إن التحقيقات التي تباشرها لجنة الامتثال بشأن «البنر» الذي رُفع من مجهولين في مباراة الاتحاد والأهلي، أعادت إلى ذاكرتي مواقف وقرارات اتخذتها إدارات سابقة في الاتحاد السعودي لكرة القدم ولجانه في سنوات مضت، لم يلتزم الاتحاد الحالي بتطبيقها أو البناء عليها. وقد وردت تلك القرارات في بيانات رسمية أكدت رفضاً شديداً لتجاوزات جماهير الأندية، ودعمت عقوبات نصّت عليها تلك البيانات في حال عدم امتثال الأندية لها وتنفيذها. وإن صحّ وصف هذا التعبير بـ«التجاهل أو التغافل»، فإن تجاهل الرجوع لتلك القرارات يطرح جملة من التساؤلات الجوهرية، وهي كما يلي:
- أولاً: واقعة رفع الأعلام السوداء عام 2005، حينما أصدر الاتحاد السعودي لكرة القدم بياناً عبّر فيه عن رفضه واستنكاره الشديد لقيام جماهير النادي الأهلي برفع الأعلام السوداء في مباراته أمام نادي البنزرتي التونسي، وذلك احتجاجاً على التحكيم في نهائي الاتحاد والأهلي. وجاء في جزء من نص ذلك البيان (لمؤسف أن الأمر وصل إلى درجة توزيع أعلام سوداء بمقاسات كبيرة وأحجام واحدة، ومن الواضح أنها وُزّعت بكميات كبيرة مع توجيه برفعها في المدرجات أثناء المباراة. وقد كان منظر ذلك السواد قبل بداية المباراة سيئاً جداً وسلبياً للغاية، وخاصة أنه يحدث لأول مرة في الملاعب الرياضية داخل وخارج المملكة، وهذا الأمر يتنافى مع عاداتنا وتقاليدنا ويعدّ دخيلاً ولن يُسمح بمثل هذه الأمور إطلاقاً. وقد كان لحكمة وحسن تصرف الجهات المختصة دورٌ إيجابي في انتزاع تلك الأعلام السوداء ومنع ظهورها قبل بداية النقل التلفزيوني)، وبذلك تُعدّ هذه الحادثة سابقة خطيرة كان جمهور النادي الأهلي أول من قام بها في حينه.
- ثانياً: تجاهل السلوكيات المماثلة لاحقاً
وعند تتبع حالات مشابهة صدرت من رابطة جماهير الأهلي الحالية- من ألفاظ ولافتات غير لائقة «تلميحاً وتصريحاً»- لاحظنا أن اتحاد الكرة الحالي لم يُولِها الاهتمام المطلوب، ولم يتخذ بشأنها أي إجراء مما دفع بجمهور نادي الاتحاد إلى التعامل بالمثل. وهنا يُطرح السؤال الجوهري.. لماذا لم يتخذ الاتحاد، عبر مجلسه الموقر أو لجانه الانضباطية، أي قرار تأديبي تجاه تكرار السلوك ذاته من الجماهير نفسها، وإن اختلفت أساليبه وآلية تنفيذه، طالما أن هناك سابقة قائمة لا يمكن تجاهلها؟
-ثالثاً: في عام 2017 أصدر الاتحاد السعودي لكرة القدم قراراً يمنع استخدام لقب «الملكي» بكافة صوره، سواء عبر اللافتات في الملاعب أو عبر مواقع الأندية وتطبيقاتها، مع التشديد على إدارات الأندية بالالتزام بتنفيذه، وإلا فإن العقوبات ستطال النادي المخالف، ورغم ذلك مازالت جماهير النادي الأهلي ترفع لافتات هذا اللقب في ملعب الجوهرة حتى اليوم، دون اتخاذ أي عقوبة من لجان الاتحاد حيال هذا المخالفات، برغم وضوح القرار وصدوره من اتحاد سابق، مما جرأ بعض الإعلاميين ومعلقي المباريات إلى عدم الاكتراث بذلك القرار.
- رابعاً: هل الاتحاد الحالي ملزم بقرارات الاتحادات السابقة؟ (من المنظور القانوني) الإجابة القانونية نعم، ملزم، فالقرارات الصادرة من مجلس إدارة الاتحاد «متى صدرت وفق النظام الأساسي ولوائح الاتحاد» ترتبط بالكيان الاعتباري للاتحاد، لا بالأشخاص الذين يديرونه. وبمجرد صدور القرار يكتسب قوة نظامية تُلزِم جميع الأندية والأطراف ذات العلاقة، بغضّ النظر عن تغيّر الإدارات أو الأشخاص.
خامساً: مثال على قرارات لجنة التوثيق
ما صدر مؤخراً عن لجنة التوثيق من قرارات يُعدّ ملزماً كذلك لمجالس الاتحادات القادمة. فلا يجوز لأي إعلامي أو مسؤول في نادٍ أن يخالف ما وثّقته اللجنة أو يحرّفه أو يعبث بالحقائق التاريخية. إلا أننا لاحظنا بعد صدور تلك القرارات أن بعض الإعلاميين ومن يدّعون معرفتهم بتاريخ الأندية ما زالوا يبالغون ويخالفون ما تم توثيقه، دون خوف من عقوبات، وربما كان سكوت الاتحاد عن هذه التجاوزات أحد أسباب استمرارها.
- سادساً: حتى لا يُساء فهم رأيي، لست ضد أي قرار تتخذه اللجنة المختصة تجاه من خالفوا الأنظمة وسمحوا بدخول البنر إلى مدرجات جمهور الأهلي ورفعوه. بل على العكس، أنا مع أي عقوبة نظامية تصدر بحق المخالفين، أياً كانت هويتهم وميولهم الكروي، وبحق من سهلوا إدخال هذا البنر سواء من موظفي الملعب أو الشركة المنظمة التابعة لنادي الاتحاد، فالموضوع أنظر إليه من منظور أمني بحت، ويحمل خطورة بالغة إذا لم تُفرض عقوبات صارمة تمنع تكراره.
- خلاصة القول.. هل ستظل قرارات الاتحاد السعودي لكرة القدم «حبراً على ورق» حتى إشعار آخر؟ الإجابة عند رئيس الاتحاد الأستاذ ياسر المسحل، وأعضاء مجلس إدارته، واللجنة الانضباطية المعنية.