في الحسابات الإستراتيجية للدول، لا يُقاس الأمن القومي بعدد الطائرات أو حجم الترسانات العسكرية فقط، بل بقدرة الدولة على تأمين غذاء شعبها في أوقات الاستقرار والأزمات معاً. ومن هذه الزاوية تحديداً، يواجه الخليج مفارقة واضحة: قوة مالية هائلة يقابلها اعتماد كبير على الخارج في الغذاء.
تشير الدراسات الدولية إلى أن دول مجلس التعاون الخليجي تستورد في المتوسط ما بين 80% و90% من احتياجاتها الغذائية نتيجة محدودية الأراضي الصالحة للزراعة وشح الموارد المائية.. أما في السلع الأساسية الحسّاسة، فترتفع النسبة أكثر، حيث تستورد المنطقة نحو 93% من الحبوب، ويقترب الاعتماد على الخارج في الأرز من 100%، وهي سلع تشكّل العمود الفقري للغذاء اليومي في معظم المجتمعات.
(المصدر: البنك الدولي، ومنظمة الأغذية والزراعة FAO).
هذه الأرقام لا تعني ضعفاً اقتصادياً، لكنها تكشف هشاشة جيوسياسية كامنة! فالغذاء الذي يصل إلى الخليج يعبر آلاف الكيلومترات من الممرات البحرية وسلاسل الإمداد العالمية، ما يجعله مرتبطاً بعوامل خارجية كثيرة نعيش خطورتها اليوم.. من استقرار التجارة الدولية، أمن الممرات البحرية، تقلبات الأسعار العالمية، وحتى السياسات الزراعية للدول المصدرة.
لكن في المقابل، امتلكت دول الخليج عنصر قوة فريداً تمثل في البترودولار.. فالثروة النفطية لم تكن مجرد مصدر ازدهار اقتصادي، بل شكّلت أداة إستراتيجية لتعويض القيود الطبيعية للجغرافيا.
القدرة المالية العالية سمحت لدول الخليج بتأمين الغذاء من الأسواق العالمية، وبناء احتياطيات إستراتيجية، والاستثمار في سلاسل الإمداد، بل وحتى الاستثمار في الأراضي الزراعية خارج الحدود في آسيا وأفريقيا.
غير أن التجارب العالمية في العقدين الأخيرين أظهرت أن المال وحده لا يكفي دائماً! فجائحة كورونا، والحرب في أوكرانيا واليوم حرب إيران واضطرابات الشحن العالمي، كلها كشفت أن سلاسل الإمداد قد تتعطل فجأة، وأن الدول المصدرة تميل في الأزمات إلى تقييد صادراتها لحماية أسواقها الداخلية، وعند تلك اللحظة يتحوّل الغذاء من سلعة تجارية إلى أداة سيادية.
لهذا تتجه الإستراتيجيات الخليجية الحديثة إلى إعادة تعريف الأمن الغذائي. فالمعادلة لم تعد تقوم فقط على الاستيراد، بل على تقليل الهشاشة عن طريق تنويع مصادر التوريد، توسيع المخزونات الإستراتيجية، الاستثمار في الزراعة الخارجية، وتطوير الزراعة الذكية محلياً باستخدام التقنيات الحديثة كالزراعة المائية والبيوت المحمية.
الخليج يمتلك المال والطاقة والموقع الجغرافي، لكن الدرس الإستراتيجي واضح:
النفط يمنح النفوذ.. أما الغذاء فيمنح الاستقرار.
الدول التي تؤمّن غذاءها، حتى ولو جزئياً، تحصّن سيادتها في عالم تزداد فيه المنافسة على الموارد.