أخبار السعودية | صحيفة عكاظ - author

https://www.okaz.com.sa/okaz/uploads/global_files/author-no-image.jpg?v=1

عبدالرحمن الدرعان

تطوير التعليم الأهلي أولاً

لم تتح لي فرصة أن أتابع بشكل دقيق موضوع الحوار الوطني الذي انعقد مؤخراً في منطقة الجوف: التعليم، الواقع وسبل التطوير، ولكنني من خلال قراءة سريعة للتوصيات أجزم بأن هذا الحشد من المثقفين والكتاب والتربويين لم يغادروا شيئاً من هواجسنا إلا وتناولوه بشكل يليق بأحلامنا الكبيرة. وعلينا إذن أن ننتظر ما تؤول إليه هذه التوصيات التي لا نشك بأنها ستؤخذ بعين الاعتبار. لكن بالنظر إلى المعوقات البيروقراطية التي سوف تستهلك وقتاً طويلاً بالإضافة إلى ما نقرأه من دعوات مناهضة لفكرة التطوير من أساسها من قبل بعض الفئات التي لن تتوانى -إذا هي تسامحت اليوم في قبول فكرة التطوير مثلاً- عن تجديد رفضها والدخول في موجات صراع دائم في سبيل التطوير على اعتبار أنه حلم وتحقق.
إن فكرة التطوير لا تعبّر عن مرحلة وحسب بل يتطلب أن تتزامن بشكل مستمر مع التعليم بصفته مُتحولاً بحسب إيقاع التحولات الاجتماعية والحضارية والاقتصادية المرتبطة بما يحدث في العالم ككل. ولهذا فإنني أخشى أن نصل متأخرين بخطوة ونجد أنفسنا دائماً في الخانة التي أخلاها العالم.
أبدأ بهذه المقدمة لكي أطرح سؤالاً يتبادر إلى ذهني: ترى ما الفرق بين التعليم الحكومي والتعليم الأهلي؟
من يرصد سياسة الوزارة كجهة تشرف على التعليم الأهلي سوف يُفاجأ بأنها تضعها في مساحة ضيقة جداً، وبالتالي فهي نسخة من المدارس الحكومية تتقاضى أجراً نظير ما تقدمه للتلميذ وحسب. هذا إذا افترضنا أنها مدارس نموذجية من حيث توفير البيئة الجيدة للتعليم رغم أن بعض المستثمرين في هذا القطاع ليسوا أكثر من تجار حوّلوا هذه المدارس إلى دكاكين تستقبل الفائض من التلاميذ الذين لم يجدوا مقعداً في المدارس الحكومية. أما المستثمرون الجادون الذين يطمحون في تقديم تعليم نوعي مُتميز فهؤلاء يجدون أنهم بإزاء جدار من الشروط والعقبات المركبة التي لا سبيل إلى الفكاك منها.
إنني أعتقد أن أول خطوة جريئة وصادقة تضع وزارة التربية والتعليم أمام الامتحان هي أن تباشر في رفع سقف الشروط المفروضة على التعليم الأهلي، التي تكبله في محاكاة التعليم الحكومي تقريباً بشكل حرفي، وتمنحه مرونة بحيث يصبح في مقدور المستثمر في هذا القطاع صياغة فلسفة خاصة لمشروعاته التعليمية وفق إطار واسع متفق عليه كخطوة غير محسوبة عليها بشكل مباشر، حتى من قبل أشد المناهضين لتحديث التعليم وتطويره نظراً لكون هذا التعليم خياراً متاحاً وليس مفروضاً، وفي هذه الحالة سوف تخف حدة الأصوات التي تطالب بتغيير عاجل ينقذ التعليم المتردي من وجهة نظره. كما أنها سوف تطمئن الأصوات التي تتوجس شراً من تبعات مفهوم التطوير الذي لم تستوعبه بعد.
كما أن خطوة كهذه سوف تتيح فرصة لتوفير أنماط مختلفة من التعليم تضع المستثمرين في حالة تنافسية نوعية وتزيد من ثراء المخرجات التعليمية وتساهم بشكل مباشر في صقل الوعي وترويض الذهنية على ثقافة العمل وفقاً لمعادلات السوق وليس تبعاً للتقاليد التي ماتزال تحتقر بعض المهن، ولاسيما اليدوية منها التي يتهافت من أجلها ملايين البشر من وراء البحار.
ولاشك أن البدء في مشروع طموح وجريء في الوقت نفسه كهذا المشروع سوف يعمل تلقائياً على تطوير التعليم الجامعي ويساهم في طرد التخصصات التي لم تقدم منذ سنوات إلا أعداداً من المتخرجين الموعودين بالبطالة وحسب. أليس كذلك؟!
abdsmile@hotmail.com
19:23 | 17-12-2006

الأيام الثقافية: حصة من فرح لم يكتمل

من المفارقات الجميلة التي تجلت في مناسبة الأيام السعودية الثقافية في مصر فرصة التقاء المثقفين والكتاب والإعلاميين السعوديين بعضهم ببعض فقد كان التواصل بينهم أحيانا حلما بخيلا يأبى أن يتحقق أو ضربا من الأمنيات حتى أكلت العزلة القاسية من أعمارهم سنين طويلة وأن يتحقق بمناسبة (حتى لا أقول بمعجزة ما) كهذه المناسبة وأن يكون لقاء المثقفين القادمين من جهات الوطن المختلفة في القاهرة والإسكندرية والفيوم والبحيرة والإسماعيلية فتلك حقا مفارقة تضاعف الدهشة المصاحبة للشعور ببهجة المشاركة في هذه التظاهرة الثقافية التي حولت المناسبة إلى مناسبتين غير أن ما كان يعكر نقاء هذا الفرح أن البرنامج المعد من قبل وزارة الثقافة والإعلام جاء على شكل موجات متقطعة حيث كان المشاركون يأتون تباعا و لم يتزامن لقاؤهم في الفترة نفسها كحشد في دفعة واحدة يمثل التظاهرة بشكل يليق بطموح الوزارة وتطلعاتها الجديدة فما إن ينتهي الكاتب أو الشاعر من مهمته حتى يجد نفسه يتيما خارج المكان.
من المؤكد أن هذا المشروع كان مختلفا من الناحية النوعية وقد كانت فرصة رائعة أن يمحو المشاركون الصورة النمطية للثقافة السعودية ويقدموا صورة مغايرة كما لم يحدث من قبل وهو مشروع يستحق الشكر والعرفان بيد أن الذي يجمع عليه جل المشاركين هو أن الهدف من وراء هذا المشروع لا يمكن أن يختزل في أمسية قصصية أو شعرية أو قراءة أو مسرحية بقدر ما يتسع ليكون مهرجانا تفاعليا لا يقل ما يحدث على هوامشه من أثر إيجابي يسهم في عرض المشهد الثقافي في المملكة وهو ما لم يحدث بشكل يتناغم من البرنامج المرتب سلفا.
إننا نتمنى على الفريق المكلف بإدارة المناسبة ألا يفوت الفرصة لتسجيل هذه الملاحظات التي كانت مدار حديث المشاركين لتفادي تكرارها في المناسبات المقبلة لأن عملية تقطيع المناسبة أفقدها طابع التظاهرة ووأد الغايات التي تصبو إليها الوزارة. كما لا ننسى أن حياد وزارة الثقافة المضيفة الذي اقتصر على دور بروتوكولي تفرضه التقاليد الرسمية أدى إلى غياب المثقفين المصريين أيضا فالكثير من هؤلاء كانوا يعترفون بأنهم لم يكونوا على علم بالمناسبة إلا بالمصادفة أو من خلال العلاقات الشخصية التي تجمعهم بزملائهم في المملكة وأعتقد أن السبب في ذلك هو أن الوفد الضيف لم يحظ بزيارة المراكز والمؤسسات الثقافية ولا دار الأوبرا ولا الفعاليات الثقافية ولا دور النشر ولا المكتبات العامة وهو ما لم يكن متوقعا. ولك أن تتخيل أية أسئلة تطرحها على نفسك في الطريق وأنت تمر يوميا بجوار دار الأوبرا مثلا وتتفرج عليه كأي عابر سبيل أو سائــــح ؟
وأخيرا بقي أن أقول ولست بصدد المقارنة ولكنني أتساءل بحب : هل هو قدر المثقف الذي يمثل دور السفير لبلاده أن يمرق سريعا كشهاب يضيء ويحترق سريعا في الوقت الذي تحشد الجماهير الرياضية من أجل مرافقة منتخب كرة القدم مثلا والتضامن معه طوال فترة المهرجانات الكروية وآخرها ما شاهدناه في ألمانيا قبل أشهر ؟
ليس كثيرا في ظل الانفتاح المعرفي والثقافي والحضاري والاقتصادي أن ينال المثقف نصيبا يماثل نظراءه في مجالات التنمية المختلفة. أليس كذلك؟
abdsmile@hotmail.com
18:54 | 28-11-2006

