لم أجد للدموع التي سفحها محمود عباس بسخاء وإسراف في لحظة تشييع الهالك «بيريز البولندي الأصل أحد أعمدة المشروع الصهيوني وصاحب تاريخ مليء بالدم والقتل والتدمير منذ عملية عناقيد الغضب التي أبكت العالم وأحرجته» أي موضوع في قاموس تصنيف الدموع حسب الحاجة إليها، والدوافع التي تحركها، ولست هنا في معرض السخرية بل الاستغراب، فقد كفتني الصحافة ووسائل التواصل الاجتماعي مشقة ذلك، حيث تبارت في توظيف الكوميديا السوداء في التبكيت والهزء بالدموع المسفوحة على سفاح قانا وعضو عصابة (الهاغانا)، ولكنني أحاول أن أفك طلاسم تلك الدموع، وأقارب لها صنفا يمكن أن تندرج تحته دون قلق أو إكراه، فكل الأصناف التي أعرفها من الدموع، لم أجد من بينها وصفا لدموع «عباس»، فهي بلا شك ليست من صنف «الدموع المؤثرة»، فهي كما يصف العارفون تسفح وتبذل بسخاء وصدق عند لحظات التوبة، معبرة عن حالة من تأنيب الضمير، فلو كانت دموع «عباس» كذلك، لكان أوجب أن يجود المبكي عليه «بيريز» وليس الباكي عليه «عباس».
إذن هي من صنف «الدموع المخادعة»، التي تعرف اصطلاحا بـ«دموع التماسيح»، كونها دموعا تذرف من شخص لا يحمل في داخله أي إحساس بحزن أو ألم، وإنّما غايته منها إدراك مصلحة أو هروب من مأزق. لكن دموع «عباس» لم تكن كذلك، فما تعرض له من «خداع» في جولات المفاوضات والتنازلات المستمرة، يجعلنا نقف حيارى في تفسير ماهية هذه الدموع التي سفحها حزناً على مجرم هالك.
دعنا نقول إنها كانت دموع سعادة لموت خصمه، لكن المفسرين لهذه الدموع لابد أن يجدوا حرجًا في وضع دموع «عباس» هنا، فهي دموع «تنتج عن موقف مفاجئ ميؤوس منه»، ومن أمثلتها دموع النّجاح بعد تكرار الفشل، ويكفي أن «محمودًا» ما زال يمضي بلا نجاح، وإن كان لابد أن يظهر «سعادته» بدموعه، فلا أقل من تقليل مظاهر الحزن في تقاسيم وجهه، والاقتصاد في «الأحضان العزائية» التي قدمها بالمجان لكل خصومه.
ويمكننا أن نمضي مع كل أصناف الدموع الأخرى لنؤكد أن لا صلة بينها وبين دموع عباس، فلم تمكن بلا شك من صنف الدموع البريئة، فتلك دموع الأطفال، وهي ليست من «الدموع الجميلة»، فهذه مرتبطة بشؤون دموع الوفاء، وهي من أرقى الأنواع وأشرفها، وهي ليست كذلك في مناسبة مثل هذه، وهي ليست أيضًا من نوع «الدّموع القاسية» الناتجة عن ألم يقاسيه ذارفها، وهي بلا شك غير معنية بـ«الدّموع المعبّرة»، المسفوحة في محرقة النّدم، وهي أبعد بفراسخ وأميال وسديم عريض من «الدّموع العظيمة» فتلك دموع الانتصار، ودموع العظماء والأقوياء.. ولولا أن «الدموع الرقيقة» متصلة بالمرأة وصدق التعبير والرقة لقلنا إن بينها وبين دموعه «شبهة صلة».
هكذا إذن.. لا شبيه لدموع «عباس» في تلك اللحظة العجيبة، التي أدهشنا فيها، مقدما دموعا خاصة، فريدة، متفردة، سيكون سهلاً على «جينس» أن يفتح لها سجله لتدوينها دون منافس، ونقترح عليه أن يكون اسمها «الدموع المحموعباسية»، وتلك الدموع لصاحبها حالة زهو بسلطة تبحث عن دولة، وخريطة يبحث عن حدودها في يد سارقيه.. دمعة مبذولة من صاحبها لقاتل أطفاله، ومبيد شعبه، وسارق قوته وأرضه.
ألا ما أعجب هذه القضية الفلسطينية، التي بدأ حلمها كبيرا بكنس الاحتلال الصهيوني ورميه في البحر، وإعادة شذاذه إلى التيه الذي أتوا منه، وتدحرج الحلم مع اتساع وتعدد منابر التفاوض، فتقلص الحلم إلى حدود 1967م، ثم إلى الضفة والقطاع، ثم إلى فتح المعابر، وإيقاف الاستيطان، ثم البحث عن الاعتراف بـ«السلطة الفلسطينية»، وليس الدولة الفلسطينية، ثم فك الحصار عن بيت الرئيس فقط، والحلم في ضموره وتقلصه المستمر انتهى بنا اليوم إلى مشهد الذل والخنوع، وهنا لابد للمرء أن يسترجع ما حدث في قمة الخرطوم التي خرجت بأشهر «لاءات ثلاث»: لا صلح ولا اعتراف ولا تفاوض مع العدو الصهيوني قبل أن يعود الحق لأصحابه، بحضور الكبار يومها، وتخلفت سورية فقط، واليوم نحن هنا مع «عباس ووفده» يبكي على الهالك «بيريز»، فهل بقي لهذه «السلطة» المنقسمة من موضع في خريطة القضية العادلة، وقد تدحرج المتحدثون باسمها من حماس إلى عباس إلى هذا الدرك السحيق المهين، ليس على البكاء الذي شهدناه، بل إلى ازدراء «العدو» لك، وسحب يده من مصافحة يد «باعت» قضيتها، وعين خانت دمعتها!
