أخبار السعودية | صحيفة عكاظ - author

https://cdnx.premiumread.com/?url=https://www.okaz.com.sa/okaz/uploads/authors/951.jpg?v=1765272577&w=220&q=100&f=webp

وفاء الرشيد

خرسٌ تربوي.. !

لسنا اليوم أمام تراجع في تعليم اللغة العربية، بل أمام قطيعة صامتة مع الوعي! ما يحدث في مدارسنا وبيوتنا ليس ضعفاً لغوياً عابراً، بل تفكيك بطيء لأداة التفكير الأولى، فالطفل العربي يدخل المدرسة بلا لغة واضحة، ويخرج منها بلا قدرة حقيقية على القراءة أو التعبير، وبين الدخول والخروج تُهدر سنوات عمره في مناهج لا تصنع لساناً ولا تبني عقلاً.. هذه ليست مصادفة تربوية، بل نتيجة مسار طويل من الاستخفاف باللغة بوصفها جوهر التعليم لا مادته.. فقد أُلغي امتحان اللغة العربية النهائي في الصف الثالث الثانوي لابنتي منذ شهر! فأحسست أنا الكاتبة بالفشل كأم..

الأرقام تكشف حجم المأزق! تفضلوا؛ تقرير البنك الدولي لعام 2022 عن التعليم في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا أشار إلى أن نحو 59٪ من الأطفال في سن العاشرة يعانون مما يُسمّى «فقر التعلّم»؛ أي عدم القدرة على قراءة نص بسيط وفهمه بلغتهم الأم. هذا المؤشر لا يعني ضعف مهارة مدرسية، بل عجزاً في امتلاك الحد الأدنى من أدوات التفكير. وفي تقارير تربوية منشورة في المغرب وعدة دول عربية تبيّن أن أكثر من 70٪ من تلاميذ المرحلة الابتدائية لا يتقنون القراءة السليمة بالعربية، رغم سنوات الدراسة النظامية!

الفيلسوف لودفيغ فيتغنشتاين قال: «حدود لغتي هي حدود عالمي». علم النفس اللغوي يذهب أبعد من ذلك، إذ يربط بين ضعف اللغة الأم واضطراب التفكير المجرد، وصعوبة تنظيم المشاعر، وهشاشة الهوية.

الطفل الذي لا يملك لغة لا يملك فكرة، ولا يملك موقفاً، بل يكتفي بردود سريعة ومفردات مستعارة. لهذا نرى جيلاً يتحدث كثيراً ويفكّر قليلاً، يستهلك المعنى ولا ينتجه.

المدرسة أخطأت حين حوّلت العربية إلى مادة حفظ جامدة، والبيت أخطأ حين سلّم التربية اللغوية للشاشات والمربيات، والإعلام أخطأ حين قدّم الفصحى كلغة خشب لا لغة حياة.

ابن خلدون حسم المسألة مبكراً حين قال: «غلبة اللغة بغلبة أهلها»، ونحن تخلّينا عن الغلبة قبل أن نخسر اللغة.

ما نفقده اليوم ليس قواعد لغة ولا مهارات مدرسية، بل نفقد الإنسان القادر على الفهم والمساءلة والاختيار. اللغة ليست ترفاً ثقافياً ولا مادة امتحان، بل هي العمود الفقري للعقل. حين تُهمَّش العربية، يُنتَج جيلٌ بلا أدوات تفكير، بلا قدرة على الاحتجاج، بلا لغة يدافع بها عن نفسه أو وطنه أو مستقبله.

وهذه أخطر خسارة يمكن أن تتعرّض لها أمة؛ لأن من يُربّى بلا لغة، يُقاد بلا مقاومة.

00:00 | 28-12-2025

حتى لا تخسر الثقافة..!

يرحل بعض الكتّاب بصمتٍ لا لأنهم قلّة قيمة، بل لأن المشهد اعتاد أن يصفّق لمن يرفع صوته لا لمن يرفع المعنى...

في زمنٍ بات فيه النجاح يُقاس بعدد المتابعين لا بعمق الأثر، يتحوّل الكاتب الجاد إلى كائنٍ مُحبط، يقف على الهامش، يشاهد السطحيين يُصدَّرون بوصفهم «نجوم المرحلة»، بينما تُدفع التجارب الأصيلة إلى الظلّ.

