أخبار السعودية | صحيفة عكاظ - author

https://cdnx.premiumread.com/?url=https://www.okaz.com.sa/okaz/uploads/authors/294.jpg?v=1762092635&w=220&q=100&f=webp

محمد مفتي

سوريا إلى أين؟!

عقب سقوط نظام الأسد الذي جثم على صدور السوريين لعقود طويلة، شهدت سوريا بزوغ فجر عصر جديد تحت قيادة جديدة آمل فيها السوريون كثيراً في أن تخرجهم من عقود من الحكم السياسي القاسي، والذي حرموا فيه من أبسط حقوقهم المشروعة، ولهذا مثّلت لحظة سقوط نظام الأسد علامة بارزة ولحظة فارقة في تاريخ سوريا الحديث، وخلال هذه اللحظة التاريخية الفارقة تطلّع كافة السوريين والشعوب العربية لولادة حقبة تاريخية جديدة في سوريا، يعاد فيها تشكيل الدولة، وذلك لبناء سوريا لكافة السوريين دونما تمييز، ولمنع أي فصيل أياً كان انتماؤه من حمل السلاح، والانضواء تحت سلطة دولة واحدة مركزية تسعى لحماية حقوق الشعب السوري وتحافظ على وحدة أراضيه وحماية موارده ومقدّراته.

من المؤكد أن الشعب السوري عانى لسنوات طويلة من القتل والعنف والتهجير والانقسامات المتعددة التي أجّجتها بعض الأطراف والقوى الخارجية، ووجدت لها صدى عند بعض الجماعات والفصائل السورية المسلحة، وسوريا الآن لم تعد لتتحمّل المزيد من الحروب والحركات الانفصالية والانقسامات، كما أن معاناتها بلغت المدى بحيث لم تعد قادرة على خوض مغامرات سياسية جديدة، لهذا مع صعود الرئيس أحمد الشرع للحكم ومحاولته فرض السلام والاستقرار في كافة ربوع سوريا، تمنى السوريون أن يعمّ الهدوء والاستقرار ربوع وطنهم.

لم يكن أمام حكومة الشرع منذ بدء تسلمها السلطة إلا الشروع في محاولة بناء أجهزة الدولة وإعادة بناء الثقة بين المواطن وبين مؤسسات الدولة ومحاولة تحقيق الأمن والاستقرار في كافة ربوع سوريا وعلى كافة أراضيها، وهي ليست بالمهمة السهلة، أما التحدي الأكبر فهو تلك الجماعات التي فقدت امتيازاتها التي كانت تقتات عليها بسبب الحرب في سوريا، والتي وقفت بغاية العناد ضد محاولات الانضواء تحت سلطة حكومة سورية موحدة، بل وشرعت في بث الفرقة وزعزعة الاستقرار واستهداف المواطنين لنشر الفرقة وتأجيج الطائفية.

لا شك أن ما كانت تسعى له قوات سوريا الديموقراطية -قسد- كان يهدف لإبقاء سوريا ممزقة على المدى الطويل، فالتصعيد العسكري الذي تسعى إليه ليس أكثر من طعنات نافذة في جسد الوطن المثقل فعلياً بالجراح، فسوريا بعد صراعاتها المريرة أبعد ما تكون في حاجة لمشاريع انفصالية جديدة، فسوريا كانت وستظل دولة موحدة ولا يمكن أن يتم تقسيمها لدويلات ممزقة تحت أي مسمى.

ما تسيطر عليه قسد كان ولايزال جزءاً لا يتجزأ من أرض سوريا، وأرض سوريا للسوريين جميعاً وليست ملكاً لفصيل أو طائفة أو قوة عسكرية مسلحة بعينها، وليس من حق أي طرف أن يدعي أنها حقه وحده دوناً عن بقية السوريين، فسوريا دولة واحدة مستقرة ومركزية، ينعم أبناؤها بالوحدة والاستقرار، ولا شك أن السوريين جميعهم يرفضون المساس بوحدة بلادهم وضد أي مشاريع للانقسام والانفصال، فهم ضد قيام دويلات ممزقة داخل كيان دولتهم، كما أن ذاكرة الحرب الأهلية لا تزال حاضرة في قلب وعقل كل مواطن عانى ولايزال يعاني من ويلات تلك الحرب.

في ظل المرحلة الدقيقة التي تمر بها سوريا اليوم يتعين على الشعب السوري أن يدرك أن الصراعات لن تؤدي إلا إلى المزيد من الصراعات، وأن هذه الصراعات وعدم الالتفاف حول القيادة الحالية قد يعيد للمشهد فلول الأسد، لذلك ليس أمام سوريا الآن سوى طريق واحد، وهو أن يلتف جميع أبناء الشعب السوري حول قيادته الجديدة التي أثبتت حسن النوايا وبرهنت على سعيها المستمر لإنقاذ سوريا من التمزق، وإعادة بناء الوطن وفقا لأجندة وطنية جامعة تعيد الدولة السورية باعتبارها مظلة لجميع أبناء الشعب دون تفرقة، ولعل اتفاق وقف إطلاق النار بين قسد وبين الحكومة السورية والذي تم توقيعه مؤخراً يعد نقطة تحول تاريخية تعيد بارقة الأمل للسوريين، لأن وحدة الصف الداخلي تمثل اليوم صمام الأمان لعبور هذه المرحلة الحساسة من تاريخ سوريا.

00:02 | 23-01-2026

طعنة في البحر الأحمر..!

على الرغم من أن إقليم أرض الصومال أعلن انفصاله عن الدولة الأم منذ أكثر من ثلاثة عقود، إلا أنه لم يحظَ بأي اعتراف دولي من أي طرف أو من قبل أي دولة، إلى أن اعترفت به إسرائيل مؤخراً في خطوة مريبة ومثيرة للشكوك، ويأتي هذا الاعتراف الإسرائيلي الخارج عن المألوف في الدبلوماسية السياسية تأكيداً على إصرار إسرائيل على أن تظل شوكة في خاصرة المنطقة العربية والشرق أوسطية، وتحدياً لكافة دول المنطقة في وقت يشهد الكثير من الأزمات والتوترات.

ولعله غني عن القول الإشارة إلى ما يتمتع به إقليم أرض الصومال من مزايا استراتيجية عظيمة، فالإقليم الذي يتمتع بموقع جغرافي مميّز يطل على خليج عدن ومضيق باب المندب الذي يعد أحد أهم الممرات التجارية في العالم وشريانها البحري فائق الأهمية، يعد أحد منافذ التجارة العالمية التي تتنافس العديد من الأطراف على السيطرة عليها، ومما لا شك فيه أن تعزيز الحضور الإسرائيلي البحري والاستخباراتي في تلك المنطقة وفي محيط البحر الأحمر تحديداً سيمثل أهمية بالغة لإسرائيل.

