كشفت دراسة طويلة الأمد وُصفت بأنها الأولى من نوعها عالمياً، أن أداء تمرين ذهني بسيط لمدة تزيد قليلاً عن شهر قد يسهم في خفض خطر الإصابة بالخرف بنسبة تصل إلى 25%.
وتأتي هذه النتائج في وقت يُتوقع فيه أن يصل عدد المصابين بالخرف إلى مليوني شخص بحلول عام 2050، ما يزيد الضغوط على الأنظمة الصحية ويجعل البحث عن وسائل وقائية أولوية ملحّة.
ونُشرت النتائج في مجلة Alzheimer’s & Dementia: Translational Research and Clinical Interventions، وهي متابعة لدراسة ACTIVE (Advanced Cognitive Training for Independent and Vital Elderly)، وهي أكبر تجربة عشوائية محكومة في الولايات المتحدة لتقييم تدريب الإدراك المعرفي.
دراسة استمرت 20 عاماً
شملت الدراسة أكثر من 2,000 مشارك تبلغ أعمارهم 65 عاماً فأكثر، وتمت متابعتهم على مدى عقدين، وجرى تقسيمهم عشوائياً إلى ثلاث مجموعات خضعت لأنواع مختلفة من التدريب الذهني، إضافة إلى مجموعة ضابطة لم تتلقَّ تدريباً.
أحد البرامج ركّز على ما يُعرف بـ«تدريب السرعة والانتباه المزدوج» عبر مهمة حاسوبية تُسمى Double Decision، إذ يُعرض للمشارك مشهد يتضمن سيارة ولافتة طريق لثوانٍ معدودة قبل اختفائهما، ويُطلب منه تحديد نوع السيارة وموقع اللافتة.
ويزداد التمرين صعوبة تدريجياً مع تحسن أداء المشارك، إذ تظهر مشتتات إضافية، وتصبح السيارات أكثر تشابهاً، والخلفيات أكثر تعقيداً، ما يحفز الدماغ على تنشيط مناطق أوسع.
أما المجموعتان الأخريان فخضعتا لتدريبات على تحسين الذاكرة اللفظية ومهارات التفكير وحل المشكلات.
أهمية الجلسات التعزيزية
نصف المشاركين تقريباً حصلوا على جلسات تعزيزية إضافية: أربع جلسات بعد عام من التدريب الأساسي، وأربع جلسات أخرى بعد نحو ثلاث سنوات، وبعد مرور 20 عاماً، أظهرت النتائج أن المشاركين الذين خضعوا لتدريب السرعة والانتباه المزدوج مع الجلسات التعزيزية انخفض لديهم خطر تشخيص الخرف بنسبة 25% مقارنة بالمجموعة الضابطة.
في المقابل، لم تُظهر بقية البرامج بما فيها تدريب السرعة دون جلسات إضافية تأثيراً ملموساً على معدلات الخرف.
وقالت البروفيسورة مارلين ألبرت، أستاذة علم الأعصاب بجامعة جونز هوبكنز وقائدة الدراسة: "كان هناك تشكك كبير حول جدوى تدريبات الدماغ، لكن نتائجنا تقدم دليلاً قوياً على إمكانية تقليل خطر الخرف".
وأضافت أن حجم التأثير مذهل، مشيرة إلى أن التكرار والتدرّج في صعوبة المهمات قد يكونان عنصرين حاسمين في تحقيق الفائدة.
آراء متحفّظة
ورغم النتائج الإيجابية، أبدى بعض الخبراء تحفظهم. إذ أشار البروفيسور بابتيست لوران من جامعة كوليدج لندن إلى أن التحليلات الأساسية لم تُظهر فروقاً ذات دلالة إحصائية واضحة بين المجموعات، وأن النتيجة الإيجابية استندت إلى تحليل فرعي واحد، ما يجعل الأدلة قابلة للنقاش.
كما حذّرت الدكتورة سوزان كولهاس من منظمة أبحاث الزهايمر في المملكة المتحدة من أن الدراسة لا تثبت أن التدريب يمنع الخرف بشكل مباشر، إذ استندت التشخيصات إلى السجلات الصحية لا إلى فحوص سريرية معمقة، ما يعني أنه لا يمكن الجزم بتأثير التدريب على الأمراض الدماغية المسببة للخرف.
الحاجة إلى أبحاث إضافية
واتفق الخبراء على ضرورة إجراء دراسات إضافية لفهم آلية عمل هذا النوع من التدريب، وتحديد الفئات الأكثر استفادة منه، وكيف يمكن دمجه مع الاستراتيجيات المعروفة لحماية صحة الدماغ، مثل: ممارسة النشاط البدني بانتظام، ضبط ضغط الدم وصحة القلب، الحفاظ على الروابط الاجتماعية، اتباع نمط حياة صحي متوازن.
أرقام مقلقة في أوروبا وبريطانيا
يأتي ذلك في ظل تقرير حديث لمنظمة ألزهايمر أوروبا توقع ارتفاع أعداد المصابين بالخرف في القارة بنسبة تقارب الثلثين خلال الـ25 عاماً المقبلة، مدفوعة بشكل رئيسي بمرض ألزهايمر.
وفي المملكة المتحدة، كشفت بيانات جديدة أن الخرف يتسبب في وفيات بوتيرة أسرع من المتوقع، مع تسجيل نحو 2,500 وفاة إضافية في إنجلترا العام الماضي وحده.
ومع استمرار ارتفاع الحالات، طرح خبراء أخيراً 56 توصية قائمة على الأدلة لتقليل خطر الخرف، من بينها تحسين السيطرة على ارتفاع ضغط الدم وتعزيز التوعية بالصحة العامة.