إدارة الأزمات هو أحد العلوم الإدارية التي تهدف بشكل أساسي للتعامل مع الكوارث أو الأحداث المفاجئة ذات المخاطر المحتملة بطريقة علمية منهجية بدلاً من التعامل معها بطريقة ارتجالية، ودون الدخول في التفاصيل العلمية لهذا المفهوم -لأنه لا علاقة له بشكل مباشر بسياق الموضوع الذي سأتناوله اليوم- فإن ما يهمني فقط هنا هو أن أشير إلى أننا كمنطقة عربية فشلنا في تطبيق مبادئ إدارة الأزمات بامتياز، فلم نتمكن من تجاوز غالبية الأزمات التي ألمت بمنطقتنا وكان لها الكثير من البوادر الملموسة والواضحة للعيان، مما رشح منطقتنا الإقليمية لأن تكون إحدى البؤر الملتهبة في العالم.
الظاهرة التي سأتناولها اليوم عادت تطفو على السطح السياسي أخيراً وباتت تؤرق دول الخليج العربي ألا وهي «تجارة الأزمات»، ربما يبدو هذا المصطلح غريباً للقارئ، وقد يربطه البعض بتجارة السلع والخدمات أو تجارة الأسلحة وقت الحروب والكوارث، ولكن ليس هذا ما أنوي الخوض فيه لأن المعروض للبيع هنا ليس سلعة أو خدمة، بل هى مواقف سياسية لبعض الدول شرقاً وغرباً، إنها تجارة لا أريد أن أقول إنها حديثة العهد –ولكنها تظهر وقت الأزمات- خاصة مع ما نشهده اليوم من اشتداد الأوضاع وانفجارها في محيطنا الخليجي.
عادة.. وعند وجود أزمة سياسية نجد أن المواقف السياسية للدول الأخرى ذات العلاقة غير المباشرة بالأزمة تتخذ صوراً عديدة، فهناك دول تقف على الحياد ولا تعلن موقفها تجاه أي طرف بانتظار اللحظة المناسبة للتدخل للإصلاح وإنهاء الأزمة قبل أن يتسع مداها، وفئة ثانية من الدول تنتظر وتتأخر في إعلان موقفها حتى يتضح الطرف الرابح لتقف بجانبه وتسانده وتهلل له، وهناك فئة ثالثة من الدول تقف مع الطرف المحق في القضية ويكون لها موقف ثابت من الأزمة بصرف النظر عن مسارها الميداني، وهي غالبا ما تتدخل لحل الأزمة بشكل مباشر، إما من خلال تبني موقف سياسي محدد أو من خلال تدخل عسكري، أما الفئة الرابعة من الدول فهي تلك الدول التي تتميز سياستها بالميوع والمراوغة بين الفينة والأخرى من أجل المتاجرة بمواقفها السياسية.
وفي ما يتعلق بهذا السياق ينبغي أن نوضح أن الإعانات والمساعدات التي تقدمها الدول الغنية للدول الأخرى لأغراض محددة ليست بدعة سعودية، فكثير من دول العالم ذات التأثير الاقتصادي كاليابان والولايات المتحدة والكثير من دول أوروبا وأستراليا تقدم مساعدات مالية أو عينية –إما كمنح أو قروض- لدول أخرى تمكنها من تجاوز أزماتها الاقتصادية، وهذه الإعانات برغم أنها في العادة تأخذ طابعا إنسانيا إلا أنها في الوقت ذاته تمثل بطبيعة الحال أداة لتكوين تحالف دولي تكون الدولة المانحة في أشد الحاجة إليه، فعلى سبيل المثال في حرب الخليج الثانية قدمت دول الخليج قروضا ميسرة إلى الاتحاد السوفيتي ـ سابقاً ـ بقيمة أربعة مليارات دولار من أجل إجهاض أي فيتو محتمل يمكن أن يقوم به السوفيت لمنع استخدام القوة في تحرير الكويت.
لا شك لدينا أن كل دولة تبحث عن مصالحها الشخصية، لكن في المقابل يجب علينا أن نفرق بين المنح باعتبارها أداة للتعاون واعتبارها وسيلة للابتزاز، ومن المؤسف أن الأحداث الراهنة التي تمر بها منطقة الخليج تمثل أرضاً خصبة للمتاجرة بالمواقف السياسية للكثير والكثير من الدول، ومنها ما ظهر أخيراً على الساحة الأمريكية في ما يعرف باسم قانون جاستا، فهذا القانون ليس أكثر من وسيلة ابتزاز وأداة للي الذراع لاستنزاف ما تبقى من أرصدة دول الخليج، كما أن ما يجري بمجلس الأمن والمواقف المتباينة بل والمتناقضة لبعض الدول لا يعدو أن يكون سوى نوع من المتاجرة بالمواقف.
