الحدث الأبرز في عالم الطيران هذا الأسبوع كان التنبيه الذي أرسلته شركة إيرباص إلى شركات الطيران حول العالم، وتبعه طلب من وكالة سلامة الطيران الأوروبية «EASA» بوقف أكثر من 6,000 طائرة من طراز A320 عن الخدمة حتى يتم التحقق من أنظمتها.
هذا الحدث أعاد للأذهان «هشاشة قطاع الطيران»، الذي يتعامل مع الأجواء بثقة؛ كميدان عمل لا مجال فيه للخطأ.
القضية بدأت الشهر الماضي عندما تعرضت إحدى طائرات شركة JetBlue الأمريكية خلال رحلتها رقم B61230 المتجهة من كانكون إلى نيويورك؛ لانخفاض مفاجئ في الارتفاع دون أي تدخل من الطيارين، كانت مدة الانخفاض 5 ثوانٍ فقط، لحظات قصيرة لكنّها كفيلة بأن تذكّر العالم أن الطيران رغم رقابته الصارمة، يبقى صناعة تعيش على التفاصيل الدقيقة، استطاع الطيارون إعادة الطائرة للارتفاع الصحيح لكن لا وقت للبحث أو التحليل؛ لذلك هبطت الطائرة اضطراريّاً في تامبا، ونتج عن الحادثة إصابة 15 راكباً، نُقل بعضهم إلى المستشفى، فيما خرجت الطائرة من الخدمة مباشرة.
لاحقاً، تبيّن أن المشكلة تتعلق بإصدار حديث لأحد أجهزة الكمبيوتر الرئيسية في الطائرة، تحديداً كمبيوتر التحكم بأسطح الطيران ELAC المسؤول عن التحكم بالجنيحات والدفة الخلفية، وهو جهاز حساس يتعامل مع حركة الطائرة بدقة تماثل الإشارات العصبية في جسم الإنسان.
الجانب المضيء في القصة أن المشكلة أُغلقت خلال أربعة أيام فقط في جميع أنحاء العالم دون تأثير على السلامة، واقتصر الأثر على بعض التأخيرات في عدد من المطارات، وهذا يعكس قدرة الطيران على التعامل مع أزماته بسرعة، ومرونة المنظومة التقنية والتشريعية في احتواء المشكلات.
في المقابل، أعادت هذه القصة التذكير بهشاشة القطاع أمام الأزمات، وكيف أنه يعيش دائماً في اختبار مستمر، ويستعيد توازنه بقدرته على امتصاص الصدمات والتعافي السريع.
قرار «EASA» بإيقاف آلاف الطائرات لم يكن إجراءً متعجلاً، بل خطوة استباقية تؤكد أن السلامة في الطيران لا تُدار بالاجتهادات، وأن كل طرف من أطراف الصناعة يتحمّل مسؤوليته كاملة عندما يحدث أي خلل.
أسرة الطيران منظومة عملاقة تتكوّن من الشركات المصنّعة، والجهات التشريعية، والشركات الناقلة، ومنظومات السلامة.. كل طرف فيها يعمل بتناغم ضمن سلسلة من الإجراءات التي تحكمها إرادة جماعية، دون هذا التكامل يختل التوازن وتصعب المهام، فالتنسيق هو ما يضمن استمرار الثقة في صناعة بهذا الحجم.
الحادثة تذكّرنا أيضاً بأن الطيران هو أكثر الصناعات حساسية على مستوى العالم، وأن خلف كل رحلة ناجحة يقف آلاف الأشخاص والأنظمة والقرارات.
صحيح أن المسافرين لا يرون إلا مقاعدهم وتذاكرهم، لكن العمل أكبر مما يبدو، وأكثر تعقيداً من مسألة إقلاع وهبوط.
من الجيّد أن يدرك المسافر حجم التحديات التي تواجهها الصناعة، وأن ثقته بها ثقة مبنية على منظومة إجراءات صارمة وتاريخ طويل من التطوير المستمر، فالطيران رغم هشاشته يبقى واحداً من أعظم إنجازات الإنسان في تنظيم الفوضى وتحويلها إلى متعة آمنة لا غنى عنها.