الجبل الذي صار غيمة

غرفة الإنعاش: أو ما يفضي إلى الموت. يدللونها بغرفة العناية الفائقة في لعبة بلاغية سرعان ما تفتضح يسمونها مجازا غرفة ريثما يعثر أحد ما في لسان العرب على مادة تترجمها بلا مواربة.. مساحة مسروقة من مكان ممتزجة مع مساحة من زمان حيث الأشياء تصبح شخوصا والأشخاص القاطنون هنا لا أحد يضمن عودتهم ولا يؤكد بقاءهم إلى الغد على حافة الحياة حيث يتعذر الرجوع إلى الوراء. قبر مفتوح يضعون بداخله الأموات قبل أوان موتهم حيث الموت في صورته الطازجة القابلة للعرض والفرجة. مضخات دم مرعبة تشبه وحوشا غير مألوفة وماكينات لتمرير البلازما وخراطيم تتدلى كأفاعي الربع الخالي تتضامن بنذالة لتفترس الجسد وتذله وتطيل أمد عذابه كما لو أنها تبشر بانقراضه لتحل محله كمخلوقات بديلة تتباهى بنفوذها. أسأل في سري بأسى : هل كان لا بد من هذا الشوط الطويل من التعذيب لكي يموت. ألا يكفي الموت أن يطبق على جرس قلبه الصغير لدقائق فقط؟.
عبرنا الأبواب مشيا على أوتار القلب يقودنا هلع عاهل إلى حيث ينام أبي يئن الصقيع في عينيه كأنه جدارية معمرة كأنه يقول بالصمت إن الحياة قدر لا يمكن تكراره. لم يكن في النوم ولا في اليقظة لم يكن حيا ولا ميتا. كان قريبا جدا وبعيدا في اللحظة نفسها كما لو أن في عيني عدسة محدبة تنأى بالأشياء إلى أقصى مداها وفي العين الأخرى عدسة تضاعفها وتكبرها آلاف المرات. ولم يكن أبي الذي دربته الصحراء على أن يبقى يقظا كالذئب يستطيع أن يفز من أقاصي نعاسه على فراشة تشاغب ضوءا وظلها يرفرف على النافذة. لم يكن أبي. لم يكن أحدا كما لو أن سنبلة تدعيه. ثمة سرير أبيض تحرسه من ضفتيه هوام وشاشات تومض وعربات يجرها رجال همج مسرعون لا يكترثون لأحد، شفتان مطبقتان تبللهما آية الكرسي. تلمع رمانتا كتفيه بعد أن انحسر عنهما غطاء أبيض يضج بالبرودة والصمت. وشخير أنابيب تفيض بسوائل ملونة توثقه من كل أطرافه. وهاتان اليدان اللتان طالما أشبعتني عناقا أصبحتا موثقتين إلى عشرات الأسلاك المعدنية.
ــ هل يعني أنه يتألم. كنت أعني كم تبقى له يوم في الدنيا؟
عيناه أشبه ببوصلتين صغيرتين تشيران إلى جهة خامسة.
من بيته الغافي منذ عشرين عاما بمحاذاة أشجار النخيل التي لم يكن يميز أيا منها عن أبنائه بدأت رحلة القسوة والانتظار إلى غرفة تشرف على جبل في مستشفى الأردن إلى مدينة الخبر إلى المستشفى التخصصي كان شوط عذاباته طويلا ومرهقا خوف بأكثر من مذاق وموت لا يني يتربص ولا يتعفف عن مداهمته ولا يكف عن غرس أنيابه وأطباء يشتغلون كلاعبي السيرك يقدمون الخدع البصرية على هيئة وصفات مكتوبة بحروف غامضة تفتقر إلى الأناقة. رحلة مجللة بالوعورة تبدلت فيها الكثير من عاداته اليومية. الدواء عوضا عن قهوة الصباح. جلسات التدليك أقراص الضغط قناني المصل الذي بلا لون ولا طعم ولا رائحة. كم تبدو قاسية هذه الحياة وأنت لا تحظى إلا بمرتبة متفرج على جسد تتناوب الأجهزة على إبادته شيئا فشيئا ولا تعرف لماذا يحدث ذلك؟ غادرته لجلب الدواء من الصيدلية وعدت لأجد مكانه على السرير لوحة لسلفادور دالي وساعة الحائط يتصبب السوس من قاع مينائها.
رفعت الممرضة المكلفة بحراسته حاجبيها قليلا تعبيرا فشلت في ترجمته بكلمات لكنها زوت عينيها باتجاهه كما لو كانت تريد أن أستوعب أنني أقف أمام شخص يتحول إلى شيء.
كانت الجدران تنوء بالألم واللوعة ومذاق الموت. في لحظة صار أبي أشبه بالأرض أوردته الأنهار عظامه الجبال والريح العاطلة أنفاسه الواهنة مثقلة بالتعب. عيناه بحيرتان على وشك الجفاف صدره العاري سهل تتشابك فيه زهور الفل مفتوح على أضلاع نافرة كمصحف مهجور ولا حول ولا. عظامه الناتئة صخور مسننة. حاجباه بقايا ريش هي كل ما تبقى من صقر مجهد عبر القارات وهلك في مهامه الحماد الكبير. ولكنه ليس أبي إنه أنا في عام 2028 م على الأرجح. يداه نائيتان أبعد مما يجب تتفقدان ما تبقى له من عظام في جسد حطام يتحول إلى قفص عصافير أو ينقب في جيوبه العارية عن سعفة أو ينتظر شجرة أراك تنبت وتصير إياه أطوق معصمه فتتلقفني بقية دفء يسافر بي على أهبة الذاكرة إلى نزهتي التي كنت أقضيها في عباءته الوبرية الشهباء حين كانت رياح الشتاء تهز الأبواب وتفترس الشمال
لم أقدر على احتمال رؤيته خارج البيت.
علمني مبكرا أن النخلة عمتي. ومضيت أبحث عن بقية أسرتي وشجرة العائلة فعرفت أن الفراشة أختي الصغيرة وشتلة الخوخ خالتي والماء صهري وبيت العنكبوت بيتي والغيمة وحفيف الريح في الليل نديمي ونواح الشبابيك صدى بكائي والرمل صديقي والسماء تذكرتي للعبور والدنيا بكاملها محطة انتظار وقطرة الندى المتجمعة على بعضها على حافة ورقة العنب خشية الانزلاق بنت الشلال الصغير الذي رصعه لي حجرا.. حجرا تخترقه أنبوبة ماء لكي أطرد سأمي من البقاء الطويل في البستان.
رأيته يبتسم ونحن نحضر جنازته. هل كان يحتفل وهو يحضر عرس عودته إلى أمه الأرض؟ إنه يمضي بلا مفاتيح للبيت الجديد بلا أثاث أو مرايا بلا أبواب ولا ملابس ولا كتب ولا فؤوس ولا حطب للشتاء لا مدفأة لا شفرات حلاقة لا أحد كأنه كل الأشياء ولا سجادة الصلاة لا عدسة القراءة لا مسبحته ولا قنينة العطر الأثير إلى نفسه تلك القنينة التي لم تكن تفارق جيبه.
لحظة وقفت إلى جوار سريره تناهى إلي عويل الأشجار التي أرقها غيابه الطويل ولم تعد يداه تتفقد أغصانها وهو يتلو سورة الرحمن. أنين الحجارة التي تتفصد الأبواب التي اشرأب الفراغ بداخلها وصار شواهد عالية. العتبات التي سوف تعطش طويلا لسماع كلماته المبهمة كلما أورقت زرقة الفجر فيها.
لم أشعر يوما بأنه أبي وحدي. ولذا كانت إصابتي به لم تتعد شظية صغيرة من بين تلك الشظايا التي نالت من كل الذين انتسبوا إليه.
أخيراً بعد أن أمضى بضع سنوات في حالة احتضار طويلة.
عباءته المطرزة بالقصب. رائحة عود الند تفضح الأماكن التي اقترب منها الممرات كأن جهة ما ذرفت سماءها وهواءها وفضاءها وتهشمت غيومها وانحسرت دفعة واحدة لأصبح عاريا ويتيما بإزاء الجبل الذي صار غيمة.
abdsmile@hotmail.com
19:20 | 7-11-2006