قد تكون المتاجرة في المواقف السياسية في أوقات الرخاء الاقتصادي غصة في حلوقنا، غير أننا نستطيع بجرعة ماء أن نبتلعها، لكن في حقيقة الأمر تحتاج الظروف التي نمر بها- وعلى الأخص الظروف التي تمر بها المملكة مع انخفاض سعر النفط- إلى مراجعة شاملة لمواقف حلفائنا سواء القريب منهم أو البعيد، فمثلما قمنا بمراجعة اقتصادية شاملة للنواحي المالية نحتاج لإجراء مراجعة سياسية شاملة لدعم مصالحنا، فمثلما تبحث كل دولة عن مصالحها علينا في المقابل الاهتمام بمصالحنا، وأن نسعى بجدية للاستفادة من مواردنا لبناء قاعدة اقتصادية متينة راسخة لا تتأثر بتذبذب أسعار النفط ـ كما يتذبذب حلفاؤنا الآن ـ، يكون المستفيد الأول والأخير منها المواطن والمجتمع بوجه عام.
نحن اليوم في مفترق طرق، فعلى الرغم من مرارة الأحداث التي نمر بها فقد ساعدتنا على أن نميز عدونا من صديقنا، وقد كانت الخطوة الناجحة التي قامت بها المملكة للتحرر من القيود الغربية والتوجه نحو الشرق؛ نحو الصين وكوريا وباكستان واليابان، هي الدعامة الأساسية للتخلص من الهيمنة الغربية على مقدراتنا وثرواتنا، وما يجعل المملكة دولة متفردة مميزة في مكانتها ووضعها بين بقية دول المنطقة بل والعالم بأسره هو ثوابتها التي لا تتغير بتغير ملوكها ولا قادتها، والتي أرساها ورسخها الملك عبد العزيز رحمه الله واتبعها أبناؤه من بعده ولم يحيدوا عنها أبدا، هذه الثوابت تتلخص في مبدأ سياسي مهم يُجمل طريقة تعاملها مع غيرها من الدول الأخرى، وهو بخلاف انحيازها للحق وللشرعية ووقوفها في صف الشعوب المستضعفة، أنها لا تخضع أبداً للابتزاز ولا تستجيب لنزعات الاستغلال، وأنها تعي جيدا وتدرك المخاطر التي تحيق بالمنطقة وتبرع في كيفية التعامل معها، وذلك من خلال عقود طويلة من الخبرة منحت قادتها الحكمة والفطنة الكافية للعبور بالأمة العربية عموما وبالشعب السعودي على وجه الخصوص لبر الأمن والاستقرار والأمان.
الظاهرة التي سأتناولها اليوم عادت تطفو على السطح السياسي أخيراً وباتت تؤرق دول الخليج العربي ألا وهي «تجارة الأزمات»، ربما يبدو هذا المصطلح غريباً للقارئ، وقد يربطه البعض بتجارة السلع والخدمات أو تجارة الأسلحة وقت الحروب والكوارث، ولكن ليس هذا ما أنوي الخوض فيه لأن المعروض للبيع هنا ليس سلعة أو خدمة، بل هى مواقف سياسية لبعض الدول شرقاً وغرباً، إنها تجارة لا أريد أن أقول إنها حديثة العهد –ولكنها تظهر وقت الأزمات- خاصة مع ما نشهده اليوم من اشتداد الأوضاع وانفجارها في محيطنا الخليجي.
عادة.. وعند وجود أزمة سياسية نجد أن المواقف السياسية للدول الأخرى ذات العلاقة غير المباشرة بالأزمة تتخذ صوراً عديدة، فهناك دول تقف على الحياد ولا تعلن موقفها تجاه أي طرف بانتظار اللحظة المناسبة للتدخل للإصلاح وإنهاء الأزمة قبل أن يتسع مداها، وفئة ثانية من الدول تنتظر وتتأخر في إعلان موقفها حتى يتضح الطرف الرابح لتقف بجانبه وتسانده وتهلل له، وهناك فئة ثالثة من الدول تقف مع الطرف المحق في القضية ويكون لها موقف ثابت من الأزمة بصرف النظر عن مسارها الميداني، وهي غالبا ما تتدخل لحل الأزمة بشكل مباشر، إما من خلال تبني موقف سياسي محدد أو من خلال تدخل عسكري، أما الفئة الرابعة من الدول فهي تلك الدول التي تتميز سياستها بالميوع والمراوغة بين الفينة والأخرى من أجل المتاجرة بمواقفها السياسية.
