تعدّ الممرات البحرية في منطقة الخليج العربي من أكثر القضايا الشائكة والنقاط الحسّاسة في مجال السياسة الدولية، فالممرات البحرية بشكل عام ولاسيما تلك التي تربط مناطق عدة بالعالم تمثل شرايين التجارة العالمية، حيث تعدّ في غاية الأهمية ليس فقط لدول المنطقة التي تمر بها تلك الممرات البحرية، بل للاقتصاد العالمي ككل، ومن المؤكد أن مضيق هرمز والذي يمثل نقطة عبور إستراتيجية تربط الخليج العربي ببحر العرب والمحيط الهندي يمثل أهمية بالغة في مجال النقل الإستراتيجي.

مضيق هرمز يمثل شرياناً رئيسياً تتدفق عبره إمدادات الطاقة وسلاسل إمدادات التجارة العالمية، حيث تمر عبره كمية ضخمة من الصادرات النفطية وغير النفطية إلى كافة دول العالم، ومما لا شك فيه أن أمن هذه المنطقة الحسّاسة له أكبر الأثر على كافة مناحي الحياة التي تعد مصادر الطاقة أساساً لها، فبمجرد أن يلوح أي تهديد في الأفق ممثلاً في أي صورة من شأنها تهديد حركة السفن في هذا الممر، تهتز الأسواق العالمية بشدة، وبخلاف ذلك فإن تهديد أمن الممرات الملاحية ينعكس على أمن دول الخليج أيضاً، وهو ما دفع بتلك القضية إلى واجهة القضايا الأكثر إلحاحاً واحتياجاً للحل خلال هذه الآونة.

مع تصاعد التوترات السياسية والعسكرية بين الولايات المتحدة وإيران مؤخراً غدا أمن الملاحة في منطقة الخليج ملفاً مفتوحاً قابلاً للتصعيد في أي وقت مما زاد من التوترات في المنطقة ككل، فالغموض فيما يتعلق بمستقبل المضيق ألقى بأثره على المشهد العام للتجارة العالمية، وهو ما حوّل المضيق من مجرد ممر مائي محايد إلى ورقة ضغط سياسي ومادة دسمة للتفاوض عند اندلاع أي صراع.

وقد شهدت السنوات الأخيرة تصعيداً في الملف الأمني للمضيق تضمّنت حوادث استهدفت ناقلات النفط، كما تم بالفعل احتجاز عدد من السفن التجارية بطواقمها العاملة، مما أدّى لتصعيد إعلامي متبادل بين العديد من الدول المعنية بمجال النقل في المضيق، مما أعاد الجدل حيال مدى الأمن الذي تتمتع به المنطقة وممراتها المائية الإستراتيجية، وعلى الرغم من أن تلك الحوادث المتفرقة لم تؤدِ إلى مرحلة الإغلاق الشامل لتلك الممرات المائية، إلا أنها أثارت القلق والتوتر في غالبية الأسواق العالمية، مما كان له أكبر الأثر على رفع تكاليف التأمين والشحن، مما انعكس بالسلب على كافة الأطراف سواء المنتجة أو المستهلكة.

لا شك أن وقوع شريان مائي يستخدم بشكل موسع في عمليات النقل البحري مثل مضيق هرمز تحت التهديد يعتبر أمراً بالغ الخطورة بالفعل، فمن المفترض أن حرية الملاحة مكفولة للجميع بأمان طبقاً لقوانين الملاحة الدولية، غير أن الأمن في تلك المنطقة لم يعد يتعلق بالمواجهة المباشرة فحسب، بل أصبح المضيق برمته طرفاً فاعلاً في حرب غير معلنة تدار من خلال رسائل متبادلة بين أطراف النزاع، والقوى المتصارعة على التحكم في المضيق غالباً ما تلجأ لاستعراض القوة وتحاول قدر الإمكان تجنب المواجهة المباشرة، فالمواجهة المباشرة قد تكون باهظة التكلفة وغالباً ما تؤدي إلى ارتفاع الأسعار العالمية في كافة المجالات بشكل قد لا يمكن التحكم فيه، وهو ما يستدعي إدارة هذا الملف بالغ الحساسية بدقة بالغة حيث لا مجال للخطأ أو التسرع في الحكم أو اتخاذ قرارات غير مدروسة بشكل كافٍ، فقد تندلع أزمة كبيرة من مستصغر الشرر.

في ظل الاعتماد العالمي الحالي على النفط سيبقى مضيق هرمز محوراً أساسياً في معادلة الأمن العالمي، ومن المؤكد أن أمن الخليج وأمن المنطقة هما قضية واحدة لا تحتمل التسويف أو التجاهل، فلا مجال لتقبل هشاشة الأمن في تلك المنطقة الحسّاسة، والتي لا تحتمل أي نوع من أنواع التوتر العسكري، فتلك الممرات هي عصب الاقتصاد الدولي، وقضية الأمن فيها قضية سياسية بامتياز ترتبط بمستقبل واستقرار المنطقة وليس مجرد ضمان أمن السفن والبحار.

التطورات المتسارعة في توتر العلاقات بين الولايات المتحدة وإيران تفرض ضرورة ملحة لاحتواء الأزمة بين الجانبين، نظرًا لما لها من تأثير مباشر على أمن الملاحة في مضيق هرمز، فاستمرار التوتر أو تصعيده يهدّد سلامة حركة السفن التجارية وناقلات الطاقة التي تعبر المضيق يوميًا، ويعرّض إمدادات النفط والغاز لمخاطر جسيمة قد تنعكس في صورة اضطرابات في أسواق الطاقة وارتفاعًا في تكاليف النقل والتأمين، ومن هذا المنطلق، يصبح احتواء الأزمة عبر القنوات الدبلوماسية والحوار السياسي خيارًا استراتيجيًا لا غنى عنه، ليس فقط لتجنيب المنطقة مخاطر المواجهة العسكرية، بل أيضًا للحفاظ على استقرار التجارة العالمية وضمان حرية الملاحة عبر هذا الشريان الحيوي الذي يعتمد عليه الاقتصاد الدولي.