وثيقة من العصور الوسطى

في خبرين منفصلين نشر أحدهما في جريدة الرياض مفاده أن رجلا في العقد التاسع من عمره يعقد قرانه على فتاة في العشرينيات وهو يستعد للاحتفال بزواجه السعيد بعد أن اجتاز فحص الزواج في حين كان يجب أن يذهب هذا العجوز إلى العيادة النفسية أولا لفحص قدراته العقلية.
لم يعد مستغربا أن تحدث مثل هذه الأخبار التي يمر عليها معظم القراء باعتبارها خبرا قابلا للتندر وحسب فمثل هذه الحكايات التي يلفظها الذوق السليم حتى لو أنها رويت على سبيل الطرفة ما زالت تتكرر حتى تحولت إلى ظاهرة لن تستطيع مئات دور الأيتام استيعاب ضحاياها لكن الأسئلة التي يجب أن نلح في طرحها: إلى متى سوف يستمر هذا الموال النشاز على الرغم من أصوات الاستنكار الحادة في وسائل الإعلام؟ ومن المسئول عن هذه الضحية المنكوبة التي رماها حظها العاثر بين تمساحين: أب يهدر حق ابنته المؤتمن على رعايتها والحفاظ على حقوقها وكرامتها وزوج مستهتر يشتريها بصفقة مثل ما يشتري دمية من محل ألعاب هل تنتهي اللعبة باتفاق هذين الطرفين؟ في يقيني أن من المفترض على المأذون أن يتحلى بالحكمة التي تفرض عليه مراعاة حقوق الطريدة الواقعة بين وحشين بدلا من سد المنافذ عليها فأي عاقل لا يمكن أن يقف على الحياد من زواج محكوم بالفشل سلفا لا تتوفر فيه أقل شروط التكافؤ بل من المستحيل أن ننعت مثل هذه الجريمة بالزواج وسيبقى أسوأ حتى في حال توفرت كفاية أركانه الشكلية أسوأ بكثير من كل أنواع الزواج التي عرفها الإنسان على مر التاريخ. إنه في أقل وصف مهما كانت مسوغاته امتهان سافر للفطرة البشرية وانتهاك لكرامة الأنثى والتغرير بها إذا ما تمت هذه الصفقة برضاها لكن السؤال الذي ينتظر الإجابة: أين الجمعية الوطنية لحقوق الإنسان؟ إن حماية القيم الإنسانية تتطلب المبادرة إلى تفادي وقوع مثل هذه الحالات ومن المخجل أن تنشر الصحف مثل هذه الأخبار الكارثية فيما تقف الجمعية في دور المتفرج.
ألم يسأل أي من هؤلاء الموظفين الذين مر عقد الزواج على مكاتبهم مرور الكرام كيف يمكن لهذه الأنثى أن تعيش في عهدة عجوز يكبرها بأكثر من سبعين عاما؟
أليست مهام الزواج عملا من الأعمال التي تستدعي القدرة؟ إن حماقة كهذه تعتبر تطاولا على كل القيم النبيلة التي لا يكفي أن نرفضها فقط فمثل هذه الحكايات يتصدى لها رجال القانون وتستنفر من أجلها الجمعيات المدنية والحقوقية دون أن تنتظر هاتفاً أو طلب نجدة.
* * *
الخبر الآخر نشرته جريدة الوطن عن الحكم الصادر من محكمة الجوف بتفريق زوجين وإنهاء علاقتهما الزوجية بحجة عدم كفاية النسب يختمه القاضي بالقول: «حكمتُ بفسخ عقد نكاح المدّعى عليه من المرأة وعليها العدة الشرعية حسب حالها اعتباراً من تاريخ الحكم ويشمل هذا الحكم التنفيذ المعجل بحيث يفارق المدعَى عليه المرأة».
هذه ليست وثيقة من مخلفات العصور الوسطى بل حكاية حية بكل تفاصيلها المحزنة.
وهي بالطبع ليست مثيرة للذوق لكونها تتفق أساسا مع معتقدات المجتمع القبلي ولكن المثير أن يهمل القاضي تاريخ الزواج الذي تم بتوافق الطرفين وتحقق أركانه وتقادمه بحيث أنجبت الزوجة خلاله طفلين ثم ما ترتب عليه من احتجاج الزوجة على الحكم ورفضها الإقامة مع إخوتها الذين تسببوا في تمزيق شمل أسرتها وقبولها أن تكون سجينة في إصلاحية بكلمات موجعة: «اخترتُ حماية الدولة على الإقامة مع إخواني الذين سعوا إلى هدم حياتي الزوجية» وتكمل قائلة: «إنني واثقة من الشريك الذي كتبه الله لي وأنجبتُ منه طفلين، وهو رجل أعرف أصله وفصله، ولا أريد غيره في هذه الحياة، وإذا طالت الأزمة فإنني سأحتسب أمري إلى الله وأقيم هنا بين السجينات.. ولن أقبل خياراً آخر. إذا كان متعذرا الخوض في محظور من المحظورات الاجتماعية ومنها قضية الفصل العنصري فإنه من الواجب أن تقف المحكمة من القضية موقفا شموليا بحيث تنأى عن الامتثال للعرف الذي أخلت بشروطه الأسرة وعليها وحدها أن تتحمل المسئولية.
** سؤال إلى وزير المالية:
بين يدي مجموعة شكاوى من عشرات المواطنين الذين نزعت وزارة النقل ملكياتهم لصالح طريق الأمير عبد الإله بن عبد العزيز منذ عشر سنوات وعلى الرغم من البيروقراطية ومماطلة اللجنة المكلفة وبعد أن أفرج عن مستحقاتهم وصدرت الشيكات الخاصة بهم إلا أنها ظلت في مكاتب وزارة المالية منذ ثلاثة شهور وهم يتساءلون بمرارة: هل سينتظرون عشر سنوات أخرى؟ أم ماذا (ماذا بعد هذه الماذا يا معالي الوزير)؟!!
abdsmile@hotmail.com
20:23 | 17-09-2006