هذا التهميش لا يصنعه الجهل وحده، بل غشومة إعلام يبحث عن السهل، ونخب اختارت الأمان بدل الموقف، وشلل تشخصن المواقف لتنتقم… فحين يُعقد مؤتمر للفلسفة ولا يُدعى كاتب مثل الكاتب سعد البازعي، اتفقنا او اختلفنا معه، تعرف أن هناك خللاً، بل تُستدعى الشِّلل، نفهم أن الإقصاء لم يعد خللاً عابراً بل سياسة!

وحين يُقام مؤتمر للاستثمار الثقافي بلغةٍ مستعارة، وكأن الثقافة لا تفكّر إلا بالإنجليزية، يصبح من المنطقي أن نغسل أيدينا من الادّعاء، لا من الثقافة نفسها!

وحين تقام بعض المؤتمرات الإعلامية ويتصدر المشهد الفاشينستات ومشاهير التيك توك والكتاكيت تغسل يدك مره أخرى…

ما هو الإعلام بلا كتاب رأي؟ قل لي؟ أو هم فئه نتحاشاهم؟

هكذا يُوصم الكاتب الجاد بالثقل، ويُقال عنه إنه غير مناسب وأنا أولهم، فيما تُكافأ القشور لأنها لا تُقلق أحداً، ولا تطرح سؤالاً، ولا تُربك وعياً... أتذكر سألني أحدهم في يوم من الأيام أين أنتِ من مجلس الشورى؟ فردت واحدة من كبار المجلس كانت صديقة لي حتى ذاك اليوم وبكل وقاحة ولكن وقاحة واثقة «لا ما تنفع هذي لسانها طويل»! لماذا؟ لأني أُربك وبلا أجندة…

الإحباط هنا ليس حالة نفسية فردية، بل نتيجة بنية تُقصي الجهد لصالح الاستعراض، وتستبدل النقد بالمجاملات، فتُفقد الكاتب والمثقف الإحساس بعدالة اللعبة قبل أن تفقد المشهد توازنه.

رحيل أحمد أبو دهمان مثال فادح على هذا الخلل… كاتبٌ اشتغل بصمت، كتب عملاً واحداً صادقاً ترك أثراً يتجاوز ضجيج كثرة الإنتاج، وفهمه العالم قبل أن نلتفت إليه كما يليق.. لم يكن استثناءً بقدر ما كان مرآة: كيف نخسر كتّابنا بهدوء، ثم نرثيهم بعد فوات الأوان.

المجتمعات التي تُصدّر السطحية تُدرّب ذائقتها على الرداءة، وتقطع صلتها بالتراكم المعرفي.. وحين يغيب الكاتب الحقيقي، لا يملأ الفراغ نجمٌ عابر، بل يتسع الفراغ حتى يصبح قاعدة.

الكتابة ليست مهنة ضجيج، بل فعل مقاومة هادئ..

والسؤال ليس لماذا صمت الكتّاب، بل: إلى متى سنسمح للسطحية أن تتحدث باسم الثقافة.. وتخسر الثقافة.

23:36 | 20-12-2025

حين يصبح الإفلات نضجاً..!

كبرتُ بما يكفي لأفهم حقيقة موجعة: ليس كل يدٍ أمسكتنا كانت تنوي إنقاذنا، وبعض الأيدي لا تشدّك إلى الأمام بل تُبقيك حيث هي.

النضج لا يُقاس بعدد السنوات، بل بعدد الأوهام التي سقطت دون أن تسقط معها إنسانيتك.

الفيلسوف نيتشه كان قاسياً وصادقاً حين قال: «بعض الناس يأتون إلى حياتك ليختبروا قوتك، لا ليمنحوك الأمان». وهذه الجملة وحدها تكفي لتفسير لماذا يصبح الفكاك أحياناً فعل شجاعة لا خيانة.. نحن لا نترك الأشخاص لأننا قُساة، بل لأن البقاء مع من لا يشدّ على يدك استنزاف بطيء للروح.

