع سلبي حول موسم يعرف العالم كله حجم تعقيده وضخامة مسؤولياته، وكأن بعض الأصوات لا تنتظر من الحج أن ينجح أو يفشل، بل تنتظر فقط فرصةً صغيرةً كي تعيد إنتاج الهجوم نفسه، باللغة نفسها، والنتيجة نفسها: ضجيج عابر، ثم نجاح كبير للموسم بإذن الله.
المسألة لم تعد مفاجئة، وربما لهذا أصبحت أقل إثارةً وأكثر مللاً، فحين يتكرر النمط كل عام، يفقد قدرته على الإقناع، الهجوم الذي كان يُراد له أن يبدو كشفاً أو اعتراضاً أو نصحاً، صار مكشوفاً إلى حد أنه يفضح أصحابه قبل أن يمس الجهة المستهدفة، المشكلة ليست في وجود نقد؛ فالنقد المسؤول مطلوب في أي عمل بهذا الحجم، المشكلة في حملات تُعرف بدايتها قبل أن تبدأ، وتُعرف خاتمتها قبل أن تنتهي، لأنها لا تبحث عن الحقيقة بل عن التشويش.
الحج ليس فعاليةً عاديةً يمكن الحكم عليها من مقطع قصير أو تعليق غاضب أو حساب يتخفّى خلف اسم مستعار، الحج أكبر تجمع بشري سنوي منظم في بقعة محدودة، وفي زمن محدد، وضمن شعائر دقيقة، وبلغات وثقافات وأعمار وظروف صحية مختلفة، ومن لا يدرك حجم هذا التعقيد لا يحق له أن يختزل المشهد في لقطة عابرة، إدارة الحج ليست عملاً دعائياً، بل هندسة دولة: أمن، وصحة، ونقل، وتفويج، وإسكان، وتقنية، وخدمات، وخطط طوارئ، وتنسيق بين عشرات الجهات.
لهذا تحديداً، تبدو الحملات الموسمية ضد الحج ضعيفة منطقياً قبل أن تكون مرفوضة سياسياً، فهي تطلب من المتلقي أن ينسى ملايين الحجاج الذين يؤدون مناسكهم بأمن وطمأنينة، وأن يركز على مقطع مبتور أو حادث فردي أو ادعاء بلا سياق، وهذا منطق لا يبحث عن الصورة الكاملة، بل يفتش عن زاوية ضيقة كي يجعلها بديلاً عن الحقيقة، وحين تتحول اللقطة إلى حكم، ويصبح الاستثناء قاعدة، فنحن لا نتحدث عن نقد بل عن تضليل.
الزاوية الأهم هنا أن السعودية لا تدير الحج بوصفه مناسبةً إعلاميةً، بل بوصفه أمانةً دينيةً ومسؤوليةً سياديةً، وهذا الفارق جوهري، فالدولة التي تخدم الحرمين الشريفين لا تحتاج إلى شهادة حسابات موسمية كي تثبت دورها، ولا إلى الدخول في سجال مع أصوات اعتادت الظهور في التوقيت نفسه كل عام، الرد الحقيقي ليس في مطاردة كل كذبة، بل في استمرار العمل، وانسيابية التنظيم، وسلامة الحجاج، واكتمال الموسم على خير.
ومن زاوية سيادية، لا يمكن فصل هذه الحملات عن محاولات أوسع لتسييس الشعائر أو تحويل الحج من عبادة جامعة إلى مادة للابتزاز الإعلامي والسياسي، وهنا يصبح الوعي ضرورياً، لأن الرد على كل صوت غبي أو مغرض قد يمنحه قيمةً لا يستحقها، أحياناً يكون التجاهل موقفاً، لا عجزاً، وأحياناً يكون عدم الالتفات أعلى درجات الثقة، لأن الدولة التي تعرف ماذا تفعل لا تضيع وقتها في شرح البديهيات لمن قرر مسبقاً ألا يرى.
لقد وصلنا فعلاً إلى مرحلة لا تستحق فيها هذه الأصوات أكثر من قراءة باردة: من يهاجم الحج كل عام بالطريقة نفسها، وفي التوقيت نفسه، وبالمواد نفسها تقريباً، لا يقدم قضيةً جديدةً بل يعيد تدوير فشل قديم، حتى الكذب يحتاج إلى خيال كي يبقى مؤثراً، أما حين يصبح الكذب مكرراً إلى هذا الحد، فإنه يتحول إلى مادة مضحكة لا مادة مقنعة.
نجاح الحج لا تصنعه العناوين، بل تصنعه التفاصيل التي لا يراها كثيرون: رجل أمن يرشد حاجاً تائهاً، مسعف يتدخل في لحظة حرجة، عامل ميداني يقف تحت الشمس، نظام تقني يختصر وقتاً، خطة تفويج تمنع ازدحاماً، وآلاف السعوديين والسعوديات يعملون بصمت كي يمر الموسم كما ينبغي، هذه هي الصورة التي لا تستطيع حملات التشويش هزيمتها، لأنها صورة واقع لا صورة دعاية.
في النهاية، ستستمر الأسطوانة المشروخة لأنها لا تملك غير التكرار، وسيستمر الحج في النجاح لأن خلفه دولةً لا تتعامل معه كموسم عابر، بل كمسؤولية تاريخية ودينية وإنسانية، وبين ضجيج موسمي ينتهي بانتهاء الحملة، وعمل مؤسسي يتراكم عاماً بعد عام، يعرف الناس أين تكون الحقيقة.
كالعادة، سنرى هجوماً، وسنرى مقاطع، وسنسمع أكاذيب، وكالعادة أيضاً، ستنتهي الضوضاء، ويبقى المشهد الأهم: حجاج يؤدون مناسكهم بأمن وطمأنينة، وموسم ينجح بإذن الله، ودولة ترد بالفعل لا بالانفعال.