لماذا يكرهون المدرسة؟

قبل أيام نشرت جريدة «شمس» كاريكاتيرا على درجة عالية من البساطة بحيث يتعذر القبول بانتمائه لهذا الفن أعني أنه يفتقر إلى أقل الشروط اللازمة للكاريكاتير شأنه شأن الكثير من العبث الذي بات ميدانا يجرب أنصاف الموهوبين من خلاله مواهبهم: رسم لتلميذ يلهث وهو يعتل حقيبته المدرسية في طريقه إلى المدرسة في اليوم الأول وثمة جملة تترجم ما يدور برأسه الصغير: (أكره المدرسة).
لكن على الرغم من بساطة الرسم والتعبير إلا أنه استوقفني ملياً لأنه يعبر حقا عن مشاعر الكراهية التي تعتمل في نفوس التلاميذ بإزاء المدرسة حتى وإن أتقن بعضهم التزلف أحيانا وكبت هذه المشاعر . ترى هل يمكن أن نسمع من بين أكثر من مليوني طالب جملة أقل وطأة من هذه الجملة؟ ألا تبدو إذن هذه الرحلة اليومية إلى المدرسة عذابا يوميا؟ وهل ثمة متسع للتفاؤل بأن تتحول مدارسنا إلى بيئات جاذبة؟ وأين يكمن الخلل هل في النظام التعليمي أم في التلميذ؟
قبل سنوات طرحت في إحدى المناسبات التعليمية سؤالا على زملائي المعلمين أردته أن يكون بمثابة مدخل للمحاضرة التي كنت على وشك أن ألقيها: هل صادفت تلميذا يقبل على المدرسة بحب؟ وجاءت الإجابة قاطعة كما توقعت بالنفي.
وأردفت بسؤال آخر لعل أحدا يستدرك ويتخلى عن الارتجال: وماذا عن التلميذ المتفوق والمحبوب من أسرة المدرسة أيضا؟
وكانت الإجابة منسوخة عن سابقتها: كلا ولا التلميذ الموهوب. أكملت في السر: ولا حتى المعلم نفسه ولا أحد من الأسرة التعليمية.
كنت سأستغرب حتما لو جاءت إجابة غير مألوفة على سبيل الافتراض ولن أتوانى عن التحقق منها بيد إن الإجابات جميعها كانت عفوية وصادقة وخالية من التكلف والزيف.
في أحد المشاوير كانت برفقتي ابنتي التي تدرس في الصف الأول الابتدائي وبالمصادفة كنت أمر بالقرب من الروضة التي كانت قد ودعتها قبل شهور وفجأة شهقت شهقة مشغولة بالحنين سرت كالصدمة في داخلي ثم سمعتها تكلم نفسها بأمنية تنطوي على دلالة فجرت ينابيع حزني: يا ليت إني رسبت في الروضة. عندئذ أفقت قليلا من الحالة التي ألمت بي وبدأت باستدراجها ووجهت لها مضامين الأسئلة التالية:
هل تحبين الروضة إلى هذا الحد؟
ولماذا تريدين البقاء في الروضة ما دمت سوف تغادرينها إلى المدرسة؟ أليست المدرسة مكانا مبهجا تلتقين فيها بصديقاتك في الروضة؟ ألم تفرحي بأنك كبرت وأصبحت تعرفين القراءة والكتابة والرسم؟ وكان موجز كل إجاباتها يصب في خانة الحنق على المدرسة فهي بيئة قاسية لا تتلقى فيها التلميذة سوى أفعال الأمر والنهي. وهي بيئة لا تعترف بحاجات الطفل كثيرا بقدر ما تعنى بترويضه للتكيف مع القهر. وهي بيئة حاضنة معلمين ومعلمات وروى لي أحد الزملاء عن ابنه قائلا: كلما تأهبنا للانصراف من المدرسة يوم السبت صاح ابني كمن يرمي بحمل ثقيل عن عاتقه: باقي أربعة أيام وفي اليوم التالي يبدأ العد التنازلي: باقي ثلاثة أيام وهكذا حتى يحتفل بإجازة الأسبوع منذ دقة الجرس في نهاية الحصة الأخيرة من يوم الأربعاء.
وهنا أتساءل بمرارة: لماذا يكره أبناؤنا المدرسة؟
ويجيبني صوت ما ولماذا يحبونها؟
أتذكر أنني قرأت قبل بضعة سنوات بحثا أكاديميا يؤكد بأن التلميذ يفقد نسبة هائلة قد تقترب من 90 بالمئة من ملكاته في سن المدرسة قياسا بتوفرها قبيل هذه السن ومرد ذلك ما يصادفه التلميذ من اضطهاد وقمع وأصوليات تقضي على كل رغبة في الحرية. غير إن السؤال الذي يتعذر تفاديه في هذه المرحلة: هل يمكن أن نتناول مأزق التعليم في منأى عن الإعلام؟
والإجابة عن هذا السؤال مفتوحة قد أعود لمحاولة مقاربتها في مقالة أخرى.
رثاء:
(مساء غد ينفض النخل أعذاقه
في سواقي السعال على رئتي
ويرشرش حزن قديم تراب المقابر قدام بابي
فقدت الكثيرين ممن أحب
فصرت أمت كثيرا لهذا التراب)
هكذا وجدتني أدندن مع هذا الموشح المليء بالأسى مع مظفر النواب حين بلغني خبر وفاة الصديق أسد محمد في حادث مروري في منتصف الأسبوع الماضي أثناء عودته من إجازته في سوريا حيث يعمل طبيبا في منطقة الجوف وفي الوقت نفسه فهو باحث وروائي ويكتب قصصا للأطفال.
لم يكن صديقا وحسب بل كان بالنسبة لي شرفة أطل منها على سماء مرصعة بالنجوم والغيوم والأحلام البعيدة والفأل. كان يفاجئني في أحلك اللحظات ويضمد جراحي ويملأ ليالي الشتاء الشمالية الطويلة الباردة والموحشة صخبا وبهجة وأنسا وألفة إذ يفتح لي بابا على الأشواق التي في طريقها إلى الموت وينعشها بيديه الحانيتين. كنت أرى في بريق عينيه سكة صقر قريش وهو يمتطي الليل ذاهبا إلى الأندلس وكنت أسهر مع التاريخ والجغرافيا معا حين يكون إلى جانبي وكنت أرى في تقاسيم وجهه أزقة دمشق وأبوابها وياسمينها وقلاعها وأحجارها الشاردة من التاريخ إلى المستقبل وكنت أقرأ في قامته الشاهقة قاسيون وثرثرة الخطوات في سوق الحميدية وأنهار الشام التي لم تتعب على مر السنين من عادة الجريان وفجأة طاحت كلها في خبر صغير مات على طريق ا ترحم. هل مات حقا؟
لقد انهدت في داخلي مساحة وجدران موشاة بكلماته وأحلامه التي غزلنا خيوطها معا في سبيل التحايل على الليل البارد . كنت أنتظر عودته فقد ودعته على أمل أن يتسع المكان الذي ضاق حد الاختناق بعده لكن الموت كان له بالمرصاد . ثمة هاجس يصهل في أقاصي الروح هل ذئب الموت يكمن خلفي فبموت الأصدقاء يتهشم جزء كبير في الداخل. كنت يا للمفارقة أصب في محجريه دموعي ومخاوفي من الموت والمجهول وكان يطحن نثار أنيني ويعيده إلى قصاصات ملونة بالشوق وشهوة الذهاب صوب الحياة فأين أذهب وكيف أمضي في عتمة الليالي الطويلة بعدك يا صديقي الذي مات؟ (هل مت حقا أم غفت سهوا على جفنيك نايات الزمان)؟

