قبل أيام التقيت بمعالي الرئيس التنفيذي للهيئة العامة للغذاء والدواء الأستاذ الدكتور هشام بن سعد الجضعي، في حوارٍ اتّسم بالشفافية وعمق الطرح، واستعرض فيه معاليه آليات ومعايير عمل الهيئة، ومنهجيتها الصارمة في الرقابة على الغذاء والدواء، ودورها الحيوي في تعزيز سلامة المنتجات وصون صحة المجتمع.
في الواقع، أرى دائمًا أن ما ينقص كل مشروع وكل مؤسسة وكل منظومة هو صناعة فلسفة أعمق تتجاوز مفهوم الرقابة والأنظمة؛ لتؤسّس لشراكة واعية بين المؤسسة والمجتمع، قوامها صناعة مواطن ومقيم مسؤول اجتماعيًا، يدرك أن سلامته الصحية وحقوقه وواجباته لا تقوم على الأنظمة وحدها، بل على وعيه وسلوكه واختياراته اليومية.
لذلك كانت مشاركتي في هذا اللقاء منصبة على محور التوعية والمسؤولية المجتمعية، بوصفهما حجر الأساس في بناء مجتمعٍ صحي وآمن. فالجهات التنظيمية، مهما بلغت دقتها وكفاءتها، تظل بحاجة إلى مجتمعٍ واعٍ يُحسن التفاعل مع الرسائل التوعوية، ويستوعب أهمية الاستخدام الآمن للدواء، ويتعامل مع الغذاء بوصفه عنصرًا أساسيًا في جودة الحياة، لا مجرد استهلاكٍ يومي عابر.
إن صناعة المواطن والمقيم المسؤول اجتماعيًا تبدأ من بناء الوعي، والوعي لا يُفرض، بل يُبنى بالتراكم، ويترسّخ بالتثقيف، ويُثمر بالممارسة وذلك حين يدرك الفرد خطورة تداول الشائعات الصحية، وأهمية الالتزام بالإرشادات الدوائية، وضرورة التحقق من مصادر الغذاء وسلامته، فإنه لا يحمي نفسه فحسب، بل يسهم في حماية المجتمع بأكمله.
وفي هذا السياق، يتجلى الدور التكاملي لهيئة الغذاء والدواء، ليس فقط كجهة رقابية، بل كجهة توعوية تؤمن بأن الوقاية تبدأ من المعرفة، وأن المسؤولية المجتمعية شراكة ممتدة بين المؤسسة والفرد، فكل رسالة توعوية تصل، وكل معلومة صحيحة تُنشر، وكل سلوك واعٍ يُمارس، هو لبنة في بناء مجتمعٍ أكثر أمانًا وصحة واستدامة.
أرى بأننا اليوم أمام مرحلةٍ تتطلب إعادة تعريف المسؤولية المجتمعية، بحيث لا تقتصر على المبادرات الموسمية، بل تصبح ثقافة يومية وسلوكًا أصيلًا، فالمجتمع الواعي هو خط الدفاع الأول، وهو الشريك الحقيقي في تحقيق مستهدفات جودة الحياة، وهو الأساس الذي تُبنى عليه التنمية المستدامة.
ختامًا .. الاستثمار في وعي المواطن والمقيم ليس خيارًا تكميليًا، بل ضرورة وطنية، لأن الإنسان الواعي هو القادر على حماية نفسه، والإسهام في حماية مجتمعه، وصناعة مستقبلٍ أكثر أمنًا وصحة وازدهارًا.