وفي ما يتعلق بهذا السياق ينبغي أن نوضح أن الإعانات والمساعدات التي تقدمها الدول الغنية للدول الأخرى لأغراض محددة ليست بدعة سعودية، فكثير من دول العالم ذات التأثير الاقتصادي كاليابان والولايات المتحدة والكثير من دول أوروبا وأستراليا تقدم مساعدات مالية أو عينية –إما كمنح أو قروض- لدول أخرى تمكنها من تجاوز أزماتها الاقتصادية، وهذه الإعانات برغم أنها في العادة تأخذ طابعا إنسانيا إلا أنها في الوقت ذاته تمثل بطبيعة الحال أداة لتكوين تحالف دولي تكون الدولة المانحة في أشد الحاجة إليه، فعلى سبيل المثال في حرب الخليج الثانية قدمت دول الخليج قروضا ميسرة إلى الاتحاد السوفيتي ـ سابقاً ـ بقيمة أربعة مليارات دولار من أجل إجهاض أي فيتو محتمل يمكن أن يقوم به السوفيت لمنع استخدام القوة في تحرير الكويت.
لا شك لدينا أن كل دولة تبحث عن مصالحها الشخصية، لكن في المقابل يجب علينا أن نفرق بين المنح باعتبارها أداة للتعاون واعتبارها وسيلة للابتزاز، ومن المؤسف أن الأحداث الراهنة التي تمر بها منطقة الخليج تمثل أرضاً خصبة للمتاجرة بالمواقف السياسية للكثير والكثير من الدول، ومنها ما ظهر أخيراً على الساحة الأمريكية في ما يعرف باسم قانون جاستا، فهذا القانون ليس أكثر من وسيلة ابتزاز وأداة للي الذراع لاستنزاف ما تبقى من أرصدة دول الخليج، كما أن ما يجري بمجلس الأمن والمواقف المتباينة بل والمتناقضة لبعض الدول لا يعدو أن يكون سوى نوع من المتاجرة بالمواقف.
قد تكون المتاجرة في المواقف السياسية في أوقات الرخاء الاقتصادي غصة في حلوقنا، غير أننا نستطيع بجرعة ماء أن نبتلعها، لكن في حقيقة الأمر تحتاج الظروف التي نمر بها- وعلى الأخص الظروف التي تمر بها المملكة مع انخفاض سعر النفط- إلى مراجعة شاملة لمواقف حلفائنا سواء القريب منهم أو البعيد، فمثلما قمنا بمراجعة اقتصادية شاملة للنواحي المالية نحتاج لإجراء مراجعة سياسية شاملة لدعم مصالحنا، فمثلما تبحث كل دولة عن مصالحها علينا في المقابل الاهتمام بمصالحنا، وأن نسعى بجدية للاستفادة من مواردنا لبناء قاعدة اقتصادية متينة راسخة لا تتأثر بتذبذب أسعار النفط ـ كما يتذبذب حلفاؤنا الآن ـ، يكون المستفيد الأول والأخير منها المواطن والمجتمع بوجه عام.
نحن اليوم في مفترق طرق، فعلى الرغم من مرارة الأحداث التي نمر بها فقد ساعدتنا على أن نميز عدونا من صديقنا، وقد كانت الخطوة الناجحة التي قامت بها المملكة للتحرر من القيود الغربية والتوجه نحو الشرق؛ نحو الصين وكوريا وباكستان واليابان، هي الدعامة الأساسية للتخلص من الهيمنة الغربية على مقدراتنا وثرواتنا، وما يجعل المملكة دولة متفردة مميزة في مكانتها ووضعها بين بقية دول المنطقة بل والعالم بأسره هو ثوابتها التي لا تتغير بتغير ملوكها ولا قادتها، والتي أرساها ورسخها الملك عبد العزيز رحمه الله واتبعها أبناؤه من بعده ولم يحيدوا عنها أبدا، هذه الثوابت تتلخص في مبدأ سياسي مهم يُجمل طريقة تعاملها مع غيرها من الدول الأخرى، وهو بخلاف انحيازها للحق وللشرعية ووقوفها في صف الشعوب المستضعفة، أنها لا تخضع أبداً للابتزاز ولا تستجيب لنزعات الاستغلال، وأنها تعي جيدا وتدرك المخاطر التي تحيق بالمنطقة وتبرع في كيفية التعامل معها، وذلك من خلال عقود طويلة من الخبرة منحت قادتها الحكمة والفطنة الكافية للعبور بالأمة العربية عموما وبالشعب السعودي على وجه الخصوص لبر الأمن والاستقرار والأمان.