Abdsmile@hotmail.com
19:43 | 10-09-2006

أرامكو شركة أم جمعية خيرية ؟

عندما نثرت بعض الأسئلة في مقالة الأسبوع الماضي عن أسباب انحسار وأحيانا غياب دور شركة أرامكو في مجالات التنمية التعليمية والصحية والثقافية والحضارية بما يليق بعمرها وضخامة حجم أعمالها لم يدر في خلدي العودة إلى الموضوع نفسه، حسبي أنني أشعلت شرارة تختزل حزمة من الأسئلة كانت تعتمل في داخلي منذ أن مررت عابرا قبل فترة بمنشآت أرامكو الواقعة على طول خط التابلاين فإذا بي أمام أطلال تلوح كباقي الوشم في ظاهر اليد ، لقد قضيت شطرا من طفولتي شاهدا على تلك الأماكن المأهولة بالحياة . الذي ضاعف مساحات حزني هو شعوري بأنني رأيت الطفل الذي كنته ذات يوم بكل شغبه وأحلامه وفوضاه وبراءته يطل من ثقب تابوت على الخراب ولا شيء يوحي بأن حياة كانت هنا ذات يوم :
أمامك أكثر من تابوت / فإما أن تموت / أو أن تموت / أو أن تموت.
ولكنني أعود لسببين الأول أن مقالتي تزامنت مع مقالة الأستاذ عبد الله جفري في عموده «ظلال» وهو ينقل رسالة من مواطنة تتمنى أن تستيقظ النخوة العربية والمشاعر الإنسانية في وجدان مدير الشركة الذي قدم لإحدى ضحايا إعصار كاترينا مفتاح فيلا ولأنها تدرك أنه يلزمها إعصار يبرر طلبها فقد كان حلمها أقل بكثير : قرض ميسر تتعهد بسداده على أقساط مريحة ليس أكثر.
لقد فات عليها أن صوتا سوف يجيب عليها قائلاً: إن أرامكو شركة نفط وليست جمعية خيرية؟
- ولكن... ثم ينقطع الخط !!
* * *
السبب الآخر يتلخص في رسالة تلقيتها من أحد الموظفين العاملين في الشركة أنقلها لكم بالنص بعد اجتزاء المقدمة «عندما يذكر أو يدور حوار في حضورك عن موظف متعاقد ما الذي يخطر في بالك؟ دعني أشرح لك بالتفصيل ما معنى موظف متعاقد. هو شخص لديه مؤهلات تعطيه فرصة لشغل وظيفة ما وفي الطرف الآخر هناك منشأة - مصنع أو شركة أو دائرة حكومية - لديها حاجة لموظف لكي يشغل وظيفة شاغرة لديها تتوجه تلك المنشأة متمثلة في إحدى إداراتها والمعنية بتلك الأمور إلى طرف ثالث ـ متعهد مختص بتوفير الكفاءات - يقوم بتوفير ذلك الموظف بحسب المواصفات التي تطلبها المنشأة أو إدارتها، سواء كان ذلك الموظف المطلوب من نفس الدولة أو من خارجها تدفع المنشأة أجراً معيناً للمتعهد مقابل كل ساعة عمل يقوم بها ذلك الموظف لصالح المنشأة، وعليه يقتطع من ذلك الأجر راتباً للموظف وفي واقع الحال لا يربط بين ذلك المتعهد والموظف سوى الراتب في حين أنه موظف يعمل لصالح المنشأة وتريد منه أن يعطيها كل ما لديه من قدرات وخبرات، ويقوم بواجبه على أكمل وجه إذن على المنشأة أن توفر له الجو المناسب لكي يبدع ويقدم كل ما لديه، وأن لا تفرق بينه وبين موظفيها الرسميين في المعاملة وعلى أقل تقدير تشجعه وتحفزه.
الآن أخي القارئ أنت على علم ودراية ما الذي نعنيه بالموظف المتعاقد.
في بلدنا الحبيب الكثير من هؤلاء الموظفين، ولكن للأسف واقعهم مرير جداً يصعب على كل من يرى إخوته من أبناء الوطن وهم يعاملون معاملة أقل ما يقال عنها سيئة إما أن تكون تلك المعاملة السيئة من جهة المنشأة أو من المتعهد الذي قدمه فترى أن ابسط حقوقهم التي نص عليها نظام العمل والعمال في أكثر من مادة من مواده قد حرموا منها فيا ترى من لهم ولمن يلجأون.
هل تعلم أن المتعاقدين ممن يعملون في أكبر شركة نفط في العالم محرومون من الاستقرار الوظيفي أي أنهم يعملون ولا يعلمون شيئاً عن مستقبلهم!
هل تعلم أنهم محرومون من مكافأة نهاية الخدمة!
هل تعلم أنهم محرومون من التأمين الصحي لهم ولمن يعولون!
هل تعلم أنهم محرومون من التطوير والتدريب لو احتاجوا له!
هل تعلم أنهم محرومون من البدلات الكافية لأدنى متطلبات المعيشة!
هل تعلم أنهم محرومون حتى من مجرد التفكير للتقدم لشواغر الشركة ليعملوا فيها كموظفين رسميين!
هل تعلم أنهم محرمون من المكرمة الملكية!!
هل تعلم أن نظام العمل والعمال في المادة رقم (8) ينص على ما يلي:
1- إذا عهد صاحب العمل لأي شخص طبيعي أو اعتباري القيام بعمل من أعماله الأصلية أو جزء منها وجب على الأخير أن يعطي عماله كافة الحقوق والمزايا التي يعطيها صاحب العمل الأصلي لعماله.
هل تعلم أن نظام العمل والعمال في المادة رقم (138) ينص على ما يلي:
2- على الشركات ذات الامتياز التي تعهد بتنفيذ بعض أعمالها من إنشاء أو صيانة أو غيرهما إلى متعهدين أن تشترط في عقود التعهد أن يقوم المتعهد تجاه عماله بتأدية جميع الحقوق، وتحمل جميع الالتزامات التي تترتب للعمال فيما لو قامت الشركة ذات الامتياز نفسها بالأعمال.
هل تعلم أن نظام العمل والعمال في المادة رقم (139) ينص على ما يلي:
1- تطبق على عمال متعهدي الشركات ذات الامتياز الأنظمة الأساسية لعمال هذه الشركات، ويستفيدون من جميع المنح والتعويضات ونسب الأجور المعمول بها في هذه الشركات.
هل تعلم أن نظام العمل والعمال في المادة رقم (140) ينص على ما يلي:
1- تتحمل الشركات ذوات الامتياز المسؤولية القانونية إزاء عمال متعهديها تطبيقاً لأحكام المادتين السابقتين ولها لقاء ذلك أن تحتجز من قيمة أعمال متعهديها ما يضمن هذه المسؤولية حتى انتهاء التعهد.
هؤلاء الضحايا يخاطبون ويناشدون إعادة النظر في وضعهم وإنصافهم.
abdsmile@hotmail.com
19:46 | 3-09-2006

أرامكو.. سبعون عاماً من الغياب

كثيراً ما راودتني بعض الأسئلة التي عرضها الكاتب عيسى الحليان في عموده الجميل عن غياب شركة أرامكو وانسحابها عن المشاركة في الحياة العامة. ما فاجأني في كتابة الصديق عيسى هو أن هذه الشركة ترسل أبناءها للعلاج في البحرين وأبناء موظفيها للدراسة في المدارس الخاصة. هل يعقل أن يحدث هذا؟
إن هذه الشركة العملاقة أسهمت عبر تاريخها الذي يمتد إلى سبعين عاما في نقل الإنسان من الحياة الرعوية والزراعية إلى الحياة المدنية منذ بداياتها حيث تهافت أبناء الأرياف والصحراء على الانخراط في أعمال الشركة وحلت ثقافة العمل والإنتاج محل الأعمال التقليدية السائدة، ولم تكتف أيضا في استقطاب هؤلاء بل قامت بتخطيط العديد من المدن الواقعة على طول خط التابلاين و ما زالت حتى الآن تحتفظ إلى حد ما ببعض ملامحها الأولى وكانت مستشفياتها الصغيرة المتناثرة منارات صحية يتذكرها الناس اليوم بحسرة بعد أن أقفلت أبوابها وتحولت إلى آثار ومستنقعات لأنين قديم.
والسؤال الذي يطرح نفسه بالمناسبة: ترى أين يكمن الخلل؟ هل كان غياب الموظفين الأمريكان وحيازة المواطن ابن البلد المسؤوليات الإدارية والفنية في هذه الشركة سببا في تردي أوضاعها وتذمر الكثير من موظفيها من تكالب الفساد والواسطة والعاهات القبلية والطائفية؟
ذات يوم أناخ البدوي راحلته وصاح:
«وين أنت يا اللي تبي الظهران
حنا وصلنا لتنورة»
كانت هذه الهجينية البدوية فتحا مبينا قلب الكثير من المعادلات الثقافية و الاجتماعية والحياتية والمعيشية وصار من المألوف أن تجد بدويا يرتدي ملابس العمل و يتحدث بأكثر من لغة ويتقن الكثير من الحرف ويقود الآليات المعقدة ويحدو قاربا على متن الأمواج باتجاه الآبار النفطية مع تباشير الفجر والأهم من ذلك هو في الاتجاهات الإيجابية نحو العمل. إن هذه الشركة كانت مدرسة تعلم البدوي من خلالها قيم الإنتاج التي لم تعد موجودة مع الأسف عند الكثير من شبابنا الذين لم يعد لهم من الهم سوى التنقيب عن شجرة نسب عائلته كما لو أنه ما زال يقطن في صحراء أو يمثل دور الفارس في مسلسلات البادية غير مكترث بموضوعات الساعة. فمن يتحمل مسؤولية هذه الردة المتمثلة في عودة مفاهيم البداوة من جديد؟
إن الأسئلة تتوالى بإلحاح: لماذا تغيب الثقافة النفطية عن شبابنا ونحن على مقربة من هذه الأبراج المنصوبة في البر والبحر؟ فالبعض لا يعرف الفرق بين النفط والحناء ولا يعرف إن كانت أرامكو شركة أم اسما لوجبة سريعة ولا يدرك حتى الآن أثر التغيرات في أسعار النفط على حياته اليومية. إن الإنسان في الدول المستهلكة يترقب ما يحدث في أسواق النفط يوما بيوم وعندما يرتفع دولارا يتصرف كما لو أن كارثة قد وقعت فيما نحن مع الأسف نجهل أبسط أبجديات صناعة النفط وكل ما يتعلق بتسويقه وتصديره. على الرغم مما يعانيه المواطن أينما حل وارتحل من «رجال الجوازات حتى رجال الجمارك حتى النخاع» * بسبب هذه الثروة التي تطارده كاللعنة ومن نافلة القول الإشارة إلى ثقافة النفط وشباب البترودولار.
إن هذه الشركة العملاقة التي تدفق عطاؤها في كل أصقاع العالم وضبط ملايين الناس البوصلة على جهتها وتوافدوا بحثا عن فرصة عمل فيها قلما تجد شخصا من خارج محيطها يتمكن من تعريفك بنبذة صغيرة عنها أكثر مما قرأه في كتب المطالعة. فمن المسؤول عن هذا الغياب؟ إن برامج الاتصال الموسمية الموجهة من قبل أرامكو إلى المجتمع المحلي ما زالت إلى حد كبير متواضعة وخجولة ولا تحقق الحد الأدنى من الكفاية. وهي مطالبة الآن أكثر من أي وقت مضى أن تلعب دورا يليق بها في دعم التنمية التعليمية والصحية والحضارية والثقافية في شتى مناطق المملكة كما ينتظر منها أن تقوم بتوفير المعاهد الخاصة ومراكز التدريب من أجل توطيد ثقافة العمل وتقديس الإنتاج والتدريب جنبا إلى جنب مع أجهزة الدولة ولاسيما وزارة العمل.
فليس طبيعيا أن تكون شركة بهذا العمر غائبة وليس طبيعيا أن تجد نسبة ضخمة من الشباب يعرف جغرافية جبال تورا بورا ويتقن صناعة المتفجرات أكثر من معرفته بهذا السلاح الذي يعتبر حاسما ومؤثرا في المعادلات الاقتصادية والسياسية؟
* * *
سؤال: طرحت قناة الإخبارية قبل أيام سؤالا مفتوحا: ماذا تريد من وزير الصحة؟
ولأكثر من سبب شعرت وربما شاطرني الكثيرون بأنني معني بالسؤال كما لو أنني في انتظاره، لست على يقين بأن ثمة قصدية تفتقر إلى التهذيب لكن قبل الإجابة عنه أتساءل بدوري: لماذا لم تحسن القناة صياغة السؤال بهذا الشكل: ماذا تريد من وزارة الصحة؟
يعلم وزير الصحة علم اليقين بأن منطقة الجوف تعاني معاناة مزمنة وقاسية من تردي الخدمات الصحية للدرجة التي أفقدت المواطنين الثقة بالمستشفيات الحكومية البائسة والاعتماد على المستشفيات الأردنية رغم خطورة الطريق وبعد المسافة وقلة ذات اليد لدى الكثيرين علاوة على تأخر المشروعات الصحية التي يجري تنفيذها، لقد استشرى اليأس في النفوس وأصبح احتمال تكرار تجربة مستشفى دومة الجندل الذي تأخر لأكثر من ثمانية عشر عاما شبحا مرعبا فأدركونا قبل أن «لا أدري ماذا أقول بعد هذه الـ «أن».
* من قصيدة للشاعر محمد الحربي
abdsmile@hotmail.com
20:23 | 27-08-2006