في الأدب، لم تكن فكرة الانفصال يوماً ضعفاً! كافكا، في رسائله، كان يرى العلاقات التي تُقيّد الوعي خطراً وجودياً.. كان يخشى أن يتحول الإنسان إلى «نسخة قابلة للعيش» فقط لإرضاء الآخر! والعيش بنصف روح، في نظر كافكا، شكل آخر من أشكال الموت المؤجل.

أما ألبير كامو، فقد قدّم لنا مفهوم «التمرد الهادئ»؛ أن تقول لا، دون صراخ، ودون تبرير مطوّل.

أن تفلت يداً لأنك قررت أن تحترم عبثية العالم دون أن تضيف إليها عبثاً شخصياً. فالتمرد الحقيقي، عند كامو، هو أن تختار نفسك دون أن تتحول إلى جلاد للآخرين.

وفي الشرق، كتب أبو حيّان التوحيدي عن الصداقة بوصفها امتحاناً للعقل لا للعاطفة فقط. كان يرى أن من لا يقوى على شدّك وقت الحاجة، لا يستحق أن يُحمل في الذاكرة طويلاً. الحكمة القديمة كانت أكثر صرامة مما نتصور، لكنها أقل نفاقاً من مجاملات عصرنا.

نحن نعيش اليوم في زمن يقدّس «التمسّك» حتى لو كان مؤذياً، ويشيطن «الترك» حتى لو كان ضرورة نفسية، لكن الحقيقة غير الشعبية هي هذه: بعض العلاقات لا تُنقَذ، لأنها لم تُبنَ أصلاً على الندية، بل على الحاجة، أو الخوف، أو الوهم.

كبرتُ بما يكفي لأدرك أن اليد التي لا تشدّ عليك في لحظة ضعفك، ستثقل عليك في لحظة قوتك. وأن الإفلات ليس انسحاباً، بل إعادة تموضع.. ليس هروباً، بل اصطفاف أخلاقي مع الذات.

هذا النضج لا يجعلنا أقل رحمة، بل أكثر دقة. لا نكره، ولا نشتم، ولا نُصفّي الحسابات.. فقط نُغلق الباب بهدوء، كما يفعل الحكماء، ونمضي.

وكما كتب هرمان هِسّه: «بعض الرحلات لا تكتمل إلا حين تمشي وحدك».

وهذا، في جوهره، ليس فقداً، بل بداية متأخرة للشجاعة.

00:01 | 14-12-2025

يا وزير التعليم.. ADHD

هناك فئة في مدارسنا تُظلَم كل يوم، لا لأنها ضعيفة، بل لأن النظام لا يفهمها؟ فئة اضطراب فرط الحركة وتشتّت الانتباه ADHD التي يتعامل معها بعض العاملين في الميدان على أنها «فوضى»، بينما الطبّ العصبي يقول بوضوح:

دماغ طفل الـADHD يعمل بنمط مختلف.. لا أقل ولا أكثر.

الأرقام في السعودية صريحة وصادمة، فالدراسات السلوكية تقدّر أن 8% – 11% من طلاب المملكة يعانون من هذا الاضطراب؛ أي ما يقارب نصف مليون طالب! نصف مليون عقلٍ يُحاسَب بمعايير لا تخصّه.. تُعاق حركة أجسادهم بدل أن تُحتوى، ويُسجَّل اندفاعهم كخطأ سلوكي بدل أن يُفهم كاختلاف عصبي.

ورغم كل ذلك، ما زالت الوزارة تحشرهم في زاوية «الاحتياجات الخاصة»، وكأنهم عاجزون وهم ليسوا ذوي إعاقة، بل ذوو نمط عصبي مختلف يحتاج إلى تقويم مستقل، ومعلمين يفهمون أن الحركة ليست تمرداً، وأن الشرود ليس قلة احترام، وأن التململ ليس سوء تربية.

العالم تجاوز هذه النظرة منذ سنوات.. فالتربية الحديثة تعتمد على Executive Function Profile، حيث يُقوَّم الطالب بحسب قدرته على التنظيم الذهني، والذاكرة العاملة، والتحكم التنفيذي.. لا وفق قدرته على الجلوس ثابتاً 45 دقيقة.. بينما في مدارسنا.. لا يزال الطالب يُصنَّف «سيئ سلوك» إذا تحرك قليلاً، و«ضعيف تحصيل» إذا احتاج وقتاً أطول.

