في لقائي أنا ونخبة من كتّاب وكاتبات الرأي مع الرئيس التنفيذي لمركز برنامج جودة الحياة، كان لافتًا حديثه عن أن مفهوم جودة الحياة في رؤية المملكة 2030 لا يقف عند حدود القطاعات الستة المرتبطة بالبرنامج، بل يمتد ليشمل مختلف تفاصيل الحياة اليومية للإنسان؛ من التعليم والصحة إلى البيئة الاجتماعية والاستدامة وتمكين الإنسان.

هذا الطرح يعكس بوضوح كيف تنظر الرؤية إلى الإنسان؛ بوصفه محور التنمية الحقيقي، وأن جودة الحياة ليست مشروعًا منفصلًا عن حياة الناس، بل أسلوب تفكير يُعاد من خلاله تشكيل المجتمع بصورة أكثر توازنًا وإنسانية.

وفي توقيت يحمل الكثير من الدلالات، جاءت انطلاقة مشروع «أنسنة المدارس» في مدينة مكة المكرمة؛ بوصفه واحدًا من المبادرات التي تُترجم هذا المفهوم على أرض الواقع؛ لأن المدرسة ليست مجرد مؤسسة تعليمية، بل مساحة يومية يعيش فيها الإنسان سنواته الأولى، وتتشكّل داخلها شخصيته ومشاعره وعلاقته بنفسه وبالعالم.

وما يجعل هذه المبادرة مهمة فعلًا أنها لا تنظر إلى الطالب باعتباره رقمًا أكاديميًا أو نتيجة اختبار، بل كإنسان له احتياجات نفسية واجتماعية وعاطفية، يحتاج إلى بيئة يشعر فيها بالأمان والانتماء والاحترام.

وهنا تكمن القيمة الحقيقية لأنسنة المدارس؛ أن يتحول التعليم من تجربة تعتمد على التلقين والجمود إلى تجربة أكثر رحابة ووعيًا بالإنسان. فالمدرسة المؤنسنة لا يمكن قياسها فقط بجمال مرافقها أو تطوير بيئاتها البصرية، رغم أهمية ذلك، بل بما تتركه داخل الطالب من أثر نفسي وشعوري؛ في طريقة الاستقبال، وفي لغة الحوار، وفي مساحة التعبير، وفي احترام الفروق الفردية، وفي شعور الطالب بأنه مرئي ومقدَّر داخل مدرسته.

وهذه التفاصيل التي قد تبدو بسيطة هي في الحقيقة، ما يصنع العلاقة الصحية بين الإنسان والتعليم.

ومن هنا يمكن فهم العلاقة العميقة بين أنسنة المدارس وجودة الحياة؛ لأن جودة الحياة لا تعني فقط جودة الخدمات، بل جودة المشاعر التي يعيشها الإنسان يوميًا. فالطالب الذي يتعلّم في بيئة أكثر إنسانية واتزانًا سيكون أكثر قدرة على التعلم والإبداع وبناء العلاقات الصحية، والأهم أنه سيكون أكثر تصالحًا مع ذاته ومجتمعه.

إن أثر هذه المبادرات لا يتوقف عند المدرسة وحدها، بل يمتد إلى المجتمع بأكمله؛ فالإنسان الذي ينشأ في بيئة تعليمية رحيمة ومحفزة يكبر وهو أكثر وعيًا وتوازنًا وقدرة على المشاركة الإيجابية. ومع الوقت يتحول هذا الأثر إلى ثقافة مجتمعية تنعكس على جودة العلاقات، والإنتاجية، والانتماء الوطني، وحتى على الصحة النفسية العامة للمجتمع. ولهذا تبدو «أنسنة المدارس» خطوة رائدة تتجاوز مفهوم التطوير التقليدي للتعليم؛ لأنها تستثمر في الإنسان قبل أي شيء آخر. وكل مشروع يضع الإنسان في مركز اهتمامه هو في الحقيقة، مشروع يبني وطنًا أكثر استقرارًا ووعيًا وجودة حياة.

ختامًا، أرى أن هذه المبادرة تحمل قيمة تتجاوز حدود المدرسة نفسها؛ لأنها تقول، بصورة واضحة: إن بناء المستقبل لا يبدأ فقط من تطوير المناهج، بل من بناء إنسان يشعر أن له قيمة، وأن بيئته التعليمية تُشبه الحياة التي يستحق أن يعيشها.