أخبار السعودية | صحيفة عكاظ - author

https://cdnx.premiumread.com/?url=https://www.okaz.com.sa/okaz/uploads/authors/294.jpg?v=1762092635&w=220&q=100&f=webp

محمد مفتي

الاستقرار السياسي وأثره في جذب الاستثمارات العالمية

في عالم تتسارع فيه التحوّلات الاقتصادية وتشتد فيه المنافسة على استقطاب رؤوس الأموال، لم يعد امتلاك الموارد الطبيعية أو الموقع الجغرافي المميّز وحدهما كافيين لجذب الاستثمارات العالمية، فقد أصبحت الشركات الكبرى وصناديق الاستثمار الدولية تنظر أولاً إلى البيئة السياسية للدولة، باعتبارها المؤشر الأكثر تأثيرًا في اتخاذ قراراتها الاستثمارية، فكلما تمتعت الدولة بالاستقرار السياسي، ووضوح السياسات، واستقلال المؤسسات، زادت قدرتها على استقطاب المستثمرين، بينما يؤدي الاضطراب السياسي إلى هروب رؤوس الأموال وتراجع معدلات النمو.

يتمحور الاستثمار بطبيعته حول الثقة قبل أن يعتمد على الأرباح، فالمستثمر الذي يضخ مليارات الدولارات في مشروع يمتد لعشرات السنوات يحتاج إلى الاطمئنان بأن القوانين لن تتغيّر بصورة مفاجئة، وأن البيئة الأمنية مستقرة، وأن مؤسسات الدولة قادرة على حماية حقوقه وإنفاذ عقوده.

من المؤكد أن التجارب الاقتصادية حول العالم تؤكد هذه الحقيقة بوضوح، فالدول التي نجحت في بناء مؤسسات مستقرة، وتعزيز سيادة القانون، وتوفير بيئة آمنة للأعمال، استطاعت أن تتحوّل إلى مراكز اقتصادية عالمية، حتى وإن كانت تفتقر إلى الموارد الطبيعية، وفي المقابل تمتلك بعض الدول ثروات ضخمة وإمكانات اقتصادية واعدة، لكنها تعاني من اضطرابات سياسية أو صراعات داخلية، مما يجعل المستثمرين يترددون في دخول أسواقها من الأساس.

ولا يقتصر أثر الاستقرار السياسي على جذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة فحسب، بل يمتد ليشمل تشجيع المستثمر المحلي أيضًا، فصاحب رأس المال هو أول من يتأثر بحالة عدم اليقين، وإذا شعر بأن البيئة الداخلية غير مستقرة فقد يفضل توجيه استثماراته إلى الخارج، أما عندما تسود الثقة في السياسات العامة، فإن رأس المال المحلي يصبح شريكًا رئيسيًا في التنمية، ويعمل جنبًا إلى جنب مع الاستثمارات الأجنبية في دعم الاقتصاد الوطني.

ومن أهم العوامل المرتبطة بالاستقرار السياسي وضوح الرؤية الاقتصادية للدولة، فالمستثمر لا يبحث فقط عن استقرار اللحظة الراهنة، بل يهتم بفهم السياسات الاقتصادية المستقبلية للدولة، ولذلك تحرص الدول الناجحة على إعلان إستراتيجياتها الاقتصادية والمالية طويلة المدى، وتحديد أولوياتها التنموية، وتوفير تشريعات حديثة تواكب متطلبات الأسواق العالمية، فهذه السياسات هي من تمنح المستثمرين القدرة على التخطيط بثقة، وتقلل من المخاطر المرتبطة بالمشروعات طويلة الأجل.

كما أن الاستقرار السياسي يسهم في تحسين التصنيف الائتماني للدول، وهو ما ينعكس مباشرة على انخفاض تكلفة التمويل وزيادة تدفق رؤوس الأموال، فالمؤسسات المالية الدولية تنظر إلى الاستقرار السياسي باعتباره ضمانة لقدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها المالية، واستمرار سياساتها الاقتصادية دون اضطرابات تؤثر في الأسواق، وتقدّم المملكة العربية السعودية نموذجًا بارزًا لكيفية توظيف الاستقرار السياسي في دعم التنمية الاقتصادية، فقد أسهمت بيئتها السياسية المستقرة -إلى جانب الإصلاحات الاقتصادية والتشريعية- في تعزيز ثقة المستثمرين فيها وجذب استثمارات في قطاعات متنوعة مثل الصناعة والسياحة والتقنية والطاقة المتجددة والخدمات اللوجستية، كما ساعدت المشاريع الوطنية الكبرى في تقديم صورة واضحة عن توجهات الاقتصاد السعودي، وهو ما عزّز مكانة المملكة كوجهة استثمارية واعدة في المنطقة.

