أقلعت طائرة شركة يونايتد من مطار Newark بولاية نيوجيرسي متجهة إلى لوس أنجليس، كنت وأسرتي ضمن الركاب المسافرين على متن هذه الرحلة بهدف قضاء بعض الوقت في ولايتي كاليفورنيا ونيفادا في شهر أغسطس الماضي، كانت الطائرة مكتظة بالركاب الذين يربو عددهم عن 200 مسافر في رحلة تستغرق ست ساعات، استغرقت الإجراءات الأمنية بالمطار بعض الوقت بسبب تشدد الحكومة الأمريكية بعد أحداث 11 سبتمبر في إجراءات السلامة والأمان وتفتيش متعلقات الركاب في الرحلات الداخلية والخارجية على حد سواء.

تصادف وقت وجودي في الولايات المتحدة اشتداد الصراع في وسائل الإعلام بين النواب والإدارة الأمريكية حول مشروع جاستا، في السماء أخذت أتذكر الحدث المأساوي الذي ألم بالعالم كله قبل 15 عاما تقريبا؛ كانت شركة يونايتد ضحية خطف طائرتين في تلك الأحداث، مجموعة من الخاطفين تمكنوا من تجاوز الإجراءات الأمنية المشددة، وقامت كل مجموعة بخطف طائرة مدنية وتحويل مسارها وتوجيهها لأهداف محددة أقل ما توصف به بأنها أهداف صعبة يتعذر الوصول إليها، استجمعت في ذاكرتي الرواية الأمريكية لهذا الحدث والتي تمتلئ بالكثير من الثقوب -بل الفجوات- محاولا الوصول لحبكة منطقية لكيفية تنفيذ مؤامرة وعمل إرهابي بكل هذا القدر من الذكاء والاحترافية، إلا أنني لم أتمكن من ذلك، وتذكرت على الفور أن ما حدث وتم تصديره للعالم كله هو رواية أمريكية بحتة، نتجت عن تحقيقات قام بها مكتب التحقيقات الفيدرالي الأمريكي FBI وجهاز CIA، ولم تتدخل أي أجهزة تحقيق من أي دولة أخرى بالعالم في سبر أحداث الكارثة التي لا يزال يشوبها حتى الآن الكثير من الغموض باعتراف الأمريكيين أنفسهم.

تجولت ببصري في الطائرة المليئة بالركاب، منهم من هو ضئيل الحجم وآخرون ذوو بنية متينة، تساءلت: كيف تمكن اثنان أو ثلاثة من الخاطفين فحسب من السيطرة على طائرة كاملة بهذا العدد من الركاب، كيف تمكنوا من اقتحام قمرة القيادة بواسطة شفرات وسكاكين صغيرة؟ من المعلوم أن باب قمرة القيادة في أي طائرة محصن من أي اقتحام ولا يمكن فتحه عنوة إلا بقنبلة يدوية، ثم كيف تمكنوا من إجبار قائد الطائرة ومساعده على التخلي عن موقعيهما وأخذ مكانيهما، إنْ صدقتْ الرواية الأمريكية فيما ذكرتْ فهي تفتح الباب على مصراعيه لإدانة الأجهزة الأمنية الأمريكية ذاتها، فقدرة الخاطفين على ارتكاب هذا العمل الإرهابي هو دليل إدانة وتقصير من الأجهزة الأمنية بالمطار، ودليل على تخلي شركات الطيران عن أبسط مسؤولياتها المهنية في حماية الطائرة وركابها، ولا علاقة لما حدث بأي دولة أخرى ليس لها علاقة بالأحداث من قريب ولا من بعيد.