من المؤكد أن هذه الخطوة الإسرائيلية الأحادية التي لم تشترك معها فيها أي دولة أخرى بالعالم تأتي في وقت دقيق يتزامن مع العديد من الأحداث الصعبة التي مرت بها المنطقة مؤخراً، فإسرائيل التي غدت تعاني من عزلة سياسية وتصاعد الرفض حولها من العديد من الدول والكثير من الشعوب حول العالم، غدت بحاجة ماسة لتعزيز وجودها السياسي والدبلوماسي حتى لو اقتضى الأمر منها الاعتراف بدولة أعلنت انفصالها منذ ما يزيد على العقود الثلاثة، وهو نهج إسرائيلي معتاد يعكس أجندتها الأنانية في التعاطي مع الأزمات ويجسّد توظيفها للأزمات الإقليمية لخدمة مصالحها الضيقة، وذلك على حساب استقرار الدول ووحدة أراضيها ومصالح شعوبها، فهذا الاعتراف الذي قد يكون على حساب تهجير بعضٍ من سكان غزة أو سبباً لإقامة قواعد عسكرية إسرائيلية على أراضي الإقليم، قد يعزّز من النفوذ الإسرائيلي في محيط البحر الأحمر ويوجِد لإسرائيل موطئ قدم في هذا الممر التجاري شديد الأهمية.

لا تهتم إسرائيل كعادتها بنظرة بقية دول العالم لها كدولة مشاكسة متمردة لا يهمها قتل أكبر عدد ممكن من البشر دونما تحفظ وبدم بارد، غير أن سياستها بالغة الأنانية في توظيف كافة القضايا لخدمة مصالحها الشخصية الآنية اتضحت في اعترافها بإقليم أرض الصومال، وهو ما يبرهن طيلة الوقت على أن إسرائيل ما هي إلا كيان شرس لا يفقه ولا يكترث من الأساس بالتوجه العالمي ولا بالقوانين الدولية التي تضع في أولى أولوياتها احترام سلامة أراضي الدول واستقلالها السياسي.

وبخلاف ذلك لا تعبأ إسرائيل بأن تكون هي صاحبة الطعنة في محيط البحر الأحمر، فاعترافها بإقليم أرض الصومال يعرّض المنطقة طيلة الوقت لأن تسقط في حالة من التوتر وعدم الاستقرار ويحيلها لبؤر صراع قد لا تندمل، ولا يخفى على أي متابع ما قد تؤول إليه الأحوال لو انفجرت الأوضاع في تلك المنطقة الحسّاسة، وهو ما سيفتح الباب واسعاً أمام المزيد من تفكك المنطقة ونهب ثرواتها وضياع شعوبها.

ولعل أخطر ما يتعلق بقضية اعتراف إسرائيل بإقليم أرض الصومال هو الموقف الأمريكي المتردد للرئيس ترمب الذي لم يعلن موقف الولايات المتحدة بشكل صريح من تلك الأزمة السياسية الجديدة المفتعلة في الجزء الشرقي من القارة الأفريقية، فهو لم يرحّب بالاعتراف بها، غير أنه لم يحسم رفضه للاعتراف بها أيضاً، فاتحاً الباب واسعاً لاتخاذ موقف قد يصب في مصلحة إسرائيل وينحاز لها كما يحدث في أغلب الوقت، ولا شك أنه في حالة الاعتراف الأمريكي باستقلال الإقليم فإن ذلك سيفتح باب الفتن على مصراعيه لاشتعال الأزمات في العديد من دول المنطقة، فعقب الاعتراف الأمريكي بالإقليم قد تتسابق الكثير من الدول للاعتراف به، وهو ما يعني حرباً في المنطقة قد تظل مستمرة لعقود طويلة قادمة.

الاعتراف الإسرائيلي بإقليم أرض الصومال ليس بالشيء غير المتوقع، بل هو نهج إسرائيلي معتاد تبرزه الأزمات فحسب أكثر وأكثر، فإسرائيل تبحث لنفسها دوماً عن موطئ قدم داخل المناطق الهشة عبر مفهوم الصيد في الماء العكر، فهي تفضل الاستثمارات في الفراغات السياسية وداخل الدول المأزومة، لهذا يتحتم علينا جميعاً إدراك كافة دلالات هذا الاعتراف المريب، فالمنطقة لا تزال تعاني من الكثير من الجراحات والحروب، كما أن التحكّم في منطقة البحر الأحمر يعكس في جوهره القدرة على التحكّم في واحدة من أهم الطرق الاستراتيجية بالعالم كله، وهو ما يعني أن تستمر المنطقة في الغليان لفترة طويلة.

23:56 | 15-01-2026

قضية حضرموت

لعله مما لا جدل فيه أن اليمن تمثّل للمملكة العربية السعودية أهمية بالغة إذ تعدّ لاعباً أساسياً في معادلة الأمن القومي السعودي، ولا تحكم العلاقات السعودية اليمنية الحدود الجغرافية فحسب، بل تتشابك مصالح البلدين السياسية والأمنية على نحو لا يمكن تجاهله أو استبعاده، وقد شهد اليمن الكثير من التطوّرات المتلاحقة خلال العقود الأخيرة الماضية وعانى الكثير من دعوات انفصال جنوب اليمن ومحاولة سيطرة الحوثي على مقاليد السلطة في الدولة، كما واجهته العديد من الأزمات، التي كان سببها التدخل الخارجي في شؤونه الداخلية، وخلال ما يقرب من شهر ضربت اليمن أزمة سياسية وعسكرية وأمنية جديدة بسبب موقف المجلس الانتقالي اليمني الذي يرغب في فصل جنوب اليمن عن شماله.

لا تمثّل اليمن أهمية بالغة للمملكة العربية السعودية فحسب، بل تكتسب أهميتها الإقليمية والدولية من عوامل عديدة لعل أهمها موقعها الاستراتيجي المتمثل في إشرافها على واحد من أهم الممرات الملاحية الدولية بالعالم وهو مضيق باب المندب، الذي يمثّل الشريان الرئيسي لممرات التجارة العالمية، لذلك فإن كل ما يحدث في اليمن يؤثر على المجال الأمني والسياسي والعسكري والاقتصادي للبحر الأحمر، وهو ما تنعكس تداعياته على كافة دول العالم.

غير أنه لا يمكن بحال من الأحوال دعم الاستقرار في اليمن دون أن تحظى بحكومة قوية ومستقرة، ولهذا يعد دعم الحكومة الشرعية المعترف بها دولياً ركيزة أساسية وحلّاً وحيداً للوصول لحل سياسي مستدام في اليمن، فالحكومة الشرعية المعترف بها دولياً هي الإطار السياسي والقانوني الوحيد الذي يمكنه تمثيل الدولة اليمنية بكل مقوّماتها وطوائف شعبها، ومن هنا نبع الدعم القوي من المملكة للحكومة الشرعية في اليمن، وهي الطرف الوحيد القادر على الحفاظ على مؤسسات الدولة وتحقيق الاستقرار وحماية حقوق كافة المواطنين اليمنيين.

