ظهر مصطلح جمهورية الموز في أمريكا الوسطى لوصف دول شهيرة بإنتاج الموز، الذي كانت تسيطر على زراعته وتصديره شركات أمريكية تمكّنت من التدخل في سياسات وحكومات تلك الدول، ثم أصبح المصطلح يمثّل توصيفاً مجازياً ساخراً للدول التي تعاني من فساد كبير وضعف المؤسسات وسلطة غير مستقرة خاضعة لنفوذ سياسي خارجي وهيمنة شركات أجنبية تتحكم في اقتصادها.
قبل أيام حدث نقاش على قناة فضائية شارك فيه شخصان؛ أحدهما من دولة غير كبيرة المساحة، لكنها مستقرة ومتطورة وآمنة، والآخر من دولة عربية «جمهورية» مجاورة كبيرة المساحة وغنية الموارد، لكنها تفتقد الأمن والاستقرار، وتعيش أزمات متواصلة وفوضى عارمة وضعفاً شديداً لمؤسسات الدولة؛ بسبب سيطرة نفوذ خارجي عليها يتحكّم في مفاصلها ويتدخّل في قراراتها السيادية ويحدد ما الذي تفعله ولا تفعله. خلال النقاش أراد ممثل الدولة الكبيرة أن ينتقص من الدولة الخليجية فوصفها بـ «الدويلة»، وذلك ما استفز مواطنها المشارك في الحوار ليرد بوصفه الدولة الأخرى بـ «جمهورية الموز»، وهنا تحوّل الحوار إلى صدام وجدل عقيم خارج الموضوع الأساسي للحلقة.
نستحضر هذه الحادثة القريبة؛ كي نشير إلى حالتَي الإنكار والتضليل اللتين يمارسهما بعض الإعلاميين من دول ينطبق عليها وصف جمهوريات الموز فعلاً، فبدلاً من الاهتمام بإصلاح بلدانهم والتركيز على مشاكلها وممارسة النقد الذاتي والاعتراف بالأخطاء، فإنهم يعيشون حالة انفصام متعمّدة مع واقعهم، ومغالطة لكل المشاكل التي تعاني منها شعوبهم، وما زالوا يعانون من مرض الفوقية الوهمية والانتقاص من دول سبقتهم كثيراً في كل جوانب التنمية البشرية والمادية.
عانت دول الخليج العربية «غير الجمهورية» من هذه النظرة الدونية التي مارستها ضدها الجمهوريات العربية التي نشأت منتصف القرن الماضي، وكان خطابها الأبرز وصْم أنظمة الحكم المستقرة الأخرى بالرجعية والتخلّف والبداوة، ووعدت تلك الجمهوريات شعوبها بالحرية والديموقراطية والتقدّم والرخاء والتفوق حتى على الدول الغربية، لكن الزمن أثبت أن تلك الشعارات كانت مخدراً قاتلاً للشعوب وطموحاتها، والنتيجة هي الواقع الذي نراه في كثير منها.
انصرفت دول البداوة والصحارى والأميّة إلى استغلال ثرواتها في البناء الحقيقي دون ضجيج، وأصبحت تنافس على الصدارة في العلوم والتقنية وقوة الاقتصاد وجودة الحياة، بينما فشلت كثير من جمهوريات الوعود البرّاقة، وتحول بعضها إلى جمهوريات موز بكل دلالات المصطلح.