طرحت قناة الاخبارية في برنامج «دوائر» سؤالاً عريضاً في غاية الأهمية حول أسباب سلبية الأجهزة الحكومية في تعاطيها مع وسائل الإعلام عموماً وعزوفها عن التفاعل مع نزيف الحبر الذي تضخه الصحافة يومياً بشكل خاص.
لماذا يضيع صوت المواطن سدى والى متى يبقى كل ما يكتب من نقد ويثار من اسئلة في نظر بعض المسؤولين حبراً على ورق بالمعنى الحرفي للكلمة؟ هل يعبر هذا الموقف عن اولئك البعض عن الاستخفاف بهواجس المواطن بسبب طمأنينته الى غياب المحاسبة؟ ام انه يمثل الوجه الآخر لجهل بعض المسؤولين بدور الصحافة ام ان المسؤول يتعمد الانسحاب من الاشتباك مع صوت الناس مكتفياً بالبقاء في المدرجات لأنه يدرك ان التصدي له سوف يجره الى فضائح يؤثر السكوت عنها؟؟
كل هذه احتمالات ممكنة ومهما تعددت الذرائع يبقى السؤال الآن اكثر الحاحاً وسخونة بعد صدور التوجيه الملكي بضرورة التجاوب مع وسائل الإعلام وهو توجيه ينطوي على وعي القيادة بالدور الذي يلعبه الاعلام وهي فرصة يتوجب على الوسائل الاعلامية ان تستثمرها كاستحقاق طال انتظاره وان تتحول الى سلطة رابعة تعمل على قدر عال من المسؤولية المهنية ويتعين عليها في المقابل ان تتأهل لأداء دورها الجديد بعيداً عن الدور التقليدي الذي حولها طوال عقود الى صحافة شائعات انحدرت الى الحد الذي ازاح كلام الجرائد من وظيفته الحقيقية الى مرادف للتلفيق والأكاذيب وهنا سوف ترفع النعامة رأسها قسراً عن الرمل.
وثمة معادلة غير متكافئة على الاطلاق بين ما يتوقعه الانسان من الصحافة وبين المسؤول الذي لا يستنكف من قلب الصفحة بدون أي شعور بوخزة ألم إزاء صرخة يفجرها الشعور بالغبن، وأجزم لأكثر من سبب بأن قطاع تعليم البنات على وجه الخصوص أكثر الجهات التي تتجلى فيها هذه المعادلة واذا كانت الرئاسة العامة لتعليم البنات قد أصبحت في سلة محذوفات الذاكرة فإن ارشيف النقمة على الصمم العضال الذي كانت تعاني منه سيبقى طويلاً ما لم تتدارك وكالة وزارة التربية تصفية هذه التركة بما يكفل للمرأة العاملة حقوقها.
مناسبة هذا الكلام ليست في موضوع البرنامج ولكن في تزامنه بمصادفة غير مرتبة مع رسالة تلقيتها من معلمات ومدربات ومساعدات مدربات مركز التدريب المهني بجدة ولأنها رسالة لا تحتاج الى وسيط بقدر ما تؤكد ثقة الانسان بأن الاعلام هو الجدار الأخير الذي يلجأ اليه اعرضها لتشاركوني محاولة حل فوازيرها الغامضة:
«إننا نعمل في التعليم المهني الذي هو شعبة تتبع للرئاسة العامة لتعليم البنات منذ اكثر من ربع قرن منذ ان كانت مدارس جدة خالية من المعلمات السعوديات. وقتها تركنا تلك المدارس التي بجوار سكننا واتينا الى التعليم المهني من اقاصي جدة شمالاً وجنوباً شرقاً وغرباً. وقتها كان المركز في حي المكرونة ثم تم نقله الى حي الشرفية وبالتالي تبعناه دون اعتراض حيث انه المركز الوحيد للتعليم المهني ولقد امضينا سنوات خدمتنا خلاله وبذلنا قصارى جهدنا في تدريب طالبات ومعلمات والحمد لله توالت نجاحات التعليم المهني منذ ذلك الحين حتى الآن.. والان ضم التعليم المهني للمؤسسة العامة للتعليم الفني والتدريب المهني واقتضى ذلك اغلاق المراكز التابعة لوزارة التربية والتعليم وتوزيع المعلمات والمدربات ومساعدات المدربات على مدارس التعليم العام بجدة. بعدها طلب منا من قبل شعبة الاختيار والتوزيع باشراف جدة تعبئة استمارات نقل داخلي تنص على رغبتنا الشخصية في النقل وليس من اجل اغلاق المركز.. وعند استفسارنا عن السبب كان رد رئيسة شعبة الاختيار والتوزيع انها اوراق رسمية روتينية وامتثلنا ووقعنا على التعميم بعد ان سمعنا من رئيسة شعبة الاختيار والتوزيع ورئيسة الحركة ومنينا منهما بوعود كثيرة مفادها ان لنا الأولوية في النقل ولكل منا اختيار المكان الذي ترغب في النقل إليه ولكل منا اختيار المدرسة التي بجوار سكنها تقديراً لجهودنا وما قدمناه للتعليم المهني وسوف تلبى طلباتنا فور تسجيلها نظراً لكون المركز اغلق لظروف خارجة عن ارادتنا.