لا شك أن العناصر والأطراف التي تسعى لتقويض دعائم الدولة في اليمن كثيرة ومتعدّدة، فالكل يدرك الأهمية الكبيرة التي تحتلها اليمن سواء على الصعيد الجغرافي أو السياسي، ولعله من الواضح للعيان كمية الأخطار التي سوف تحدق بالعالم في حال سيطرة الجماعات المتطرفة أو الإرهابية عليها وعلى الممرات الملاحية المهمة التي تطل عليها، وبالتالي على التجارة العالمية ولاسيما إمدادات الطاقة حول العالم، ومن هنا يكتسب اهتمام المملكة بما يدور في اليمن أبعاداً جديدة ومهمة، فالتحالف الذي تقوده السعودية هدفه حماية الدولة من الانهيار وتفككها وتحوّلها لكيانات صغيرة متناحرة.

وفي خضمّ محاولات رأب الصدع داخل الدولة اليمنية التي تعاني من الأساس من مشاكل كثيرة، وخلال السعي الحثيث لمحاولة بسط الاستقرار فيها، يظهر المجلس الانتقالي اليمني ليطرح مشروعاً انفصالياً يدعو لتقسيم اليمن، وفي واقع الأمر لا يحتاج اليمن دعوات انفصالية لن يحصل منها إلا على المزيد من التفكك والانقسام، ولا شك أن انقسام الدول هو واحد من أسوأ الكوابيس التي قد تمر على أي دولة، ذلك أنه يفتح الباب على مصراعيه لحروب طويلة قد لا تنتهي.

وفي الوقت الذي تسعى فيه كافة الدول -سواء قديماً أو حديثاً- لعودة أقاليمها المنفصلة عنها وتوحيدها وبسط سيطرتها على كافة أراضيها التاريخية بل وضم مناطق أخرى لها في حال تشاركها معها اللغة أو التاريخ أو الجغرافيا أو الدين، تظهر دعوات المجلس الانتقالي اليمني مثيرة للريبة والشكوك، ولاسيما وهو يستخدم السلاح لفرض أجندته على الواقع في اليمن بطريقة تعسفية، وتأتي استضافة المملكة العربية السعودية لمؤتمر الجنوب في الرياض تأكيداً على رغبتها في احتواء الأزمة ودعوة كافة الأطراف إلى الحوار.

لا شك أن إدراك المملكة لهذا الموقف الخطير الذي يحيط باليمن هو السبب الأساسي لسعيها لإنقاذه، فلو غضّت المملكة الطرف عمّا يحدث في اليمن، وتجاهلت ما يحدث لجر اليمن لمستنقع الانقسام والتفكك، فإن ذلك سيكون له العديد من التداعيات الأمنية على المملكة وعلى المنطقة كلها، وسيفتح الباب على مصراعيه لأي طرف يريد العبث بأمن الدول الآمنة والمستقرة، وما لا شك فيه أن علاقة المملكة العربية السعودية باليمن ليست ملفاً عابراً أو اهتماماً عشوائياً، بل هي قضية استقرار إقليمي ومصير مشترك، ودون جدال يعد دعم الشرعية في اليمن ممثلاً في مساندة الحكومة المعترف بها دولياً هو الطريق الوحيد لدعم وحدة اليمن والحفاظ على حقوق شعبه.

00:00 | 9-01-2026

حدث خلال عام!

ها هو عام 2025 قد انقضى فاتحاً الأبواب على مصراعيها لقدوم عام جديد وأحداث جديدة، ومن الجلي أن هذا العام لم يخل من العديد من الأحداث الجسام ولاسيما تلك التي اجتاحت منطقتنا العربية والشرق أوسطية، كما أثّرت على المنطقة العديد من الأحداث العالمية التي كان لها أثر على العديد من دولها سواء بالسلب أو الإيجاب، وقد خاضت بعض دول المنطقة حروباً في الوقت الذي نعمت فيه دول أخرى بالأمن والسلام.

من المؤكد أنه من الصعب بمكان تتبع كافة الأحداث التي دارت في العالم، أو حتى تلك التي ألمّت بمنطقتنا خلال هذا الحيّز المحدود، غير أن هناك العديد من الأحداث التي يصعب تجاهلها لقوة تأثيرها على كافة دول العالم والمنطقة، لعل أهمها بالقطع الفترة الرئاسية الثانية للرئيس الأمريكي دونالد ترمب التي بدأت مع بداية العام الماضي وتعد أبرز أحداث عام 2025 إثارة للجدل، فعودة ترمب لم تكن مجرد إعادة انتخاب لرئيس أمريكي عادي، بل اعتبرت مرحلة جديدة لعصر القوة الأمريكي الذي لم تعد تبالي فيه الولايات المتحدة إلا بمصالحها المباشرة، وفي تحوّل جذري لسياسات الولايات المتحدة التي انتهجها الرؤساء الأمريكيون السابقون، نجد ترمب يقف في منعطف وحده ليعيد تشكيل السياسات الأمريكية بنهج متشدّد، شمل العديد من السياسات مثل سياسة الهجرة والتحالفات الدولية والاقتصاد العالمي.

من المؤكد أن سياسة ترمب ليست شأناً أمريكياً داخلياً فحسب، بل أثرت على كافة دول المنطقة بشكل جذري، فما يحدث ويحدث في الداخل الأمريكي يؤثر على كافة دول العالم بشكل مباشر وغير مباشر أيضاً، وما تقوم به الولايات المتحدة يمثّل رسالة واضحة لكافة دول العالم بأن التحالفات القديمة والمبنية على أسس لا تمس المصالح الأمريكية لم يعد لها وجود في عالم السياسة الأمريكية بعد الآن، وهو ما يلزم بقية دول العالم بتغيير سياساتها هي الأخرى على وجه السرعة لتتناسب مع الوضع السياسي الجديد.

ولا يمكننا بطبيعة الحال أن نتناول أهم أحداث عام 2025 دون أن نعرّج على أهم حدث عربي ألمّ بمنطقتنا وهو نهاية حرب غزة، والتي لم تؤثر على مليوني إنسان فحسب هم عدد سكان القطاع، بل أثّرت على الضفة الغربية وعلى لبنان وسوريا وإيران أيضاً، فلا شك أن أحداث السابع من أكتوبر لم تكن مجرد حدث عابر للمقاومة الفلسطينية، فتلك الأحداث دفعت إسرائيل بالفعل لشن حرب عنيفة على عدة جبهات بهدف محاصرة حماس واقتلاع سلاحها، غير أنه من المرجح أن تكون تلك الأهداف المعلنة قد أضمرت الكثير من النوايا والأهداف الأخرى مثل تهجير سكان غزة وفرض سيطرة إسرائيل على أراضي الضفة الغربية، وقد خاضت إسرائيل حرباً شعواء ضد فصائل المقاومة الفلسطينية على مدار عامين قتلت خلالهما عشرات الآلاف من المدنيين العزل في قطاع غزة، وجرحت أعداداً مضاعفة منهم، بخلاف تدميرها الكامل للبنية التحتية في القطاع من مدارس ومستشفيات وطرق ومبانٍ سكنية، وهو ما أدّى لنشوب واحدة من أقسى المآسي الإنسانية في التاريخ الحديث.