انتصار الديدان المتناسلة في جثث القتلى

في أوج اشتعال الحرب الأهلية في لبنان وبينما كانت مجموعة من المواطنين بينهم امرأة يعبرون إحدى المناطق الواقعة تحت الخطر غلب عليهم الصمت الذي يسبق الموت، فما إن وصلوا إلى المنطقة الآمنة وتجاوزوا الخطر حتى بدأوا يتنفسون الصعداء وعادت الأحاديث والأصوات الصغيرة تدب في سيارة الأجرة العمومية التي كانت تقلهم وأصبح شبح الموت الذي مر قبل قليل مادة للتندر والتعليقات كما لو أنه ذكرى. السخرية ميكانيزما دفاعية تنشط كثيرا حتى تتحول إلى مهنة يتقنها الجميع حين تصبح حياتهم مسافة صغيرة بين قذيفتين وهذا ما حدث مع هؤلاء الركاب لكن المرأة وحدها بقيت ساهمة وغارقة في صمتها حتى فطن لها الجالس إلى جوارها وظن أنها ما تزال أسيرة القلق أو أنها لم تستوعب بعد لذة الشعور بهذه الطمأنينة الصغيرة وأراد مواساتها وإخراجها من حالتها بقوله: إن الناس لا حول لهم ولا قوة أمام ما يجري وإن سوء الحظ هو ما جعل لبنان لعبة للكبار، لكن المفاجأة التي جاءت أشبه بقذيفة لم يتوقعها أي منهم عندما أفاقت المرأة قائلة إنها اضطرت للخروج من بيتها بسرعة ونسيت ست بيضات على نار الفرن وعبرت عن سخطها بهذه الجملة الموغلة في بساطتها:
(الله يضيعلن عقلاتن ضيعوا لي عقلاتي).
الأمر الذي جعل الجميع يصابون بنوبة ضحك تعبيرا عن استهجانهم من سذاجتها.
التقطت هذه الحكاية من كتاب (الأرض الحرام) للكاتب اللبناني عماد العبدالله لأقدح شرارة السؤال التالي:ترى أين الإنسان السوي هل هو في الجزء المفقود في شخصية المرأة الذي ترجم بعفوية عن موقف نظيف لم تسمح للشعارات أن تلوثه أم في بقية الركاب الذين كانوا أسرى في حرب شعارات ودعايات حزبية وأكاذيب لا طائل لهم من ورائها ؟
أيهما الذي يستحق الاستهجان: امرأة تعتقد أنها معنية بمنزلها ومطبخها وطعام أولادها وعندما تتعرض هذه المملكة للخطر فإن عقلها يطير أم الشخص الذي بالكاد يملك ثمن ركوب السيارة العمومية، وربما يشحذ السجائر من جاره في المقعد، ويتسكع تاركا أطفاله يتضورون من الجوع بحثا عن جرعة حليب أو وجبة طعام أو قرص دواء، وعلى الرغم من ذلك ينسحب من همومه الصغيرة ويقفز على ما يتواطأ الكثيرون على تفاهته في سبيل الانصياع إلى تبعية لن توفر له إلا مقعدا للتصفيق وترديد الجمل الرثة: بالروح بالدم نفديك يا كايدهم !!
لا أطرح السؤال بقصد إجراء اختبار للقراء بقدر ما أريده مدخلا للوقوف على مسألتين في غاية الأهمية الأولى: هي في قراءة تلك العلاقة الحميمة التي تربط الإنسان ببيته رغم أنها لا تخص الإنسان وحده وقد شاهدنا كيف تدفق الآلاف من أبناء القرى الجنوبية في لبنان حالما وضعت الحرب أوزارها. ليس سهلا أن تصف ما يعتريك وأنت تشاهد عمارة مكونة من عدة طوابق وقد تحولت إلى حطام ولم يعد للمفاتيح معنى سوى أنها تجعلك على قيد الألم والحزن والموت الرخيص. لم أحتمل مشاهدة أحد العائدين وهو يتنقل بين الأنقاض ويحكي: هنا كان عبود هذه بقايا سريره. وهنا غرفة صهري المشلول. هذا الكتاب الممزق هو كل ما تبقى من ابنتي ريما... وعندما هم أن يكمل سيرة البيت الذي أصبح في غضون ثوان في خبر كان نزفت عيناه وحينها أحسست أن العمارة تنهض من جديد وتهوي على رأسي وتساءلت أيهما أكثر حظا الموتى الذين لم يجدوا وقتا ليسألوا عما حدث أم الناجون الذين سيموتون عشرات المرات ؟
وقفز إلى ذاكرتي حوار دار بين صديقي قبل سنوات:
- ما شعورك لو أن صاروخا اخترق جدار المكتب في طريقه إلى صدرك ؟
- كان يجب أن تسألني فيما لو أنه مر على مسافة عشرة سنتيمترات مني وبقيت على قيد الحياة يا صديقي ؟
المسألة الأخرى تختصرها إجابة للمفكر علي حرب إذا لم تخني الذاكرة على سؤال لا أتذكره: (التوتر، الحروب والإرهاب و الإرهاب المضاد وكل سيول الأخبار التي لا تجلب سوى الهم لدرجة يصاب بها المتلقي بداء عضال هو انفصاله عن حياته الخاصة وهمومه اليومية ثمنا لشعوره بأنه شريك في كل قضية وأنه معني بكل ما يحدث على الكرة الأرضية والنتيجة انسحاق الفرد تحت وطأة القوى الكبرى).
إن المرأة التي أثارت سخرية الركاب هي الوحيدة التي بقيت في حقيقة الأمر محتفظة بعقلها لأن انتماءها إلى أشياء منزلها يعبر عن انتمائها إلى الذات الإنسانية التي لم تشوهها آلة الحرب ولم تفترسها شعارات التجار الذين أججوا نار الحرب بينما الركاب هم الذين فقدوا صوابهم بالفعل ولما لم يكونوا يرغبون في الإعلان عن حالة الهلع التي منوا بها فإنهم يتواطأون بشكل ماكر على السخرية من موقف المرأة التي عكست لا وعيهم.
أخيرا أسألكم بعد أن فقدت الثقة بالأخبار: هل انتهت الحرب ؟
- لم تنته بعد.
- بلى انتهت الحرب من وجهة نظر الذين يعتقدون أنها لعبة كرة قدم فقط ولكن الجولات القادمة سوف يخوضها من بقي من هؤلاء الأطفال الذين يقتادهم القتلة ويهدون إليهم الأكفان الملفوفة بالرايات وألقاب الشهادة التي لا تستوعبها أعمارهم. دعوا الأطفال يكملون غبطتهم بالحياة قليلا فلم تهدأ صيحات ميلادهم بعد. دعوا الطفولة ولا تحولوا الأطفال إلى ألغام قابلة للانفجار غدا أو بعد قليل. ودعوا الأطفال يلعبون على ضفاف التأتأة ولا تمسخوا قاموسهم بلغة البنادق أيها القتلة دعوا الأطفال لكي تبقى الحياة وتشرئب أعناق الأعشاب الصغيرة وتستعيد الأغنيات أسماءها من غيمة شاهقة فما زال في الأرض ما يكفي من الهواء.
وسواء توقفت الحرب أو انتهت فإن الإنسان المتحضر في أعماق اللبنانيين الذين هبوا يمتصون أنين بعضهم بعضا من خلال المؤسسات التطوعية هو الذي سوف يبقى عصيا على كل المحن والحروب.
أمانا عليك يا شجر الأرز
ثم أمانا عليك
أمانا.. أمانا

