إن أردت الحكم على جودة عمل فليكن في شهر رمضان، ففيه تكمن جودة التجربة في التفاصيل، فكلما تمّت إجادتها كان الحكم صائباً، فمن يجود وهو صائم يرسل رسالة للتأكيد على صدق تحمّل المسؤولية، ويكون ذلك التجويد تعميقاً للمسؤولية والإنجاز مهما تغيّرت ظروف العمل، ولأن لرمضان طابعه الخاص؛ تختلف فيه الأجواء، وتتغيّر فيه طبيعة العمل وكذلك سلوك الزوّار، وتكون التجربة فيه أعمق وأهدأ من بقية المواسم.
في هذا الشهر، لا يكتفي الزائر بمشهد جميل أو برنامج ممتع؛ إنه يبحث عن تجربة متكاملة تمنحه راحة وطمأنينة وتنظيماً يليق بروح المكان وخصوصية الوقت، لذلك، فإن النجاح في رمضان لا يُقاس بحجم الزخم، بل بدرجة الانضباط.
فالانضباط هو ما يُحدد ما إذا كان الازدحام عبئاً على الزائر أم تجربة منظمة تُدار بمهنية، ومع تضاعف الأعداد وارتفاع وتيرة الحركة، يغدو تنظيم أوقات الذروة عنصراً حاسماً يشمل إدارة تدفُّق الزوّار، وتوجيه مسارات الدخول والخروج، وتوزيع الموارد في النقاط الأكثر ازدحاماً، وتحسين كفاءة التشغيل بصورة مستمرة لحظة بلحظة.
هذه ليست تفاصيل تشغيلية هامشية، بل معايير واضحة تعكس جاهزية القطاع وقدرته على تقديم تجربة مستقرة تحت الضغط.
وفي رمضان تحديداً، تظهر الجاهزية في التفاصيل لا في الشعارات.
فالتفاصيل اليومية هي التي تصنع الانطباع: سرعة الاستجابة، وضوح الإرشادات، نظافة المرافق، دقة المواعيد، وسلاسة التنقل، أما الرسائل العامة والعبارات الرنانة، فلا تُقنع الزائر إذا لم يجدها مطبقة على أرض الواقع.
وأعتقد أن جودة الخدمة في القطاع السياحي -تحديداً- خلال رمضان تعني «التجربة الكاملة» منذ لحظة وصول الزائر حتى مغادرته، وتبدأ من سهولة الوصول والانتقال مروراً بالإقامة وما يتصل بها من راحة وخدمات، ثم الضيافة بمعناها الواسع، وصولاً إلى جودة الخدمات في المواقع السياحية نفسها، وهنا تتكامل أدوار مقدّمي الخدمة من الفنادق إلى مرافق الضيافة وشركات النقل والمنشآت السياحية، فكل طرف منها يُمثِّل حلقة ضمن سلسلة واحدة متكاملة، وأيُّ ضعف في حلقة واحدة ينعكس فوراً على الصورة الكلية للتجربة.
وأعتقد أن هذا القول يظل إنشائياً ما لم تتوفر النماذج التي تحقق ذلك القول.
وفي هذا الإطار يأتي افتتاح فنادق في المنطقة المركزية بمكة المكرمة، إلى جانب افتتاح عدد من الفنادق الجديدة في المدينة المنورة خلال فترة الرحلة، ويأتي هذا ضمن توسع نوعي في الطاقة الفندقية يعكس تنامي الجاهزية التشغيلية ورفع الطاقة الاستيعابية في محيط الحرمين الشريفين، بما يواكب كثافة الموسم ويوفر خيارات إقامة متنوعة للزوار.
أما ضمن استعدادات العيد، فيبرز افتتاح منتجعات كإضافة نوعية للمشهد، فالضيافة الفاخرة تعزز الخيارات الترفيهية والإقامة للعائلات والزوّار بعد ذروة الشهر الكريم، وتؤكد استمرار تطوير المنتج السياحي بما يتماشى مع المواسم المتعاقبة.
وتبقى إدارة الضغط أكثر ما يميّز موسم رمضان، ففي الذروة، لا يختبر الزائر الخدمة فقط، وإنما يختبر هدوء المنظومة بأكملها، والقدرة على التعامل مع الازدحام دون ارتباك، واتخاذ قرارات سريعة دون فوضى، واستمرار جودة الخدمة دون تراجع.
وهذه كلها مؤشرات على نُضج تشغيلي حقيقي، وهي مسؤولية الجهات المشغّلة والمنظمّة بالتكامل مع الجهات المعنية؛ لضمان انسيابية التجربة وحماية جودتها في لحظات الضغط العالية.
رمضان موسم جودة قبل أن يكون موسم أرقام، وهو فرصة لإثبات أن القطاع السياحي قادر على تقديم تجربة منضبطة ومريحة حتى في أكثر الأوقات ازدحاماً، ومن ينجح في رمضان يثبت أنه لا يجهز لموسم واحد، وإنما يبني معياراً تشغيلياً يمكن الاعتماد عليه في كل المواسم.