أما الحرب في السودان فتعد هي الأخرى واحدة من أكثر الأحداث الملتهبة في عام 2025، فتلك الحرب الأهلية التي طال أمدها أتت على الأخضر واليابس في ذلك البلد المنهك أصلاً، وأدّت لمقتل الألوف من الأبرياء ونزوح الملايين منهم للدول المجاورة هرباً من نيران تلك الحرب المشتعلة، وتعد الأزمة في السودان من أكثر الأزمات حزناً حيث لم تعد الصحف والمواقع الإخبارية تبالي بما يحدث من قتل وتشريد وانتهاك لحقوق المدنيين فيها، فقد غدت الأزمة حدثاً يومياً معتاداً لا يهتم أحد بمطالعته أو الاهتمام بضحاياه، وذلك على الرغم من المجازر التي تقوم بها مليشيات الدعم السريع والتي يندى لها الجبين.

انتهى أخيراً عام 2025 بكل مرارة وقسوة تفاصيله، غير أن غالبية أحداثه لم تنتهِ بانتهائه، فالكثير من الأزمات لا تزال مرشحة للانفجار والاستمرار في عام 2026 أو ربما في الأعوام التالية أيضاً، فهناك الكثير من الأطراف التي تنفخ في فتيل الأزمات ولا ترغب في انطفائها، وكل ما نرجوه هذا العام أن يدرك العالم أن الحروب لا تحل الصراعات ولا تفك النزاعات، فكافة أطراف الحرب خاسرون مهما بدا أن طرفاً منهم قد فاز بالفعل، فالحروب ليست نزهة، كما أن آثارها السلبية لا تختفي بين عقد وآخر بل قد يطول أمدها لأجيال تأتي بعدها أجيال، وكل ما نأمله في العام الجديد أن يعيد كافة أطراف الصراعات حساباتهم مرة أخرى، فالسلام هو السبيل الوحيد لتحقيق الازدهار وأفضل كثيراً من من خوض الصراعات المدمرة.

00:01 | 2-01-2026

صنع في السعودية

في الوقت الذي بدأت فيه الكثير من دول العالم التوجه نحو دعم قطاع الخدمات كأحد أهم القطاعات المؤثرة في اقتصادها الوطني، لم تغفل المملكة أهمية القطاع الصناعي ودوره في هيكلة الاقتصاد ومده بأهم روافده الحقيقية، وقد اختتم قبل أيام معرض «صنع في السعودية» والذي حظي بمشاركة واسعة من العديد من الجهات الحكومية والقطاع الخاص معاً، وأسفر عن توقيع العديد من الاتفاقات ومذكرات التفاهم التي عقدت بين عدد من الجهات الحكومية والشركات المحلية والدولية.

مما لا شك فيه أن الاقتصادات القوية لا تعتمد على وفرة الموارد أو تميّزها فحسب، بل على القدرة على تحويل هذه الموارد إلى قيمةٍ مضافة تُسهم في زيادة الاستقرار وتقدم الدولة ورفاهية مواطنيها، ومن هنا تبرز أهمية المفهوم الذي يعتبر الصناعة هي العمود الفقري للاقتصاد الوطني، ومن المؤكد أن كل منتج يحمل عبارة «صُنع في السعودية» هو حصيلة منظومة متكاملة من التخطيط، والتعليم، والجودة، وشاهد على أن العمل لم يعد ارتجالًا، بل ممارسة واعية تستند إلى رؤية طويلة المدى.

وكلما اتسعت القاعدة الصناعية في دولة ما، ازدادت قدرتها على التحكم في مسارات نموها، ومما لا شك فيه أن الصناعة لها دور محوري في تنويع مصادر الدخل، فهي تحرر الاقتصاد الوطني من الارتهان لقطاع واحد، وتفتح آفاقًا أوسع للاستثمار والتشغيل، والصناعة لا تخلق فرص عمل مباشرة فحسب، بل تولّد حولها منظومة متكاملة من الخدمات، والتقنيات، والمعرفة، ما يعزز الحركة الاقتصادية ويعمّق أثرها في المجتمع.

من المؤكد أن التحوّل الأبرز في التجربة الصناعية السعودية يتمثل في قدرتها على الابتكار، والانتقال من تلبية الحاجة المحلية إلى منافسة المعايير العالمية، فلم يعد المنتج السعودي يطلب القبول في الأسواق، بل يدخلها بثقة تستمد قوتها من جودة التصنيع، ودقة التنظيم، ووضوح الهدف، ولهذا تعد جملة «صنع في السعودية» علامة ثقة، لا شعارًا دعائيًا، وبخلاف ذلك فإن الصناعة تسهم في بناء رأس المال البشري، إذ تفرض على الدول الاستثمار في التعليم والتدريب ونقل المعرفة، فالمصانع الحديثة لم تعد تعتمد على الآلات وحدها، بل أصبحت تعتمد على العقول القادرة على التطوير والابتكار، الأمر الذي يجعل الصناعة مدرسة عملية لتكوين الخبرات الوطنية، وواجهة حقيقية للتقدّم العلمي.

وبتقصي العديد من التجارب الاقتصادية للكثير من الدول يتضح لنا تماماً أن الصناعة هي العمود الفقري الذي يمكّن الدول من السيادة الكاملة على مواردها وحاضرها ومستقبلها، كما أنها صمام الأمام الذي يحميها من التفكك خلال الأزمات التي قد تعصف بها سواء كانت أزمات محلية أو إقليمية ودولية لا يد لها فيها، فالدول التي تهتم بتطوير قطاعها الصناعي نجدها دوماً أكثر قوة من تلك الدول الاستهلاكية التي تعتمد بشكل كامل على الاستهلاك من الخارج، ويعكس الاهتمام بالقطاع الصناعي رؤية حكيمة وطموحة بعيدة المدى لما يجب أن تكون عليه الدولة، فالصناعة هي أداة لتحقيق التنمية المتوازنة داخل البلد، كما أن لها نتائج اجتماعية بالغة الأهمية، فبخلاف إسهامها الواسع في تلبية الاحتياجات المحلية، فإنها تسهم في إضفاء الكثير من الثقة بين المواطن وبين منتجه المحلي، مما يزرع في نفوس المواطنين الاقتناع بأن ما يُصنع محليًا لا يقل جودة عمّا يتم استيراده.