والنتيجة؟

نرفع الإحباط، نضاعف القلق، وندفع 30% من هذه الفئة إلى كراهية المدرسة قبل الصف الرابع، وفق بيانات العيادات النفسية المحلية.

والأخطر أن تجاهل ADHD يصنع كرة ثلج خطيرة من سلوكيات مرتبكة في الابتدائي، لتراجع دراسي في المتوسط، ثم ارتفاع احتمالات التسرّب بنسبة 22% في الثانوية.. هذا نزيف وطني.. لا مشكلة فردية!

لكن المفارقة العالمية مدهشة، فمن عباقرة وادي السيليكون إلى كبار القادة وروّاد الأعمال.. هذه الفئة تركت بصمة استثنائية في التاريخ.

سادتي، إن دراسات جامعة هارفارد تشير إلى أن أصحاب ADHD يملكون قدرات ابتكارية أعلى بـ60% من المتوسط العام، وأن 34% من روّاد الأعمال الناجحين عالمياً ينتمون إلى هذه الفئة..

وإيلون ماسك، مايكل فيلبس، سيمون بايلز، وريتشارد برانسون.. كلّهم نماذج حيّة لعقولٍ تحوّلت من «فرط حركة» إلى «فرط إنجاز».

وفي المقابل، حين يُهمل هؤلاء، تتضاعف مخاطر الإدمان بنسبة 3 أضعاف، وتزداد احتمالات الاكتئاب بنسبة 50% في سن المراهقة.

الفرق بين عبقري ورائد أعمال.. ومدمن يضيع في الهامش، هو كيف تعاملت المدرسة مع دماغه في السنوات الأولى.

يا وزير التعليم..

المدرسة التي لا تفهم عقل الطفل المختلف، لن تفهم 11% من أطفال الوطن.. وملف ADHD ليس شأناً تربوياً ثانوياً؛ بل واجب وطني يُقاس به ضمير التعليم.. لا أوراقه.

00:04 | 7-12-2025

العقول النادرة والعقول المستوردة..!

في زمن الانفتاح الاقتصادي والتنافسية العالمية، بات من الضروري إعادة النظر في فرضية راسخة: أن المواهب الأجنبية هي «عقول نادرة» تستحق رواتب استثنائية!

هذه العبارة التي اعتُمدت لسنوات؛ لتبرير مستويات أجور فلكية لموظفين وافدين في مؤسسات عربية، لم تعد تصمد أمام حقائق الأداء ولا أمام تحوّلات سوق العمل اليوم.

فلطالما أقنعت الشركات نفسها بأن «استيراد الخبرات والمستشارين» هو الطريق السريع للتطوير، ففتحت أبوابها لتوظيف أجانب برواتب ومزايا تفوق أحياناً بأضعاف ما يحصل عليه موظف محلي أكثر كفاءة.. غير أن السؤال الذي لا يُطرح بجدية هو: هل فعلاً كل من يُجلب من الخارج يُعتبر موهبة وموهبة نادرة؟ أم أن الخطاب عن التميّز والعقول النادرة قد أصبح ستاراً لسياسات توظيف غير عادلة؟

في كثير من الحالات، لا يستند منح الرواتب الخيالية إلى معايير واضحة للأداء أو الإنتاجية.. بل هو موروث إداري قديم نشأ في زمن ضعف الكفاءات المحلية بذهنية ترسّخت أن العيون الزرقاء موهبة، لكن الواقع تغيّر: اليوم خرجت من جامعاتنا أجيال تحمل أعلى الشهادات، وتدير أصعب المشاريع، وتتنافس عالمياً، دون أن ينال ذلك ما يكفي من إعادة التقييم داخل مؤسساتنا.

بات من الضروري إذن وضع آلية تقييم موحّدة لأداء كل موظف، محلياً كان أم وافداً.. فالقضية ليست في جنسية الموظف، بل في القيمة التي يضيفها!

من يحصل على راتب مرتفع يجب أن يقدم نتائج ملموسة، لا مجرد سيرة ذاتية منمّقة أو لقب وظيفي مثير ببدله.