ولا يمكن إغفال الدور الذي تلعبه البنية التشريعية في تعزيز أثر الاستقرار السياسي، فوجود قوانين واضحة وإجراءات تنظيمية شفافة، وأنظمة قضائية فعّالة، يمنح المستثمرين شعورًا بالأمان ويحد من النزاعات التجارية، فالاستقرار لا يعني غياب الأزمات المؤثرة على الاستثمار فقط، بل يعني أيضًا قدرة المؤسسات على التعامل معها بكفاءة في حال حدوثها، وضمان استمرار النشاط الاقتصادي دون اضطرابات حادة.

ومن جهة أخرى تؤدي الاضطرابات السياسية إلى سلسلة من التداعيات الاقتصادية السلبية، لا تبدأ فحسب بانخفاض ثقة المستثمرين، بل قد تمتد لتراجع قيمة العملة وارتفاع معدلات البطالة وتباطؤ النمو، كما تتضرر بشدة قطاعات حيوية مثل السياحة والتجارة والنقل، عندها تصبح الدولة أقل قدرة على جذب الاستثمارات الجديدة أو الاحتفاظ بالمستثمرين الحاليين، ومن الملاحظ أن عالمنا اليوم يشهد منافسة شديدة بين الدول لاستقطاب رؤوس الأموال، ولم تعد الحوافز المالية وحدها كافية لتحقيق هذا الهدف، فالمستثمر يبحث عن بيئة مستقرة ومؤسسات قوية وقوانين واضحة ورؤية اقتصادية قابلة للاستدامة.

لا شك أن الاستقرار السياسي لم يعد مجرد هدف أمني أو سياسي، بل أصبح أحد أهم الأصول الاقتصادية للدول، فهو القاعدة التي تُبنى عليها الثقة، والمحرك الذي يدفع عجلة الاستثمار، والجسر الذي يربط بين الطموحات التنموية والواقع الاقتصادي، وكلما نجحت الدول في ترسيخ هذا الاستقرار، وتعزيز كفاءة مؤسساتها، وتطوير بيئتها التشريعية، ازدادت قدرتها على جذب الاستثمارات العالمية وتحويلها إلى مشروعات تنموية تخلق فرص العمل، وتنقل المعرفة، وتحقق الازدهار للأجيال القادمة.

00:02 | 2-10-2026

إيران بعد الحرب.. هل ستتغيّر قواعد اللعبة؟!

لم تعد إيران هي نفسها عقب اندلاع الحرب بينها وبين الولايات المتحدة، فحتى لو توقفت الحرب لن تعود إيران لسابق عهدها، فالحروب الكبرى لا تنتهي عند انتهاء الصواريخ أو توقف نفير الحرب، وإنما تبدأ بعدها مرحلة أكثر تعقيدًا في تاريخ الدول، وهي مرحلة حساب الخسائر وإعادة ترتيب الأوراق، وقد كشفت المواجهة الدائرة حالياً بين الولايات المتحدة وإيران عن نقاط ضعف في المنظومة الإيرانية، كما برهنت على أن امتلاك ترسانة عسكرية وشبكة واسعة من الحلفاء لا يعني بالضرورة القدرة على التحكم بمسار الأحداث، والأهم من كل ذلك أن تلك الحرب أعادت تعريف مفهوم الردع في المنطقة، فطهران باتت تدرك أن أي مواجهة مستقبلية قد تكون أكثر مباشرة وأعلى تكلفة من تلك الدائرة حالياً، ولذلك فإن السؤال لم يعد متعلقاً بمن انتصر في الحرب، بل بمن سيكون أكثر قدرة على إدارة المرحلة التي تليها.

لعل المتغيّر الأهم في تلك الأحداث يتمثل في مدى قدرة إيران على إعادة بناء منظومة الردع، فقد ارتكزت منظومة الردع الإيراني على مزيج من الصواريخ والطائرات المسيّرة وشبكة الحلفاء الإقليميين، إضافة إلى الغموض المرتبط ببرنامجها النووي، لكن الحرب وضعت هذه المنظومة أمام اختبار حقيقي، وأثبتت أن بعض عناصر القوة قد تفقد قيمتها عندما تتغيّر طبيعة المواجهة عن تلك التي تم التخطيط لها، ولذلك قد تسعى طهران على الأرجح إلى تطوير قدراتها العسكرية، وتعويض ما خسرته، غير أن إعادة بناء القوة تحتاج إلى موارد ووقت، بينما تواجه إيران ضغوطًا اقتصادية وسياسية متراكمة، وهنا ستجد القيادة الإيرانية نفسها أمام معادلة صعبة، ألا وهي كيف يمكنها إعادة بناء القوة من دون استنزاف الاقتصاد.