لا شك لدينا في أن دعم الصناعة الوطني لا يقاس بعنصر واحد مثل حجم الإنتاج أو نوعه، بل يقاس بمدى قدرة القطاع الصناعي على الإسهام في بناء اقتصاد أكثر قوة، وهو ما يؤكد قدرة الدولة على تحقيق رؤيتها وأهدافها، فالصناعة هي الطريق الذي تنتقل من خلاله الدول من مربع الاستهلاك لمربع الإنتاج والابتكار، حيث تتكاتف جهود الدولة ومسؤوليها لصناعة ما يليق بها وبمكانتها الدولية ووزنها السياسي والاقتصادي، ومن المؤكد أن علامة «صُنع في السعودية» هي طريق معبد بسواعد الشباب السعودي القادر على البذل والعطاء.

00:03 | 26-12-2025

هل تعود سويسرا الشرق؟!

لطالما كانت لبنان واحدة من أجمل الوجهات السياحية بالمنطقة العربية ومنطقة الشرق الأوسط وأكثرها تميّزاً، وقد دفع مناخها المعتدل الكثيرين لإطلاق لقب سويسرا الشرق عليها بسبب التشابه الكبير في الطبيعة والطقس الرائع بين الدولتين، ما أهّلها لأن تصبح مصدر جذب سياحي ومقصداً للزيارة من السيّاح من كافة دول العالم ولا سيما من مواطني منطقة الشرق الأوسط.

غير أن كل ذلك تغيّر تماماً في منتصف السبعينات عندما عصفت أجواء الحرب الأهلية المدمرة بلبنان، والذي دخل في أتون حرب أهلية طاحنة حتى تسعينات القرن الماضي، وعلى الرغم من انتهاء الحرب الأهلية رسمياً غير أن لبنان ومنذ بداية دخوله في مرحلة الحرب الأهلية وهو يمر بسلسلة من الأحداث المتتالية التي أثّرت على طبيعة الحياة فيه وقوّضت من دعائم استقراره والتي استمرت حتى يومنا هذا. ولعل أبرز الأحداث التي أثّرت بالسلب على استقرار وسيادة لبنان كان التدخل السوري لحزب البعث في شؤونه الخاصة، والذي يعد تدخله في لبنان مرحلة فاصلة حوّلت لبنان لساحة حرب بالوكالة، مما أدخل البلد في حالة من التوتر والاضطراب المستمر.

لا يمكننا بطبيعة الحال تجاهل دور إسرائيل في المعادلة السياسية في لبنان، فقد كانت لبنان من أشد الدول معاناة عقب عملية السابع من أكتوبر في قطاع غزة، حيث استباحت إسرائيل الأراضي اللبنانية على نحو سافر وقامت بالتعدي عليه، وهو ما زاد من معاناة المواطنين، ولعل أسوأ الأزمات السياسية الحالية بلبنان هو وجود ميليشيا مسلحة متمردة ترفض الانصياع والانضواء تحت سلطة الدولة، ومع تزايد وعي القيادة اللبنانية والوعي الشعبي بضرورة توحيد لبنان تحت قيادة وطنية واحدة، تزايدت التحديات داخل لبنان ولاسيما عقب مطالبة الحكومة اللبنانية بقيادة الرئيس عون ورئيس وزرائه نواف سلام بضرورة حصر السلاح في يد الدولة، وإنهاء سيطرة الميليشيات المسلحة أيا كانت، فلا تزال لبنان ترزح تحت وطأة سعي تلك الميليشيات لأن تبقى لها اليد العليا في الشأن اللبناني وتحديد مصيره، غافلين أو متغافلين عن أن هذا السعي لا يراعي مصلحة لبنان ولا مصلحة الشعب اللبناني، وقد كان أحد الأسباب المهمة والجوهرية في عدم استقرار لبنان واضطراب أحواله.

في اعتقادي الشخصي أن تسليم الميليشيات المسلحة لسلاحها والانضواء تحت راية حكومة واحدة هو الخطوة الأولى في مسيرة الإصلاح الوطني في لبنان، فهو بوابة الحماية التي ستمنع أي تدخل خارجي في الشأن اللبناني في الظهور من جديد، مما يسمح ببعض الاستقرار في البلد الذي طالما عانى من ويلات الحرب الأهلية، ومن المؤكد أن استقرار لبنان لا يهم اللبنانيين فحسب، بل سيلقي بظلاله الإيجابية على كافة دول المنطقة واستقرار منطقة الشرق الأوسط بأكملها، فالتوتر والاضطرابات التي تصيب دولة لا تقتصر على حدودها بل قد تمتد آثارها لدول بعيدة لا تجاورها، والتأثيرات التي تؤثر على كافة دول المنطقة قد تكون مباشرة أو غير مباشرة.

تتمتع لبنان بمقوّمات سياحية تؤهلها بالفعل لأن تكون سويسرا الشرق، فهي تطل على ساحل طويل على البحر المتوسط، وهي تستطيع النهوض والعودة لمكانتها السياحية المميّزة التي كانت تحتلها قبل نشوب الحرب الأهلية فيها وتدخل عدد من الدول في شؤونها الخاصة، وهو ما لن يحدث إلا بالتفاف الشعب حول حكومته وحصر السلاح في يد الدولة، وعودة السياحة لسابق عهدها في لبنان يعني استقرار لبنان، وهو ما يعني بدوره عودة ثقة دول العالم فيها، وهو ما ستتم ترجمته في مسارعة دول العالم لدعمه اقتصادياً وتحويله لجهة جاذبة للاستثمارات الخارجية، فأمام لبنان الآن فرصة ذهبية للاستقرار بعيداً عن التدخلات الخارجية.

23:57 | 18-12-2025

الاستقرار في الشرق الأوسط

تعد منطقة الشرق الأوسط واحدة من أهم المناطق التي تتميّز بموقع إستراتيجي متميّز وثروات طبيعية وتنوع ثقافي قلّما يتكرر في منطقة أخرى بالعالم، وهو ما كان أحد العوامل المهمة التي فرضت عليه تحديات كثيرة، وتعد قضية استقرار الشرق الأوسط من أشد القضايا السياسية الدولية تعقيداً على الساحة في عصرنا الحالي، والاستقرار في الشرق الأوسط يعد حجر الزاوية لغالبية التوازنات الإقليمية والدولية، فالمنطقة تربط الشرق بالغرب، وعلى الرغم من سعي الكثير من دول المنطقة لتحقيق الاستقرار، إلا أن الواقع أثبت –للأسف الشديد- أن الكثير من دول المنطقة لا تزال تواجه العديد من التحديات التي حوّلت المنطقة لصفيح ساخن، فعلى المستوى السياسي تواجه بعض دول المنطقة نزاعات داخلية وهو ما يخلق حالة توتر واضطراب مستمر في المنطقة.

وذلك بخلاف الحروب التي اندلعت بين إسرائيل وبعض دول المنطقة مما أدّى لعدم استقرار العديد من دولها، وتلك التي تواجه تحديات داخلية وخارجية مثل قطاع غزة الذي شكّل الاعتداء الإسرائيلي الآثم عليه جرحاً في جسد الأمة العربية، وهذه العوامل أفرزت بدورها تحديات اقتصادية كبيرة، فالدول التي تعاني من صراعات داخلية ومشاكل سياسية خارجية تفشل في تحقيق أي تنمية حقيقية على الأرض، بخلاف تدمير بناها التحتية والأساسية ونزوح مواطنيها منها إلى الدول المجاورة، مما يضعف خططها التنموية ويفاقم من طبيعة أزماتها الاقتصادية.