إن استمرار الفجوة في الرواتب دون مبرر يؤدي إلى خلق بيئة طبقية داخل المؤسسات، تهز الانتماء، وتضعف روح الفريق.

فالإشكال أعمق من مجرد رواتب، بل هو سؤال الهوية والعدالة في بيئات العمل! فإذا كانت المواهب الأجنبية ضرورة في بعض القطاعات التخصصية، فإن وجودها يجب أن يخضع لمعادلة واضحة: قيمة مضافة حقيقية مقابل تكلفة عادلة.. لا أن نعطي مزايا مفرطة بلا مساءلة، ولا حصانة وظيفية تحت لافتة «العقل المستورد».

إن إعادة هيكلة رواتب المواهب الأجنبية ليست دعوة للانغلاق، بل خطوة نحو ترسيخ الشفافية والعدالة، وإتاحة الفرصة لمن يستحق.. فإذا أردنا بناء اقتصاد منافس عالمياً، فعلينا التخلّي عن القناعة القديمة التي تضع الأجنبي دائماً في خانة الأفضلية، فالمواهب موجودة هنا أيضاً، ومن حقها أن تُرى، وأن تُقدَّر.

00:10 | 2-12-2025

نهاية دبلوماسية العاطفة.. !

ربما يكون الخليج اليوم أمام لحظةٍ فارقةٍ في مسار وعيه الجمعي، لحظة انتقال هادئة ولكنها عميقة، من ثقافة «الواجب» التي تأسست على العاطفة، إلى منطق «المصلحة المشتركة» التي تُبنى على الوعي بالذات والسيادة والمسؤولية.

نحن نغادر ببطء مرحلة الإنفاق العاطفي والرمزي على الآخرين إلى مرحلةٍ أكثر عقلانية، حيث تُقاس العلاقات بميزان الاحترام المتبادل لا بكرم المانح أو خضوع المحتاج.

التحولات الكبرى لا تُعلن نفسها بالبيانات، بل بالقرارات... والخليج اليوم يتعلّم أن يقول «لا» بوعي، لا بخصومة، وأن يضع حداً لاستنزاف العاطفة القومية التي تحولت، في بعض الأحيان، إلى وسيلة ضغطٍ سياسي أو ابتزازٍ أخلاقي باستحقاق جنوني...

الخطاب الذي كان يوماً يُجمّعنا تحت راية «الأمة المتخيلة» لم يعد صالحاً لعصر الدول الحديثة... فتلك الأمة التي بُنيت على الحنين والأسطورة أكثر مما بُنيت على المصالح والتنمية، آن لها أن تتوارى أمام واقع الدولة الواعية، الدولة التي تفكر بمواطنيها أولاً وبمنطق القوة الهادئة لا الانفعال العاطفي.

يتجلّى هذا التحول في موقف دول الخليج من إعادة إعمار غزة، إذ لم تعد السعودية مستعدة لكتابة شيكاتٍ على بياض بعد عقودٍ من الفساد وسوء استخدام المساعدات، فيما ترفض الإمارات أي دورٍ لحماس، وتطالب قطر بضمانات حقيقية لتنفيذ إسرائيل التزاماتها قبل التمويل، بينما تنظر مصر إلى الإعمار كفرصةٍ اقتصاديةٍ لشركاتها...

مشهد يعكس تحولاً جذرياً من منطق «التضامن العاطفي» إلى «الواقعية السياسية».

لقد دفع الخليج ثمناً باهظاً حين خلط بين التضامن والمغامرة، وبين الدعم والإدمان على دور المنقذ! واليوم، يعي أن السيادة لا تُقاس بحجم المنح بل بقدرة القرار على حماية المصالح الوطنية دون ضجيج. القوة الحقيقية ليست في كثرة المساعدات، بل في قول «كفى» بثقة وهدوء.

إننا أمام لحظة نضج سياسي، تضع العاطفة في موقعها الطبيعي: تابعاً لا قائداً، وتعيد التوازن بين الكرم والحكمة، بين الهوية والانفتاح، بين الدور الإقليمي والحق الوطني. ليست أنانية، بل وعي جديد يقول بوضوح: لسنا أوصياء على أحد، ولسنا أدوات في يد أحد، نحن شركاء متكافئون في عالمٍ يتغير...