Abdsmile@hotmail.com
19:45 | 20-08-2006

«الظلام عليكم»

« لم يكن دوي الرعد قبل أن تخترع البنادق مرعبا أما الآن فأي أحمق يستطيع الاطمئنان إلى صوت الطبل في زفة عرس أو يثق في مسدس من شمع بيد طفل».
***
بعد مرور شهر كامل من الجلوس المزمن أمام الشاشات من أجل ملاحقة مشاهد الحرب في لبنان للقبض على لحظة أقل رعبا أو أقل موتا تحولت عيناي إلى آلة تصوير تشرب الصور بسرعة مجنونة ومعها تحول دماغي إلى أستوديو مليء بنفايات الصور المرعبة والمحزنة والكريهة.
شهر واحــد مر كــمـا لو أنه بضع سنوات ثقـيـلة شـاخت فيه الكـثـيـر من أحـلامي الصغيرة وانطـفـأت ذبـالـة أشـواقـي ولم تعد تنطلي علي أية فـكـرة مـهمـا كـانت صغـيـرة وتـافـهـة.
وبدأت تظهر علي أعراض مرضية غامضة حيث أحس بتخثر الزمن فالثانية لا تدق إلا مرة واحدة في الساعة انكسرت في داخلي مساحات كبيرة فضحتني هشاشتي أمام أطفالي حين تذرف عيناي سهوا فكيف اعتذر واقنعهم بأنني كبرت كثيرا ولم يعد يروقني اللعب معهم وكيف أقنعهم بأن قطعة الحلوى لا تختلف في مذاقها عن طعام قذر وأن كل شيء له طعم التراب؟ وكيف أعتذر لأمي التي يفترس المرض اللئيم أحشاءها عن نسيان موعد الطبيب أو جرعة الدواء وكل محاولة نوم هي محاولة فاشلة بامتياز لم تفلح إلا في حشد مزيد من كوابيس إضافية كما لو الصور التي في دماغي خضعت إلى مونتاج وعادت أشد رعبا.
أتسلل في عزلة الليل إلى المرآة سيرا على أطراف أصابعي لأتأكد من هوية الواقف قبالتي أهو أنا أم شخص يكمن خلفي فلا ارى احدا وتحين مني التفاتة عاجلة للقبض عليه فيتبادر إلى ذهني أنه استدار كالأفعى ورائي. ألتصق بالحائط حتى لا يبقى ورائي وراء وفي الغد أكتشف أنني نمت في الممر المؤدي إلى غرفة مهملة. هل تتعفن الأحلام بهذا الشكل الفادح ويصاب ضمير العالم بالعطب إلى هذا الحد. أتفقد بعضي في ما تبقى لي من صوت وأتدرب على العواء لكي أصل شيئا فشيئا إلى حنجرتي فتنخزني من خاصرتي شوكة حسد: ما الذي يخسره العالم لو أني مسخت ذئبا أو حجرا نبيلا. يهاتفني صديق على وشك الجنون لعل ليل امرىء القيس يمضي وبصوت متقطع يرتعش بالحمى:
- كنت فقط أريد أن أتأكد أنني ما زلت على قيد الحياة يا صديقي؟
ويغلق الخط على نحو مفاجئ لتنفتح سماء ملبدة بالحديد
الظلام عليكم أيها القتلة فقد أحرقتم أوقاتنا وهدمتم منازل أشواقنا وقصائدنا بيتا بيتا
أتجرع دواء ما قبل النوم لأضع الأشياء شرق أو غرب نسياني
وأحلم أن تثب الأراجيح المشلولة او يسافر هذا الدم العاهل في جذور الأرض ماء جنوبيا نقيا لينمو على هيئة مئذنة في الحجاز وفي مصر على هيئة سنبلة ويذرفه جبل في اليمن على هيئة فنجان قهوة وتغنيه حنجرة في أرض السواد ليسيل موالا عراقيا: أين قانا يا أبانا؟
***
من قصيدة « عرس قانا الجليل لشوقي بزيع»
« أين يا قانا نسجي لحمنا؟
في أي قبر والقبور جميعها امتلأت بقتلانا؟
ولكن الهواء يحيد عن صرخاتهم
ويغوص في الآبار
حيث تفض ألسنة اللهب
رفات من ماتوا لتبحث عن فم يخضر
أو قبل يسيل لعابها فوق الصديد
فلا تصادف غير أمعاء تدلت
من عناقيد الغضب
ويد تحدق وحدها
في ما تبقى من ضفيرة طفلة
أحنت على سيارة الإسعاف نصف جبينها
ومضت تفتش عن سبب
لذبولها الدامي
وعن ماء تبقى في محاجرها التي انطفأت
لتهديه إلى وجه العرب»