دعونا نسق «بعض» -بل القليل- من الأحداث لسجل الولايات المتحدة السياسي المخادع، أولا: في نهاية القرن 19 كانت الولايات المتحدة ترغب في شن الحرب على إسبانيا للاستيلاء على جزر الكاريبي، لكنها كانت تفتقر إلى ذريعة، وجاءت الذريعة بعد أن وقع انفجار ضخم بإحدى السفن الحربية الأمريكية «USS Maine» في ميناء هافانا، نتج عنه مقتل العشرات من الجنود الأمريكيين واتهام إسبانيا بتفجيرها، وبعدما يقارب ثمانية عقود اعترفت الولايات المتحدة بأن انفجار السفينة نتج عن انفجار محركها ولا علاقة للإسبان بهذا الانفجار. ثانياً: في حرب فيتنام كانت الصين والاتحاد السوفيتي تدعمان شمال فيتنام ضد الانفصاليين في الجنوب، وكانت الولايات المتحدة تدعم الثوار في الجنوب خوفاً من المد الشيوعي، دخلت الولايات المتحدة الحرب بحجة إغراق الفيتناميين الشماليين لسفينة أمريكية، وشنت حربا راح ضحيتها قرابة أربعة ملايين من الفيتناميين، ثم اتضح فيما بعد أن هذه السفينة ليس لها وجود من الأساس.

نعود إلى أحداث 11 سبتمبر، من المعلوم أنه في أي جريمة لا بد من توافر أدلة إثبات أو أدلة نفي أو كليهما، أما الأدلة الظرفية فهي أدلة يستشهد بها فقط ولكن لا يمكن لأي محكمة الاعتماد عليها في توجيه أي اتهام، وفي هجمات 11 سبتمبر تم توجيه الاتهام لمجموعة من المشتبه بهم ممن لقوا جميعا حتفهم وذابت أجسادهم في جحيم النيران طبقا لأدلة ظرفية، وهي وجود عدد من السعوديين على متن الرحلات الأربع التي انفجرت في هجمات سبتمبر، وقد ادعت الولايات المتحدة أن زعيم التنظيم الإرهابي «القاعدة» أسامة بن لادن هو المسؤول عن هذه الهجمات، والمعروف أن بن لادن هو صنيعة أمريكية في الأساس، وكان هو شاهد الإثبات الوحيد في هذه الأحداث، وقد ادعت الولايات المتحدة اختفاءه بعد الهجمات وقالت إنها تبذل جهودا خارقة للقبض عليه لمحاكمته، حبس العالم أنفاسه لسنوات طويلة في انتظار القبض على بن لادن من أجل محاكمة علنية له تشفي صدور الضحايا، وبعد سنوات من الانتظار أعلنت الولايات المتحدة القبض عليه وقتله وإلقاءه في البحر! (أذكر ذات مرة أني قرأت قصة مشابهة في إحدى روايات أجاثا كريستي!)، والسؤال الذي يطرح نفسه: لماذا قامت الولايات المتحدة بقتله؟ لماذا لم تقدمه لمحاكمة علنية؟ لماذا سعت لطمس شاهد الإثبات والدليل الوحيد في هذه الأحداث المؤسفة؟.

لقد قررت الولايات المتحدة أن تؤدي دور شرطي العالم بعدما قامت بدورها كقاضية العالم، والتي أصدرت حكمها باجتياح أفغانستان وبعدها باجتياح العراق، وفي كلتا الحربين قامت بقتل الملايين من الشعبين دون أدنى اعتبار لأي اعتبارات إقليمية أو محلية قد تخل بخريطة المنطقة بأكملها، منتقمة وباحثة عن ذيول الإرهاب دون أن تدرك -أو لعلها تدرك- أنها هي من قامت بصناعته، خاصة بعد تمزيق العراق وانتشار الجماعات الإرهابية فيه وأهمها داعش نتيجة لتدخلها السافر في المنطقة، وما زالت سلسلة الانتقام الناتجة عن أنانيتها المفرطة والاعتقاد بتميز مواطنيها عن بقية مواطني دول العالم مستمرة، فها هو قانون جاستا يرى النور فاتحا عصرا جديدا من الانفلات في العلاقات الدولية، معلنا شعار«أنا الخصم والحكم والحق على المقتول!».