00:02 | 9-11-2025

هل أصبح الموت في السودان أرخص من الخبر العابر؟

بين صرخات أطفال الفاشر وأنين أمهات غزة، يقف العالم بميزانٍ أعور لا يرى إلا ما يريد أن يرى.

في فلسطين، اشتعلت المظاهرات في العواصم، نُكّست الأعلام، وانهمرت المليارات من المساعدات؛ أكثر من 40 مليار دولار منذ التسعينيات، إضافةً إلى دعمٍ سياسي ودبلوماسي وإعلامي لا يهدأ. أما السودان، فلا مسيرات، ولا بيانات عاجلة، ولا حتى قمة يتيمة تبحث الكارثة...

يموت الناس بصمت، وتُباد مدن بكاملها في حربٍ تجاوزت العام ونصف العام، خلّفت 14 مليون نازح ودفعت 21 مليون إنسان نحو الجوع، في حين لم يُموّل المجتمع الدولي سوى ربع الخطة الإنسانية المطلوبة لإنقاذهم!

هذه ليست مجرد أزمة منسية، بل تجلٍ فاضح لـ«العنصرية البنيوية» في النظام الدولي... فالعالم الذي يهبّ غاضبًا حين تكون الضحية بيضاء الملامح، يكتفي بالتغريد حين يكون لونها أسود. مجلس الأمن عاجز، والإعلام الغربي صامت، والعرب – في معظمهم – يتفرجون.

تُظهر الأرقام أن السودان يعيش اليوم أكبر نزوح داخلي في العالم، وأن الفاشر تحولت إلى مقبرة مفتوحة بعدما حوصرت وقُطعت عنها المساعدات... حتى برنامج الغذاء العالمي اضطر لتقليص حصصه بسبب فجوة تمويلية بلغت 700 مليون دولار، فيما يُتداول عن تدفق أسلحة إلى قوات الدعم السريع عبر دولٍ إقليمية، تحت صمتٍ دولي مريب، بحجة «عدم الاختصاص».

المسألة لم تعد حربًا داخلية فقط، بل انهيارًا أخلاقيًا عالميًا.. فالعالم الذي يرفع شعار الإنسانية كشف عن وجهه الحقيقي: إنسانيةٌ انتقائيةٌ تُقاس بلون الجلد وموقع الجغرافيا.

السودان يُذبح مرتين؛ مرةً بالسلاح، ومرةً بالصمت!

وإذا لم يتحرك الضمير العربي والإسلامي اليوم، فلن يبقى غدًا منبر يُبكى عليه...

فالفاشر تُباد، والعالم منشغل بحسابات السياسة، وكأن الدم الأفريقي لا يستحق حتى بيانًا!

ويبقى السؤال المعلّق كطعنة في وجه البشرية:

هل لأن السودان أسود، صار الموت فيه أرخص من الخبر العابر.

00:30 | 2-11-2025

ثابت الوهم علماً والعلم استثناء.. !

في زمنٍ بات فيه الظهور أهم من الجوهر، تولد كل يوم شخصيات وهمية ترتدي معاطف العلم، وتتكلم بثقة مصطنعة، وتقدّم نفسها وبشهادات دكتوراه وهمية كمنقذة للبشرية من القلق والرهاب والاكتئاب، رغم أنها لا تملك سوى شهادة بكالوريوس في الاقتصاد أو التسويق، بشهادات مزيفة بتغيير بسيط في حروف أسماء الجامعات لمن يدقق!

فجأة تصبح «متخصصة في الدماغ والطاقة والفيزياء»، والهندسة المالية؟

هذا التخصص غير الموجود بأي جامعة بالعالم!! وفوقها تفتح «عيادة علاجية» في دولة مجاورة، تستقبل مرضى التوحد والاكتئاب، وتبيع لهم الوهم في علبة أمل، بجهازٍ لا يداوي ولا يشفي، لكنه يدرّ المال والنجاح الزائف ببركات تأثير بلاسيبو.. هذه الشخصيات تستغل الضعف الإنساني ببراعة! تبدأ الجلسة بعبارات مثل: «عندك بلاوي في مخك»، ثم تسكت دقيقة لتصنع وهماً بالهيبة والعمق! المريض المصدوم يتجمد، وهي تواصل استعراضها بحديثٍ عن الذبذبات والعمر العقلي والطاقة السلبية وتشبكه بأسلاك كهربائية! وكأنها اكتشفت نظرية جديدة في علم الأعصاب! لا شهادات طبية، ولا ترخيص طبي، ولا حتى ورقة بحث واحدة محكمة! مجرد مجموعة أوراق مكررة في مواقع غير معترف بها، لكنها تُقدَّم للناس وكأنها إنجازات علمية عظيمة.