وعلى الرغم من الثراء الثقافي والفكري في المنطقة إلا أنها شهدت العديد من حركات التطرف الإرهابية المتشدّدة، والتي عصفت بالمنطقة لفترة طويلة من الزمن قبل أن يتم السيطرة عليها لحد كبير، غير أن بعض الدول مثل لبنان واليمن لا تزال تتواجد بها المليشيات المسلحة التي تعرقل من سيطرة الدولة على إدارة شؤون البلاد، وهو ما يؤدي بالتبعية للانفلات الأمني الذي يؤثر بالسلب كثيراً على حياة مواطنيها.

كثيرة هي التحديات التي تواجهها دول منطقة الشرق الأوسط، ومن اللافت الدور الإقليمي الكبير الذي تقوم به دول الخليج لترسيخ الاستقرار في المنطقة بقيادة المملكة العربية السعودية، والتي تقود جهوداً ضخمة ومتعددة المستويات لدعم الاستقرار في المنطقة سواء في لبنان أو اليمن أو سوريا أو السودان، وقد سعت بثقلها السياسي والاقتصادي لإعادة بعض الدول للبيت العربي وللمجتمع الدولي مثل سوريا، والتي سعت لرفع العقوبات عنها ودعم استقرارها والعمل على خدمة مواطنيها بعد عقود من الاستبداد السياسي والحروب الأهلية.

لا شك أن قيام المملكة العربية السعودية بدورها الإقليمي والدولي في دعم الاستقرار بالمنطقة كان له كبير الأثر فيما تتمتع به المنطقة حالياً من استقرار، ولا شك أن الاستقرار لابد أن يعتمد بشكل مباشر على مستوى من الثقة لا يمكن أن يتوفر بدون جهود متوازنة وحاسمة وواعية من طرف يعي جيداً أن استقرار المنطقة هو مفتاح الأمان لانتعاشها اقتصادياً وتمتعها بالأمن والأمان.

منذ أيام قليلة انعقدت قمة مجلس التعاون الخليجي لهذا العام في دولة البحرين الشقيقة، وكان موضوعها هو كيفية تحقيق الاستقرار في منطقة الشرق الأوسط، وقد تم اتخاذ العديد من القرارت المهمة التي تصب جميعها في صالح تحقيق الاستقرار والهدوء في المنطقة وأهمها السودان الذي لا تزال تمزّقه ويلات الحرب الأهلية التي لا تزال تعصف به وبشعبه الأعزل، ومن الملاحظ أنه على الرغم من النجاحات العديدة التي تم تحقيقها بالفعل في المنطقة إلا أن التحديات لا زالت كثيرة ومتعددة، وأهمها استقرار غزة وإقرار حل الدولتين، والحد من الاعتداءات الإسرائيلية على بعض دول المنطقة.

من المؤكد أن تحقيق الاستقرار في منطقة الشرق الأوسط لا يزال يحتاج المزيد من الجهود الدبلوماسية، وعلى الأرض توجد نماذج مشرقة هي دول الخليج، والتي تمكّنت من مواجهة تحدياتها بحزم وحكمة معاً وتمكّنت من توحيد صفوفها وبدء مسيرتها التنموية الخاصة بها، وقد أصبحت واحة للاستقرار والأمان والتطور في المنطقة، لذلك لا تحتاج المنطقة إلا للتماسك والوحدة ونبذ الفرقة والتخلي عن الصراع المسلح، وهي الجهود التي تحتاج لتضافر والتفاف شعبي، وهو الطريق الوحيد الذي يمكن أن يبعد عن المنطقة شبح الحروب والفتنة التي ينفخ فيها البعض، لتتمكن من أن تحتل المكانة الدولية المرموقة التي تستحقها بين بقية دول العالم.

00:04 | 12-12-2025

فلسطين أولاً

يمثل يوم التاسع والعشرين من نوفمبر اليوم العالمي للتضامن مع الشعب الفلسطيني، غير أنه في كل مناسبة تعلن المملكة مراراً وتكراراً عن موقفها الثابت تجاه القضية الفلسطينية وإزاء أبناء الشعب الفلسطيني برفضها القاطع التطبيع مع إسرائيل إلا بعد تطبيق حل الدولتين كمطلب جوهري، كما أن دعم المملكة للقضية الفلسطينية وحرصها على حقوق الشعب الفلسطيني هو الموقف الذي تبنته وتتبناه دوماً القيادة السعودية على مدار عدة عقود، وهو موقف ثابت ومطلق لا يتغيّر بتغيّر الظروف والأحداث، وهو مبدأ ينطلق من الإيمان بحقوق الشعب الفلسطيني في أراضيه التاريخية.

وعلى الرغم من تأكيد المملكة المستمر والقاطع -عبر القنوات الدبلوماسية- التزامها بحل الدولتين كشرط للتطبيع، فقد راهنت بعض المنصات المشبوهة وأصحاب الأقلام المغرضة على تغيّر موقف المملكة خلال زيارة ولي العهد الأخيرة للولايات المتحدة، وقد كان هذا الرهان هو أحد الادعاءات الكاذبة التي سعى هؤلاء المضللون لتوجيهها للنيل من أهمية الزيارة والتقليل من نجاحها، غير أنه خلال القمة تم التأكيد بغاية الحزم والوضوح التزام المملكة الحاسم والقاطع بحل الدولتين، وهو ما رسّخ الاعتقاد بأن المملكة مستمرة في اتباع نهجها الثابت بأنه لا تطبيع مع إسرائيل إلا بعد تطبيق حل الدولتين، وها هي القمة قد انتهت بنجاح لافت دون أن يتزعزع موقف المملكة من هذه القضية، فالمملكة لا ترضى إلا بحل عادل للقضية الفلسطينية يحقق آمال أبناء الشعب الفلسطيني في أن يكون لهم وطن خاص بهم يقع تحت سيادتهم، وما لم يتم تحقّق هذا الشرط فلا تطبيع من أي نوع بين المملكة وبين إسرائيل.

لعله من الغريب أن تراهن تلك الأقلام المغرضة على موقف المملكة من القضية الفلسطينية، فبخلاف المواقف التاريخية للمملكة تجاه القضية الفلسطينية والتي يعرفها الجميع، تعتبر المواقف الأخيرة التي اتخذتها المملكة لمساندة الشعب الفلسطيني في محنته التي اندلعت عقب أحداث السابع من أكتوبر من أقوى المواقف التي تم اتخاذها لدعم القضية الفلسطينية على العديد من المستويات، ولعل أهمها المستوى السياسي والدبلوماسي، بخلاف المساهمات القوية للمملكة على الصعيد الإنساني ومحاولاتها المستمرة لتخفيف عب المعاناة عن أبناء الشعب الفلسطيني ومساعدته بكل الطرق الممكنة.