إذن هي من صنف «الدموع المخادعة»، التي تعرف اصطلاحا بـ«دموع التماسيح»، كونها دموعا تذرف من شخص لا يحمل في داخله أي إحساس بحزن أو ألم، وإنّما غايته منها إدراك مصلحة أو هروب من مأزق. لكن دموع «عباس» لم تكن كذلك، فما تعرض له من «خداع» في جولات المفاوضات والتنازلات المستمرة، يجعلنا نقف حيارى في تفسير ماهية هذه الدموع التي سفحها حزناً على مجرم هالك.
دعنا نقول إنها كانت دموع سعادة لموت خصمه، لكن المفسرين لهذه الدموع لابد أن يجدوا حرجًا في وضع دموع «عباس» هنا، فهي دموع «تنتج عن موقف مفاجئ ميؤوس منه»، ومن أمثلتها دموع النّجاح بعد تكرار الفشل، ويكفي أن «محمودًا» ما زال يمضي بلا نجاح، وإن كان لابد أن يظهر «سعادته» بدموعه، فلا أقل من تقليل مظاهر الحزن في تقاسيم وجهه، والاقتصاد في «الأحضان العزائية» التي قدمها بالمجان لكل خصومه.
ويمكننا أن نمضي مع كل أصناف الدموع الأخرى لنؤكد أن لا صلة بينها وبين دموع عباس، فلم تمكن بلا شك من صنف الدموع البريئة، فتلك دموع الأطفال، وهي ليست من «الدموع الجميلة»، فهذه مرتبطة بشؤون دموع الوفاء، وهي من أرقى الأنواع وأشرفها، وهي ليست كذلك في مناسبة مثل هذه، وهي ليست أيضًا من نوع «الدّموع القاسية» الناتجة عن ألم يقاسيه ذارفها، وهي بلا شك غير معنية بـ«الدّموع المعبّرة»، المسفوحة في محرقة النّدم، وهي أبعد بفراسخ وأميال وسديم عريض من «الدّموع العظيمة» فتلك دموع الانتصار، ودموع العظماء والأقوياء.. ولولا أن «الدموع الرقيقة» متصلة بالمرأة وصدق التعبير والرقة لقلنا إن بينها وبين دموعه «شبهة صلة».
هكذا إذن.. لا شبيه لدموع «عباس» في تلك اللحظة العجيبة، التي أدهشنا فيها، مقدما دموعا خاصة، فريدة، متفردة، سيكون سهلاً على «جينس» أن يفتح لها سجله لتدوينها دون منافس، ونقترح عليه أن يكون اسمها «الدموع المحموعباسية»، وتلك الدموع لصاحبها حالة زهو بسلطة تبحث عن دولة، وخريطة يبحث عن حدودها في يد سارقيه.. دمعة مبذولة من صاحبها لقاتل أطفاله، ومبيد شعبه، وسارق قوته وأرضه.
ألا ما أعجب هذه القضية الفلسطينية، التي بدأ حلمها كبيرا بكنس الاحتلال الصهيوني ورميه في البحر، وإعادة شذاذه إلى التيه الذي أتوا منه، وتدحرج الحلم مع اتساع وتعدد منابر التفاوض، فتقلص الحلم إلى حدود 1967م، ثم إلى الضفة والقطاع، ثم إلى فتح المعابر، وإيقاف الاستيطان، ثم البحث عن الاعتراف بـ«السلطة الفلسطينية»، وليس الدولة الفلسطينية، ثم فك الحصار عن بيت الرئيس فقط، والحلم في ضموره وتقلصه المستمر انتهى بنا اليوم إلى مشهد الذل والخنوع، وهنا لابد للمرء أن يسترجع ما حدث في قمة الخرطوم التي خرجت بأشهر «لاءات ثلاث»: لا صلح ولا اعتراف ولا تفاوض مع العدو الصهيوني قبل أن يعود الحق لأصحابه، بحضور الكبار يومها، وتخلفت سورية فقط، واليوم نحن هنا مع «عباس ووفده» يبكي على الهالك «بيريز»، فهل بقي لهذه «السلطة» المنقسمة من موضع في خريطة القضية العادلة، وقد تدحرج المتحدثون باسمها من حماس إلى عباس إلى هذا الدرك السحيق المهين، ليس على البكاء الذي شهدناه، بل إلى ازدراء «العدو» لك، وسحب يده من مصافحة يد «باعت» قضيتها، وعين خانت دمعتها!