ورغم هذا الوهم، تنجح هذه الشخصيات في جذب الإعلاميين والمشاهير الذين يزورون «العيادة» وينشرون الصور معها، فيتحول الزيف إلى حقيقة اجتماعية مدعومة بالبريق الإعلامي، فهم بارعون ببناء العلاقات وإبهار عقولنا العربية بالشهادات الرنانة حتى لو كانت مزيفة... الشهادات التي تبهر لتتسع دائرة التصفيق، وتخبو الأسئلة، وفي الخلفية جيش إلكتروني يهاجم من يشكك في مصداقيتها ويدافع عنها كأنها وليّة من أولياء «العلم الحديث».

المؤلم في المشهد أن الكفاءات الحقيقية، الباحثين والأطباء السعوديين الذين تعبوا ودرسوا في أعرق الجامعات، يقفون أمام هذا العبث محبطين، يشاهدون الجهل يتنكر بعباءة العلم بينما هم يُستبعدون من المشهد لأنهم لا يجيدون الترويج لأنفسهم أو لا يملكون جمهوراً يصفق لهم! يُهمَّش صوت العالِم الحقيقي، ويُضخَّم صوت من يبيع الأمل المعلّب، حتى صار بعض شبابنا يثق بالمؤثر أكثر من الطبيب، وبالمحتوى الترويجي أكثر من البحث العلمي.

لقد آن الأوان أن نقف كمجتمع عربي واعٍ أمام هذا الانحدار.. فلا يليق ببلد يقود العالم في مشاريع الابتكار والذكاء الاصطناعي أن يُخدع بأكاذيب «الطاقة الكونية» و«العلاج بلا دواء»... ولن نخدع.. فلدينا عقول سعودية تشعّ علماً في كل مجال، ويجب أن نرفعها لا أن نحبطها بمشاهير الزيف وCon Artists.

الأوطان لا تُبنى بالتصفيق للوهم، بل بتقدير من يحمل الحقيقة مهما كانت صعبة، لأن الوطن الذي لا يحمي علمه من الدخلاء، سيستيقظ يوماً ليجد أن عقوله النابغة صمتت أو هاجرت... وتركَت الساحة لمن يبيع «اللاشيء» بثمنٍ باهظ..

00:03 | 26-10-2025

المنتخب ليس ناديك..!

