وقّعت مصر والأردن معاهدة سلام مع إسرائيل، ثم تحوّلت كلمة سلام إلى تطبيع. أصبحت الأخيرة أكثر تداولاً من كلمة سلام، فاعتمدت كوصف رسمي لأي معاهدة سلام بين العرب وإسرائيل. الجدير بالملاحظة، أن كلمة تطبيع لا تصف سوى السلام بين العرب وإسرائيل. عندما وقّعت المملكة اتفاقية إعادة العلاقة مع إيران لم تستخدم كلمة تطبيع ولم تُسمَّ سلاماً، بل إعادة علاقات، فالتطبيع لا يعني فقط القبول بالسلام بين دولتين كتبادل السفارات واتفاقيات تجارية واستقبال سيّاح. يراد له نقل السلام إلى الشعوب على أمل أن تلزم الحكومات العربية الموقّعة مع إسرائيل شعوبها به، لعل قبول إسرائيل يتغلغل في عمق الثقافة الشعبية. فتبيّن، أن التطبيع أياً كانت محاولات تعميقه سيبقى في حدود الزمن الحاضر وقشرة رقيقة لا تمس وجدان الإنسان العربي والمسلم. فالتناقض بين الشعوب الإسلامية وإسرائيل يذهب إلى الدين والتاريخ. محاولات التطبيع لا تستطع أن تغيّر حقائق التاريخ أو تعيد تشكيل الدين وتكييفه. لذا بعد اعتماد كلمة السلام الإبراهيمي تم حذف كلمة تطبيع بعد أن فشلت في القيام بواجبها.

الانتقال من (تطبيع) إلى (السلام الإبراهيمي) هو الانتقال من معالجة أمور الدنيا إلى معالجة أمور الثقافة والتاريخ والدين كما تشي كلمة (الإبراهيمي)

قال مرة رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق أريل شارون «العرب اعترفوا بقوتنا ولم يعترفوا بحقنا في الوجود»، أي أن العرب يرون أن شرعية إسرائيل مرهونة بالقوة فقط. إذا أرادت إسرائيل البقاء عليها أن تبقى قوية منيعة، بل أقوى من العرب مجتمعين.. ولكن بقدر ما تؤمّن القوة الأمن لإسرائيل هي في الحقيقة مصدر خطر عليها، فإسرائيل هي الدولة الوحيدة في الدنيا وفي التاريخ التي لا تملك حق الضعف. كل دولة وكل كائن وكل جماد لا بد أن يمر بمرحلة ضعف. هذا حق تفرضه سنة الطبيعة. بانتفاء حق إسرائيل في الضعف يسقط عنها مفهوم دولة. ها هو الصومال في أضعف حالاته ولم يتبخر؛ لأنه شعب أصيل على أرضه.

هنا علينا ان نطرح السؤال: ما هو السلام الإبراهيمي؟ هذا السؤال ليس بالبساطة التي تفهم بها هذه الكلمة عندما تمر عليك في وسائل الإعلام. قد يكون أخطر سؤال يمر عليك كعربي ومسلم.

أذربيجان دولة مسلمة تقيم أمتن علاقة بإسرائيل. تعاون إستراتيجي عسكري، تعاون تجاري، تعاون سياسي بل نفضت يدها من القضية الفلسطينية. علاقتها بإسرائيل علاقة أخوية وليست مجرد علاقة دولة بدولة ومصالح. ورغم ذلك دفعوها للانضمام للسلام الإبراهيمي. لماذا؟!

علينا أن نعلم أن السلام مع إسرائيل هو سلامان، أحدهما يتعالى على الآخر وليس سلاماً واحداً كما هي الحال بين الدول كافة.

هناك سلام مع إسرائيل يقوم على الاعتراف (بوجود دولة إسرائيل)، هذا ما وقّعت عليه مصر والأردن، وهناك سلام آخر يجب أن يقوم على الاعتراف بـ(حق إسرائيل في الوجود)، أي أن يعترف العرب والمسلمون ثقافياً ودينياً وتاريخياً بوجود إسرائيل.

الأول سلام سياسي وسلام ضرورة، والآخر سلام ديني وتاريخي، والسلام الديني التاريخي يفترض أن يحذف أحد الطرفين شيئاً من دينه ومن تاريخه ليتفق مع دين الآخر وتاريخه.

قال نتنياهو رئيس الوزراء الإسرائيلي، بعد أن مهّد الأوضاع من حوله بالقوة العسكرية: (سنغير الثقافة). ما هي هذه الثقافة التي يريد أن يغيرها؟ ثقافة الشعب هي دين الشعب وتاريخه وعاداته ولغته، وما علاقة ذلك بالتحوّل من كلمة التطبيع إلى السلام الإبراهيمي؟

كيف أتى إبراهيم بعد أكثر من سبعين سنة ليجمع المسلمين مع إسرائيل على سلام غير مسبوق؟

يقول تعالى: «مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَٰكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ» (سورة آل عمران: 67).

هذه الآية الكريمة لا تحتاج إلى تفسير ولا تحتمل التأويل. هل هذا هو إبراهيم الذي يؤمن به اليهود والمسيحيون الإنجليكان.

أم أن الاعتراف (بحق) إسرائيل في الوجود لن يرتكز على إبراهيم المسلم، كما عرفه القرآن وإنما سيرتكز على إبراهيم الذي ورد في التوراة ومن ثم القبول بالعهد الإبراهيمي. ترى ما هو هذا العهد الذي قطعه الرب لبني إسرائيل كما تقول التوراة في سفر التكوين:

سفر التكوين 15: 18: «فِي ذلِكَ الْيَوْمِ قَطَعَ الرَّبُّ مَعَ أَبْرَامَ مِيثَاقًا قَائِلاً: لِنَسْلِكَ أُعْطِي هذِهِ الأَرْضَ، مِنْ نَهْرِ مِصْرَ إِلَى النَّهْرِ الْكَبِيرِ، نَهْرِ الْفُرَاتِ». (3، 4)

سفر التكوين 17: 8: «وَأُعْطِي لَكَ وَلِنَسْلِكَ مِنْ بَعْدِكَ أَرْضَ غُرْبَتِكَ، كُلَّ أَرْضِ كَنْعَانَ مُلْكًا أَبَدِيًّا. وَأَكُونُ إِلهَهُمْ». (5)

بمقارنة هذه النصوص التوراتية مع الآية الكريمة أعلاه، علينا أن نسأل من هو الشعب الذي سيفرض إبراهيميته وتاريخه على الآخر. هل الاتفاق الإبراهيمي سيستند على إبراهيم المسلم الحنفي الذي حدده القرآن الكريم بوضوح لا لبس فيه، أم إبراهيم الذي منح اليهود والمسيحيين الإنجليكانيين أرض فلسطين قبل أربعة آلاف سنة؟!

وعلى المستوى التاريخي ماذا سنقول لأطفالنا في المدرسة: هل حرر صلاح الدين القدس أم نقول احتلها إلى أن جاء الإسرائيليون وحرروها من أحفاده؟!