غير أن المملكة تسعى دائماً لاستشراف المستقبل؛ فهي لا تكتفي بوضع حلول للقضية على المدى القريب، بل تنظر للقضية وتحوّلات مسارها على المدى البعيد، لذا فقد بذلت المملكة الكثير من الجهود لحث العديد من دول العالم على الاعتراف بدولة فلسطين، وهي الجهود الدبلوماسية التي تمّت بالتنسيق مع العديد من الدول الكبرى وأهمها فرنسا بدعم من الرئيس الفرنسي ماكرون، وأسفرت عن الاعتراف بالدولة الفلسطينية من قبل الكثير من دول العالم.

غير أن المنصات المشبوهة التي يتم تمويلها من جهات معادية –ممن تتعيش على فتات المساعدات والتبرعات- تسعى بكل جهدها لإبعاد الأنظار عن كل هذه الجهود الحثيثة والناجحة والمثمرة، وتركز جهودها على التشكيك والكذب وإيغار الصدور والتلاعب بالحقائق وتزييف الكثير منها، وعلى الرغم من انكشاف أكاذيبهم وادعاءاتهم التي يدحضها الواقع على الأرض، نجدهم وبكل وقاحة مستمرين ومصرين على حوك أكاذيبهم التي لا يؤيدها منطق ولا يدعمها واقع، بل وحريصين على إشعال الأجواء وحوك القصص الخيالية الساذجة.

ما تتناوله المنصات المشبوهة التي ثبت بالدليل القاطع -وخاصة بعد أن قامت منصة إكس «تويتر سابقاً» بالكشف عن الدولة التي ينتمي لها صاحب الحساب- يؤكد أنها تدار من خارج المملكة رغم ادعائها بأنها حسابات وطنية، ويعكس في ذات الوقت عن نيتها المبيتة في السعي للتأليب وتزييف الحقائق والتكسب من نشر الشائعات المغرضة، غير أنه على الجانب الآخر يؤكد الواقع الثوابت التي تسير عليها المملكة تجاه القضايا العربية والإسلامية، وهو ما يوضح بدوره سبب امتلاك المملكة هذا الوزن والثقل السياسي والدبلوماسي سواء إقليمياً أو دولياً، ويؤكد أن للمملكة موقفاً ثابتاً لا يتغيّر أبداً.

00:11 | 5-12-2025

كشف المستور!

من المؤكد أن لثورة الاتصالات الحديثة نتائج عديدة ومهمة وجوهرية وذات تأثير مباشر على أفراد المجتمع، غير أن وسائل التواصل الاجتماعي تعد التطوّر الأكثر أهمية، فالجميع يتواصل الآن عبر وسائل التواصل الاجتماعي على اختلاف منصاتها، فتلك المنصات حوّلت العالم لقرية صغيرة يستطيع كل مواطن فيها أن يتواصل مع أي شخص آخر بأي مكان في العالم دونما قيود، مهما تباعدت بينهما المسافات أو حتى سكن كل منهما في قارة تختلف عن الأخرى.

لا شك أن لوسائل التواصل الاجتماعي فوائد عديدة أهمها تمكين كل فرد من أفراد المجتمع من أن يعبّر عن أفكاره، أو يشارك اهتماماته ومفضلاته بين أصدقائه ومجتمعه، ومن الملاحظ أن وسائل التواصل الاجتماعي اكتسبت قوة كبيرة وتأثيراً عميقاً وزخماً غير مسبوق خلال الآونة الأخيرة، فقد تمكّن من خلالها كل فرد ومؤسسة من نشر ما يريده وإيصاله لملايين المتابعين، وقد بدأت أهمية وسائل التواصل الاجتماعي تجذب انتباه الجميع لقوتها المتصاعدة بالغة التأثير، فالكثير من أصحاب الحسابات الشهيرة ما إن يشارك بنشر تغريدة أو صورة أو مقطع مصور حتى نجده وقد حصد آلاف المشاركات والتعليقات وردود الأفعال.

وبطبيعة الحال، مع الانتشار الواسع والمكثف لها في كافة أرجاء العالم بدأت تدريجياً تظهر لها بعض الجوانب السلبية، واتخذها البعض وسيلةً للتأثير المعاكس والمناهض لما هو مفترض لها أن تقوم به، بل اعتبرها البعض وسيلة فعّالة ومناسبة لنشر الأكاذيب أو إطلاق الشائعات أو التحريض الخبيث، فتلك المنصات قد تصعب الرقابة عليها أو الإشراف على محتوياتها، ولاسيما عقب تطوّر بعض التقنيات الحديثة مثل الذكاء الاصطناعي وغيرها من تقنيات سهّلت فبركة الصور والمقاطع المصورة مما مهّد لانتشار واسع للأخبار الكاذبة وغير الحقيقية.

غير أن مالكي تلك المنصات والقائمين عليها لم يقفوا مكتوفي الأيدي أمام طوفان تلك الأكاذيب والشائعات، فبدأوا بدورهم في وضع لوائح وقوانين لمحاولة ضبط المحتوى الذي تبثه تلك المنصات، فبدأوا بمحاولة توثيق الحسابات الشخصية والرسمية لأصحاب حسابات تلك المنصات لإضفاء الثقة على ما يتم نشره بأسمائهم وكمحاولة للحد من انتشار الأخبار المغلوطة، غير أنه –كما هو متوقع- لم يقف الطرف المضلل عن مساعيه لاختراق تلك القواعد وتضليلها لصالحه هو الآخر.

ولعل آخر تلك المحاولات كان إعلان منصة إكس «تويتر سابقاً» خاصية إظهار الدولة التي ينتمي لها صاحب الحساب، كنوع من إضفاء الشفافية على صاحب الحساب، وقد كشفت هذه الخطوة طبيعة الكثير من الحسابات المغرضة التي تبث سمومها ضد المملكة وتدار من قبل دول خارجية، فالكثير من تلك الحسابات تدّعي أنها حسابات وطنية لمواطنين سعوديين لا يهدفون إلا للصالح العام ولا يحركهم لكتابة ما يكتبونه سوى الصالح العام.

كما أظهرت تلك الخاصية الجديدة طبيعة العديد من الحسابات التي تتسوّل الدعم وتطالب بالمزيد من التبرعات، فقد اتضح أن الكثير منها وهمي يدار من الخارج، وهو ما يرشّح ارتباط تلك الحسابات ببعضها البعض، بل يزيد من احتمالية أن تدار تلك الحسابات من قبل طرف واحد أو أطراف عدة محددة، هدفها كلها جمع المال وبث بذور الفتنة في المجتمع السعودي في آن واحد، فالكثير من تلك الحسابات الوهمية التي تبث سمومها يظهر فيها الكذب جلياً، فغالبية محتواهم متناقض، بل أن منشوراتهم يناقض بعضها البعض، غير أن إضافة الدولة التي ينتمي لها صاحب الحساب تعتبر ميزة حقيقية في طريق ضبط المحتوى الرقمي وحمايته من الكذب والتدليس.