ما يحدث اليوم في ساحتنا الرياضية لم يعد مجرد جدل بين جماهير أو اختلاف في الآراء، بل تحول إلى حالة احتقان خطيرة تمزق المشهد الرياضي وتشوّه روح المنافسة. الإعلام الرياضي، الذي يُفترض أن يكون أداة توعية وبناء، أصبح في بعض برامجه وقنواته وقوداً لهذا الانقسام، يغذي التعصب ويزرع الشك في كل نجاح وطني.
نعم، نحن أمام ظاهرة غير مسبوقة؛ منتخبات العالم تتوحد جماهيرها خلف علم واحد، بينما يتعرض منتخبنا أحياناً للتشكيك والتجييش فقط لأن بعض لاعبيه لا ينتمون لأندية معينة... هذا الانحراف في الولاء تجاوز حدود المنطق والمعقول، حتى بات بيننا من لا يريد للمنتخب أن يتأهل لمجرد خصومة نادٍ!
أي عبث هذا الذي يجعل الانتماء للأندية أقوى من الانتماء للوطن؟
تشير تقارير المرصد الإعلامي الرياضي إلى أن أكثر من 60٪ من الشكاوى خلال عام 2024 تعود إلى تجاوزات في البرامج الرياضية، منها إساءات وتحريض على الكراهية بين الجماهير. كما رصدت الهيئة العامة للإعلام المرئي والمسموع أكثر من 120 مخالفة إعلامية في العام نفسه، معظمها تتعلق بخطاب متعصب ضد لاعبين أو مدربين أو إدارات الأندية... هذا الانحدار لا يمكن فصله عن إخفاقات المنتخب المتكررة، لأن البيئة التي تسمح بتخوين لاعب وشيطنة آخر، هي نفسها التي تضعف روح الفريق وتكسر ثقة الجماهير.
نحن اليوم نحتاج إلى وقفة جادة، فصمت المسؤولين والإعلاميين الواعين عن هذا المشهد يزيد الفجوة ويعمّق الشرخ... فلا أحد يطلب كتم الحماس أو تكميم الآراء، بل إعادة تعريف الانتماء: أن تشجع ناديك بكل قوة، لكن حين يرتدي اللاعب شعار المنتخب، فهو يمثلنا جميعاً.
الكرة السعودية اليوم في أوج مجدها استثمارياً وتنظيمياً، لكن هذا الوهج لا يكتمل إلا بإعلام ناضج وجماهير تعي أن المنافسة تنتهي عند صافرة الحكم، وأن المنتخب فوق الجميع. الإصلاح يبدأ بالكلمة، فكما أسقط الإعلام الثقة يمكنه أن يعيدها — متى ما استعاد وعيه بأن الوطن ليس نادياً، والمنتخب ليس طرفاً في معركة تعصب، بل رمزٌ لوحدة لا تحتمل الانقسام.
00:21 | 19-10-2025

سوق العمل الجديد.. يكرّم الراحلين أكثر من المخلصين

«مبروك الاستقالة».. عبارة باتت تُكتب على الكعك وتُرفق بالهدايا كما لو كانت وساماً للانتصار، لا قراراً بالانسحاب.. مشهد يبدو في ظاهره احتفالاً بالحرية، لكنه في عمقه يكشف خللاً متجذراً في ثقافة العمل والانتماء لدى جيلٍ يتعامل مع الوظيفة كعبورٍ مؤقت لا كمسارٍ طويل.

جيل اليوم يحتفي بالاستقالة وكأنها إنجازٌ شخصي، بينما هي في كثير من الحالات هروب أنيق من الالتزام والمثابرة.

في الماضي، كانت الاستقالة قراراً استثنائياً يأتي بعد أعوام من الكفاح، أما اليوم فقد أصبحت ردّ فعل فورياً على الملل، أو على عرض راتب أعلى ببضعة آلاف.

إن طموح الشباب مشروع، لكن الطموح الذي لا يعرف الصبر يتحول إلى نزق مهني، وإلى حياة مهنية بلا جذور.

ما نراه اليوم هو سوق عمل متخم بالعروض، لكنه فقير بالولاء، يتنقل الموظفون بين الشركات كما يُبدّلون هواتفهم، ويحسبون التغيير وحده دليلاً على النجاح.. ومع الوقت، تضيع الهوية المهنية وتبهت قيم الإخلاص، وتتحول الخبرة إلى تواريخ متفرقة في السيرة الذاتية لا يجمعها خطٌّ واضح أو قصة إنجاز حقيقية.

المؤسسات بدورها تتحمّل جزءاً من المسؤولية، فهي من غذّت هذا السلوك حين بالغت في المنافسة لجذب الكفاءات بالمزايا «الفلكية» بدل الاستثمار في بيئات عملٍ إنسانية ومستدامة.. وهكذا تشكّل لدينا سوقٌ يكرّم الراحلين أكثر مما يكرّم المخلصين، سوقٌ يُكافئ الانتقال لا الاستقرار، ويحتفي بالرحيل أكثر من الولاء.

نعم، رؤية 2030 فتحت الأبواب وخلقت فرصاً غير مسبوقة، لكن هذا يتطلب جيلاً يتقن الثبات! فالنجاح الحقيقي لا يُقاس بعدد العروض التي نتلقاها، بل بقدرتنا على أن نزرع أثراً حيث نقف.. فالأوطان لا تُبنى بالأيدي التي تلوّح مودعة، بل بالأيدي التي تبقى وتُنجز وتُؤمن أن الولاء المهني ليس ضعفاً.. بل شرفٌ يستحق التقدير.
00:01 | 12-10-2025