منذ أن انطلقت شرارة الحرب التجارية العالمية في بدايات العام 2018 بين الولايات المتحدة الامريكية والصين، شهدت التجارة العالمية تحوّلاً جذرياً في بنيتها واتجاهاتها، بعدما كانت العولمة تمثل الإطار الاقتصادي المسيطر منذ ثمانينيات القرن الماضي. كان التوسّع في الأسواق العالمية، وانسيابية تدفق السلع، وسهولة سلاسل الإمداد التي تمتد من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب هي السمة الغالبة على النظام التجاري العالمي. نشاهد منذ عقد تقريباً هذا النموذج الذي بدا راسخاً لعقود بدأ يتعرّض لهزات قاسية مع تصاعد التوترات الجيوسياسية، والحروب التجارية بين القوى الكبرى، وأزمة سلاسل الإمداد التي برزت خلال الجائحة، إضافة إلى التغيّرات المعقدة في الطاقة والتكنولوجيا. ومع هذه التحديات، ظهر اتجاه عالمي جديد يستبدل السوق العالمية المفتوحة بنظام يقوم على التكتلات الاقتصادية، حيث تجتمع الدول وفق المصالح السياسية والاستراتيجية قبل الاعتبارات التجارية والاقتصادية.

بدأت فكرة العولمة كمشروع اقتصادي يهدف إلى تعزيز الكفاءة وخفض التكاليف عبر توزيع الإنتاج بين الدول وفق ميزاتها النسبية تحقيقاً لتوجهات العالم الاقتصادي ديفيد ريكارد، لكنها تحوّلت لاحقاً إلى أداة سياسية في يد الدول الكبرى. ومع تزايد الصراع بين الولايات المتحدة والصين خلال العقد الأخير، ظهر بوضوح أن التجارة لم تعد مجرد تبادل للسلع، بل أصبحت ساحة صراع على النفوذ والتكنولوجيا وسلاسل الإمداد. هذا التحوّل أدّى إلى تراجع دور البنية المؤسسية الدولية، وعلى رأسها منظمة التجارة العالمية، التي فقدت الكثير من قدرتها على إدارة النزاعات أو وضع قواعد موحدة للسوق العالمية.

ونتيجة لتلك العوامل، بدأت التكتلات الاقتصادية في الصعود بشكل متسارع. فهناك التكتلات الغربية بقيادة الولايات المتحدة التي أعادت تشكيل تجارتها عبر سياسات حمائية مدعومة بقوانين مثل دعم الصناعات التقنية والطاقة النظيفة، فضلاً عن بناء سلاسل إمداد صديقة بعيداً عن الصين. وفي المقابل، توسع الصين نفوذها من خلال مبادرات كبرى مثل «الحزام والطريق» وتوسيع «مجموعة بريكس»، في محاولة لبناء نظام تجاري ومالي موازٍ. وبين الطرفين، تنمو تكتلات إقليمية مرنة مثل آسيان، وميركوسور، تحاول إيجاد توازن بين مصالح القوى الكبرى والاستفادة من التنافس بينها.

لعبت هشاشة سلاسل الإمداد التي كشفتها الجائحة دوراً مهماً في هذا التحول، حيث أدركت الدول أن الاعتماد على الإنتاج البعيد قد يعرّض اقتصادها للمخاطر. كما أدى صعود السياسات الصناعية إلى عودة مفهوم «صُنع محلياً»، مع توسع كبير في الدعم الحكومي للصناعات الاستراتيجية، خصوصاً التكنولوجيا والأدوية والطاقة. علاوة على ذلك، تلعب الجغرافيا السياسية دوراً كبيراً في إعادة تشكيل طرق التجارة، ما جعل الأمن الاقتصادي مقدماً على الكفاءة الاقتصادية.

من يلاحظ المشهد التجاري العالمي يدرك أن العولمة لم تختفِ، لكنها لم تعد بالشكل الذي عرفناه. فالتجارة العالمية تُعاد صياغتها وفق اعتبارات الأمن، والسياسة، والتحالفات. وفي ظل هذا المشهد المتغير، تمتلك بعض الاقتصادات الصاعدة فرصة تاريخية للتموضع كمراكز تجارية ولوجستية عالمية تربط بين الشرق والغرب، وتستفيد من إعادة رسم خريطة الاقتصاد الدولي خلال العقد القادم.