ولم نكن نعلم بأن هذا هو الفصل الجميل في تمثيلية نحن ضحاياها حيث فوجئنا (وهنا بدأ الفصل الثاني) بعد فترة بطلب استدعاء من قبل مديرة شعبة الاختيار والتوزيع بإشراف جدة، من اجل تعبئة استمارات جديدة لمدارس جنوب جدة فقط وقد تم تحديد عدة مدارس خارج نطاق العمران كمدارس أم السلم والحميديات والحرازات والعين العزيزية وغيرها. وكان ردها عند الاستفسار عن سبب تغيير الاستمارات انه لا توجد اماكن شاغرة إلا في هذه المناطق. واضافت مدعية بأن مركزنا يتبع للجنوب الغربي وعلى ذلك لنا ان نختار ضمن نطاق المركز. أي ان كل الوعود السابقة ليس لها أساس. (لقد تبخرت وعودهن كمياه جدة) كيف يتم تصنيف مركزنا ضمن نطاق الجنوب الغربي في الوقت الذي لا يوجد في جدة اصلاً سوى مركزين؟!!
والآن وقد انتهت السنة الدراسية.. لا نعلم مصيرنا أين سيكون مقر عملنا للعام القادم؟؟؟ اسئلة لا نجد من يجيب عليها.. ولكم ان تتخيلوا مدى خيبة الأمل والحيرة والاحباط التي اصابتنا من وراء ذلك، الا يكفينا وجعاً ان يغلق مقر عملنا الذي امضينا بين ممراته وحجراته اكثر مما امضينا مع اهلنا؟ لقد قاربنا من سن التقاعد وتخرج على ايدينا دفعات من الطالبات المبدعات في فن الخياطة والتطريز وتصميم الازياء وفنون الرسم وغيرها من المواد المهنية.. تخرج على ايدينا من اصبحن معلمات وسيدات اعمال وصاحبات مصانع للخياطة.
ولم تنته المأساة بعد فعندما ابدينا امتعاضنا قوبلنا بفظاظة مع الأسف من جميع العاملات في شعبة الاختيار والتوزيع وشعبة الحركة وبلغ الاستهتار بمطالبنا حداًً جعل رئيسة الشعبة تقفل باب مكتبها في وجوهنا وترفض مجرد مقابلتنا متعللة بأن اجراءات النقل تتم من خلال الكمبيوتر. حسناً أليس من حقنا أن نطلع على المعايير والآليات والبيانات المدخلة في هذا الجهاز المسكين؟».
أول ما خطر لي حالما انتهيت من قراءة الرسالة أن أرد عليها بقول الشاعر:
لقد اسمعت لو ناديت حياً
ولكن لا حياة لمن تنادي
ولكن لا أريد أن أقوم بمرافعة ضد ادارة مركز الاشراف لكنني اتمنى عليها الا تتجـاهل هذه المعاناة وتحولها الى نص مكتوب وحسب. واتمنى أولاً ان تقلب الطاولة وتدحض ظنوننا بحقائق ربما لم يتسن لنا الاطلاع عليها في هذه السطور، ألا تخجل من الاعتذار لهؤلاء المعلمات عن عملية استدراجهن حد المباغتة وعن وأد مذاق الاجازة التي امضينها في سراديب القلق والانتظار؟.
انني لا اشك حتى هذه اللحظة بأن المسؤولات في المركز يدركن بحسهن التربوي أن عواقب مثل هذا التعسف سوف تكون وخيمة لا على المعلمات وحسب بل على الطالبات اللائي هن اهم عناصر البيئة المدرسية. فهناك مساحة واسعة لا لرفع السكين التي توشك ان تحزّ عنق الضحية ولا لتفادي وقوع الضيم بل حتى لمكافأة زميلات بقين يحرثن في ألم المهنة ومتاعبها ربع قرن في الوقت الذي تحظر الواسطة على معلمات مستجدات مدللات مرور اسمائهن على الكمبيوتر المفترى عليه.
أليس كذلك يا مركز إشراف جدة؟!
كمبيوتر مركز الإشراف بجدة
30 يوليو 2006 - 19:34
|
آخر تحديث 30 يوليو 2006 - 19:34
تابع قناة عكاظ على الواتساب