abdsmile@hotmail.com
20:16 | 13-08-2006

كمبيوتر مركز الإشراف بجدة

طرحت قناة الاخبارية في برنامج «دوائر» سؤالاً عريضاً في غاية الأهمية حول أسباب سلبية الأجهزة الحكومية في تعاطيها مع وسائل الإعلام عموماً وعزوفها عن التفاعل مع نزيف الحبر الذي تضخه الصحافة يومياً بشكل خاص.
لماذا يضيع صوت المواطن سدى والى متى يبقى كل ما يكتب من نقد ويثار من اسئلة في نظر بعض المسؤولين حبراً على ورق بالمعنى الحرفي للكلمة؟ هل يعبر هذا الموقف عن اولئك البعض عن الاستخفاف بهواجس المواطن بسبب طمأنينته الى غياب المحاسبة؟ ام انه يمثل الوجه الآخر لجهل بعض المسؤولين بدور الصحافة ام ان المسؤول يتعمد الانسحاب من الاشتباك مع صوت الناس مكتفياً بالبقاء في المدرجات لأنه يدرك ان التصدي له سوف يجره الى فضائح يؤثر السكوت عنها؟؟
كل هذه احتمالات ممكنة ومهما تعددت الذرائع يبقى السؤال الآن اكثر الحاحاً وسخونة بعد صدور التوجيه الملكي بضرورة التجاوب مع وسائل الإعلام وهو توجيه ينطوي على وعي القيادة بالدور الذي يلعبه الاعلام وهي فرصة يتوجب على الوسائل الاعلامية ان تستثمرها كاستحقاق طال انتظاره وان تتحول الى سلطة رابعة تعمل على قدر عال من المسؤولية المهنية ويتعين عليها في المقابل ان تتأهل لأداء دورها الجديد بعيداً عن الدور التقليدي الذي حولها طوال عقود الى صحافة شائعات انحدرت الى الحد الذي ازاح كلام الجرائد من وظيفته الحقيقية الى مرادف للتلفيق والأكاذيب وهنا سوف ترفع النعامة رأسها قسراً عن الرمل.
وثمة معادلة غير متكافئة على الاطلاق بين ما يتوقعه الانسان من الصحافة وبين المسؤول الذي لا يستنكف من قلب الصفحة بدون أي شعور بوخزة ألم إزاء صرخة يفجرها الشعور بالغبن، وأجزم لأكثر من سبب بأن قطاع تعليم البنات على وجه الخصوص أكثر الجهات التي تتجلى فيها هذه المعادلة واذا كانت الرئاسة العامة لتعليم البنات قد أصبحت في سلة محذوفات الذاكرة فإن ارشيف النقمة على الصمم العضال الذي كانت تعاني منه سيبقى طويلاً ما لم تتدارك وكالة وزارة التربية تصفية هذه التركة بما يكفل للمرأة العاملة حقوقها.
مناسبة هذا الكلام ليست في موضوع البرنامج ولكن في تزامنه بمصادفة غير مرتبة مع رسالة تلقيتها من معلمات ومدربات ومساعدات مدربات مركز التدريب المهني بجدة ولأنها رسالة لا تحتاج الى وسيط بقدر ما تؤكد ثقة الانسان بأن الاعلام هو الجدار الأخير الذي يلجأ اليه اعرضها لتشاركوني محاولة حل فوازيرها الغامضة:
«إننا نعمل في التعليم المهني الذي هو شعبة تتبع للرئاسة العامة لتعليم البنات منذ اكثر من ربع قرن منذ ان كانت مدارس جدة خالية من المعلمات السعوديات. وقتها تركنا تلك المدارس التي بجوار سكننا واتينا الى التعليم المهني من اقاصي جدة شمالاً وجنوباً شرقاً وغرباً. وقتها كان المركز في حي المكرونة ثم تم نقله الى حي الشرفية وبالتالي تبعناه دون اعتراض حيث انه المركز الوحيد للتعليم المهني ولقد امضينا سنوات خدمتنا خلاله وبذلنا قصارى جهدنا في تدريب طالبات ومعلمات والحمد لله توالت نجاحات التعليم المهني منذ ذلك الحين حتى الآن.. والان ضم التعليم المهني للمؤسسة العامة للتعليم الفني والتدريب المهني واقتضى ذلك اغلاق المراكز التابعة لوزارة التربية والتعليم وتوزيع المعلمات والمدربات ومساعدات المدربات على مدارس التعليم العام بجدة. بعدها طلب منا من قبل شعبة الاختيار والتوزيع باشراف جدة تعبئة استمارات نقل داخلي تنص على رغبتنا الشخصية في النقل وليس من اجل اغلاق المركز.. وعند استفسارنا عن السبب كان رد رئيسة شعبة الاختيار والتوزيع انها اوراق رسمية روتينية وامتثلنا ووقعنا على التعميم بعد ان سمعنا من رئيسة شعبة الاختيار والتوزيع ورئيسة الحركة ومنينا منهما بوعود كثيرة مفادها ان لنا الأولوية في النقل ولكل منا اختيار المكان الذي ترغب في النقل إليه ولكل منا اختيار المدرسة التي بجوار سكنها تقديراً لجهودنا وما قدمناه للتعليم المهني وسوف تلبى طلباتنا فور تسجيلها نظراً لكون المركز اغلق لظروف خارجة عن ارادتنا.
ولم نكن نعلم بأن هذا هو الفصل الجميل في تمثيلية نحن ضحاياها حيث فوجئنا (وهنا بدأ الفصل الثاني) بعد فترة بطلب استدعاء من قبل مديرة شعبة الاختيار والتوزيع بإشراف جدة، من اجل تعبئة استمارات جديدة لمدارس جنوب جدة فقط وقد تم تحديد عدة مدارس خارج نطاق العمران كمدارس أم السلم والحميديات والحرازات والعين العزيزية وغيرها. وكان ردها عند الاستفسار عن سبب تغيير الاستمارات انه لا توجد اماكن شاغرة إلا في هذه المناطق. واضافت مدعية بأن مركزنا يتبع للجنوب الغربي وعلى ذلك لنا ان نختار ضمن نطاق المركز. أي ان كل الوعود السابقة ليس لها أساس. (لقد تبخرت وعودهن كمياه جدة) كيف يتم تصنيف مركزنا ضمن نطاق الجنوب الغربي في الوقت الذي لا يوجد في جدة اصلاً سوى مركزين؟!!
والآن وقد انتهت السنة الدراسية.. لا نعلم مصيرنا أين سيكون مقر عملنا للعام القادم؟؟؟ اسئلة لا نجد من يجيب عليها.. ولكم ان تتخيلوا مدى خيبة الأمل والحيرة والاحباط التي اصابتنا من وراء ذلك، الا يكفينا وجعاً ان يغلق مقر عملنا الذي امضينا بين ممراته وحجراته اكثر مما امضينا مع اهلنا؟ لقد قاربنا من سن التقاعد وتخرج على ايدينا دفعات من الطالبات المبدعات في فن الخياطة والتطريز وتصميم الازياء وفنون الرسم وغيرها من المواد المهنية.. تخرج على ايدينا من اصبحن معلمات وسيدات اعمال وصاحبات مصانع للخياطة.
ولم تنته المأساة بعد فعندما ابدينا امتعاضنا قوبلنا بفظاظة مع الأسف من جميع العاملات في شعبة الاختيار والتوزيع وشعبة الحركة وبلغ الاستهتار بمطالبنا حداًً جعل رئيسة الشعبة تقفل باب مكتبها في وجوهنا وترفض مجرد مقابلتنا متعللة بأن اجراءات النقل تتم من خلال الكمبيوتر. حسناً أليس من حقنا أن نطلع على المعايير والآليات والبيانات المدخلة في هذا الجهاز المسكين؟».
أول ما خطر لي حالما انتهيت من قراءة الرسالة أن أرد عليها بقول الشاعر:
لقد اسمعت لو ناديت حياً
ولكن لا حياة لمن تنادي
ولكن لا أريد أن أقوم بمرافعة ضد ادارة مركز الاشراف لكنني اتمنى عليها الا تتجـاهل هذه المعاناة وتحولها الى نص مكتوب وحسب. واتمنى أولاً ان تقلب الطاولة وتدحض ظنوننا بحقائق ربما لم يتسن لنا الاطلاع عليها في هذه السطور، ألا تخجل من الاعتذار لهؤلاء المعلمات عن عملية استدراجهن حد المباغتة وعن وأد مذاق الاجازة التي امضينها في سراديب القلق والانتظار؟.
انني لا اشك حتى هذه اللحظة بأن المسؤولات في المركز يدركن بحسهن التربوي أن عواقب مثل هذا التعسف سوف تكون وخيمة لا على المعلمات وحسب بل على الطالبات اللائي هن اهم عناصر البيئة المدرسية. فهناك مساحة واسعة لا لرفع السكين التي توشك ان تحزّ عنق الضحية ولا لتفادي وقوع الضيم بل حتى لمكافأة زميلات بقين يحرثن في ألم المهنة ومتاعبها ربع قرن في الوقت الذي تحظر الواسطة على معلمات مستجدات مدللات مرور اسمائهن على الكمبيوتر المفترى عليه.
أليس كذلك يا مركز إشراف جدة؟!
19:34 | 30-07-2006