لا أعتقد أن هناك شعوباً تستخدم منصات التواصل الاجتماعي بالطريقة التي تستخدمها الشعوب العربية. الطريقة العربية في استخدام هذه الوسائل ظاهرة لافتة تستدعي دراستها من قبل المتخصصين في الإعلام وعلم الاجتماع وعلم النفس. وحتى لا نقع في خطأ التعميم، الذي نطالب دائماً بتجنّبه في أي أمر أو توصيف، فإننا نعني فئات من هذه الشعوب حوّلت هذه المنصات إلى ساحات للاتهامات والتجنيات والتصفيات العبثية عند وقوع أي حدث أو حدوث أي قضية حتى لو كانت فردية أو محصورة في نطاق ضيق جداً. وأما في الأحداث الأكبر فإننا نشاهد اختلاط الحابل بالنابل، وضياع صوت العقل، وفتح جبهات ساخنة للقصف الكلامي المتبادل دون ضوابط، وبتعميم غير منطقي على الشعوب، واستحضار خلافات وأزمات قديمة وإسقاطها على الحاضر، لتنشأ حالة شديدة من الاحتقان ليست في صالح أي طرف.
هذه العشوائية ضارة جداً بالشعوب، خصوصاً في الأوقات غير العادية كالتي نمرُّ بها الآن، والتي تتطلب قدراً كبيراً من الانضباط والمسؤولية، وتجنُّب الاستفزاز وخلط الأوراق، وأكرر أنها تتطلب -بشكل خاص- عدم التعميم ووصم شعوب بأكملها نتيجة تجاوزات لأشخاص بعينهم، أو فئة توظف الأزمات لتصفية حسابات خاصة تتعلق بها، سياسية أو أيديولوجية، أو كيفما كانت، خصوصاً عندما تكون معروفة سابقاً.
لا يُلام أي مواطن أبداً حين يهبُّ للدفاع عن وطنه أو مجتمعه عندما يتعرض لإساءة صريحة من أي شخص، ولكن عليه ألا ينزلق في منحدر الإسفاف في اللغة حتى لو استخدمها الطرف الآخر كوسيلة للاستفزاز. ومن حق أي مواطن أن يردَّ على أي مغالطة ويصحح أي معلومة كاذبة تتعلق بأي شأن من شؤون وطنه، ولكن دون التوسع بالخوض في مواضيع أخرى خارجة عن نطاق موضوع النقاش. وأما فيما يتعلق بالمواقف السياسية للدول تجاه أي قضية فإنها مسألة بالغة الحساسية، فمن ناحية يجب فهم هذه المواقف من المصادر الرسمية فقط، وعدم التسرع بأخذها من أي مصادر أخرى لا سيما أن كثيراً من المصادر في هذا الوقت تفتقد المصداقية والموثوقية. ومن حق أي شخص أن يعلّق على هذه المواقف الرسمية إذا كان له رأي حيالها، ولكن يجب أن يكون الرأي موضوعياً وبلُغة تراعي ضوابط مخاطبة أجهزة رسمية تمثل دولتها.
نحن الآن كدول عربية وليست خليجية فقط في ظل تسارع الأوضاع في منتهى الخطورة، أزمة كبرى ليس من الحصافة أن يعتقد الذين ليسوا في مركزها أنهم بمنجاة من نتائجها القريبة والبعيدة المدى، والعالم يراقب العقل العربي الجمعي كيف يتعامل معها، لذلك يجب أن نرتفع بخطابنا ونقاشاتنا في الإعلام ووسائل التواصل عن المهاترات وبذر الضغائن والانشغال بزوابع صغيرة مفتعلة بدلاً من التركيز على الإعصار الكبير الذي نواجهه.