من الواضح تماماً أن تلك الحسابات راهنت على تحريض الشباب السعودي وبث الفرقة بين صفوف المجتمع بأكمله، غير أنها لم تجد الصدى الذي كانت تأمله، فالمواطنون السعوديون لديهم من الإدراك والحصافة ما يمكّنهم من فهم المحتويات الضالة والمضللة وقراءة ما بين السطور، غير أن تلك الخاصية الجديدة تسهم ولو قليلاً في كشف المستور وفضح الادعاءات في مهدها، وفي واقع الأمر لا أفهم ما يرمى إليه هؤلاء المخربون، ألم تكفهم الأحداث المضطربة والحروب الأهلية التي تعصف بالكثير من الدول المجاورة لنا؟ لِمَ لا يريدون سوى الدمار والخراب الذي قد يذهب ضحيته المواطن أولاً وأخيراً؟

00:26 | 28-11-2025

زيارة من أجل الوطن

خلال فترتي رئاسة الرئيس ترمب الأولى والثانية، كان حريصاً على نحو ملموس على أن تكون المملكة العربية السعودية هي محطته الأولى في الزيارات من بين بقية دول العالم، وخلال الزيارتين وما بينهما أيضاً كان ترمب حريصاً تماماً على توثيق علاقته بالمملكة وبولي العهد الأمير محمد بن سلمان، ومدِّ أواصر الصلة والصداقة بين البلدين وبين قيادتيهما، ومما لا شك فيه أن هذا الحرص على توطيد العلاقات وتعزيزها لم يكن وليد الصدفة أو بلا دوافع قوية، فالمملكة تتمتع -بفضل الله- بوزن سياسي وثقل اقتصادي ليس بين دول المنطقة فحسب، بل بين جميع دول العالم، حيث تحرص غالبية دول العالم على توثيق علاقتها بها ودفعها لمستوى الصداقة والتحالف، وليست الولايات المتحدة فحسب.

لا شك أن الدوافع التي تدفع غالبية دول العالم لعقد علاقات وثيقة وتحالفات طويلة الأمد مع المملكة تنبع من أسبابٍ عدة؛ لعل أهمها مسيرة التنمية المشرقة التي بدأها ولي العهد برؤيته المتميزة 2030 التي نقلت المملكة إلى مصافِّ الدول المتقدمة، فالمسيرة الناجحة التي بدأ ولي العهد بتدشينها منذ بداية توليه ولاية العهد حتى يومنا هذا باتت ملموسة على أكثر من صعيد، كما أن نتائجها ظهرت مبكرة وأعادت رسم شكل وجوهر المملكة أمام دول العالم كافة، كما أن مسيرة التنمية المتسارعة باتت عنصر جذب واهتمام لغالبية دول العالم في إدراكهم للمملكة كواجهة استثمارية وسياحية وفنية ورياضية لافتة، وواحة للاستقرار السياسي وسط عاصفة مضطربة تضرب بعض دول المنطقة، بل وبعض دول العالم.

من المؤكد أنه لا توجد دولة ناجحة دون قيادة ناجحة وقائد قوي وحاسم ومقدام، وهو ما لمسه الرئيس ترمب بنفسه، الذي أثنى على شخص ولي العهد الأمير محمد بن سلمان خلال زيارته الثانية، ووصفه بأنه زعيم قوي وحليف موثوق به ذو بصمة لا تخفى على أحد في إحداثه نهضة عظيمة في بلاده، ولم تكن تلك الصفات التي أسبغها ترمب على ولي العهد من باب المجاملة الدبلوماسية؛ بل تجسدت في مواقف ملموسة وأفعال واضحة للعيان أوضحت ثقة ترمب في امتلاك الأمير بصيرة قوية ورغبة في استقرار المنطقة؛ وهو ما تبدى في استجابته لطلب الأمير محمد بن سلمان برفع العقوبات الأمريكية عن سورية، والتقائه بالرئيس الشرع للمرة الأولى.

من الواضح تماماً أن هناك تجانساً واتساقاً سياسياً بين الرئيس الأمريكي وبين ولي العهد وبين الرئيس الشرع دفعت الرئيس ترمب لتوجيه دعوة للرئيس الشرع لزيارة الولايات المتحدة لتنسيق الجهود المشتركة بينهما، وهو ما حدث بالتزامن مع رفع مجلس الأمن للعقوبات عن سورية، وهو الأمر الذي يشير لقوة تأثير المملكة الدولي وقدرتها على إعادة صياغة المشهد السياسي الإقليمي، وهو ما سيؤدي بطبيعة الحال لتحسين وضع سورية بين بقية دول العالم وتخفيف المعاناة عن الشعب السوري الذي أنهكته الحرب الأهلية التي تجاوزت عقداً من الزمن.

تأتي زيارة الأمير محمد بن سلمان للولايات المتحدة استجابة لدعوة الرئيس الأمريكي الذي هدف من الدعوة للاحتفاء به، ولاستكمال مناقشة العديد من القضايا المهمة معه ولا سيما ملف القضية الفلسطينية، التي شهدت اعتراف العديد من دول العالم بالدولة الفلسطينية عقب النجاح الدبلوماسي للأمير بالشراكة مع فرنسا لدفع العديد من الدول العظمى للاعتراف بها، وبحقوق الفلسطينيين في أراضيهم التاريخية.

من المؤكد أن دبلوماسية الأمير في حث العديد من دول العالم على الاعتراف بفلسطين على الرغم من صعوبة مجرد تخيل هذا الأمر من قبل، إن دلت على شيء فإنها تدل على المكانة السياسية المتصاعدة للمملكة ودورها المتزايد في تحقيق الاستقرار الإقليمي، ودون جدل سيكون حل القضية الفلسطينية المتمثل في أطروحة حل الدولتين حاضراً في سجل زيارات الأمير، ولا يقوم ولي العهد بزيارات روتينية تقليدية كنوع من المجاملات الدبلوماسية التي تمثل جزءاً من الأعراف والتقاليد السياسية الدولية، بل تأتي تتويجاً لجهوده في عقد العديد من الشراكات الاقتصادية والتكنولوجية والصفقات العسكرية، ولا سيما أنها تأتي في ظل مرور منطقة الشرق الأوسط بالكثير من التحديات.

لقد أوضح الرئيس ترمب أن هذه الزيارة أكثر من مجرد اجتماع، وهو ما تجسد في حفاوة الاستقبال اللافتة التي حظى بها الأمير، والتي لا تقتصر على الإعجاب بشخصه، بل تتعلق أيضاً بدوره البارز في تعزيز الاستقرار الإقليمي للمنطقة ككل، فهذه الزيارة من أجل الوطن وتحمل الخير كله للوطن وللمنطقة أيضاً.

00:04 | 21-11-2025