أما شبكة الحلفاء الإقليميين فغالباً ما ستكون أحد أهم ملفات المراجعة الإيرانية، فقد أثبتت السنوات الماضية أن النفوذ عبر الحلفاء منح طهران عمقًا إستراتيجيًا، لكنه حمل مخاطر عديدة أيضًا، فكلما توسعت شبكة القوى المرتبطة بإيران، زادت احتمالات أن تتحول إحدى ساحات النفوذ إلى نقطة اشتعال تجر طهران إلى مواجهة قد لا تريدها في الوقت الراهن، لذلك قد تتجه إيران إلى إعادة تقييم أدوار حلفائها، والانتقال من سياسة الاعتماد الكامل عليهم إلى سياسة أكثر انتقائية ومرونة، وقد يتركّز هدفها حينذاك على الحفاظ على نفوذها بأقل تكلفة ممكنة، وهذه ليست بالضرورة نهاية لإستراتيجية الوكلاء، وإنما محاولة لإعادة ضبطها، فإيران التي خرجت من الحرب بتجربة قاسية قد تكون أكثر حذرًا في توزيع أوراقها، وأكثر اهتمامًا بمنع خصومها من استغلال ساحات نفوذها ضدها.

أما على الصعيد الاقتصادي فغالباً ما ستكون مرحلة ما بعد الحرب أكثر صعوبة عن ذي قبل، فالقوة العسكرية تحتاج إلى اقتصاد قادر على تمويلها، والدولة التي تستنزف مواردها في المواجهات الخارجية تجد نفسها مضطرة إلى الاختيار بين تحديات الأمن ومتطلبات استقرار الداخل، وتواجه إيران بالفعل تحديات اقتصادية وضغوطًا مرتبطة بالعقوبات والاستثمار والتجارة والطاقة، ولذلك فإن إعادة بناء اقتصادها ستكون جزءًا من معركة إعادة بناء النفوذ، وقد تدفع هذه الظروف طهران إلى البحث عن تسويات مؤقتة، أو تخفيف التوتر مع بعض الخصوم، أو تعزيز العلاقات الاقتصادية مع بعض الدول، فالسياسة الخارجية لا تتحرك في فراغ، والاقتصاد قد يصبح العامل الذي يفرض على إيران خيارات لم تكن ترغب في اتخاذها لو لم تضطر لذلك، وفي نهاية المطاف تتحدد قوة أي دولة بناء على قدرتها على تحمل تكلفة خياراتها.

على ما يبدو أن الضغط على طهران لا يعني –بالضرورة- إخراجها من معادلة المنطقة، بل قد يدفعها إلى خيارات أكثر تشدّدًا، وما بين الردع والتفاوض، ستبحث إيران عن صيغة جديدة تحفظ لها مكانتها وتساعدها على تحمل تكلفة الحرب، وربما يكون التحول الأهم الذي سنشهده وقتذاك هو أن المنطقة نفسها أصبحت أقل استعدادًا لتحمل حروب مفتوحة طويلة المدى، ولهذا قد تكون المرحلة المقبلة مرحلة اختبار جوهري للسياسة الإيرانية، فهل ستختار إعادة بناء القوة استعدادًا لمواجهة جديدة، أم ستستثمر لحظة ما بعد الحرب في تسويات تعيد رسم موقعها الإقليمي بشكل مختلف مرة أخرى؟!.

00:00 | 25-09-2026

مستقبل وكلاء إيران

لطالما شكّل وكلاء إيران في المنطقة على مدى عقود أحد أبرز أدوات نفوذها السياسي والعسكري، والركيزة الأساسية في إستراتيجيتها القائمة على التمدد والتوسع خارج حدودها، فمن خلال دعمها لجماعات مسلحة وتنظيمات سياسية عديدة في دول مثل العراق ولبنان واليمن استطاعت طهران أن تبني شبكة نفوذ سياسية وعسكرية معقدة، ظناً منها أنها ستمنحها القدرة على التأثير في موازين القوى الإقليمية دون الدخول في مواجهات مباشرة مكلفة، لكن مع اندلاع الصراع الأخير وما قد يخلفه من تداعيات اقتصادية وسياسية على المنطقة بأسرها، برز سؤال جوهري في غاية الأهمية ألا وهو ما هو مستقبل هذه الأذرع خلال المرحلة القادمة؟.الأرجح أن ما سنشهده ليس نهاية لهذه المرحلة بل تحوّلًا في طبيعتها ووظيفتها، فقد تتجه هذه الجماعات إلى تبني أدوار أقل عسكرية وأكثر سياسية، وقد يتقلص حجم الدعم الخارجي الذي تتلقاه مما يضطرها إلى زيادة الاعتماد على الموارد المحلية للدول التي تؤويها، وهو ما قد يمنحها قدرًا أكبر من الاستقلالية فيما يتعلق بالقدرة على اتخاذ القرار والمواءمة بين انتماءاتها الخارجية وظروف دولها الإقليمية، غير أنه في الوقت ذاته سيضعف من قدرتها على تنفيذ أجندات إقليمية على نطاق واسع.

اقتصاديًا لم يكن دعم هذه الجماعات أمرًا هامشيًا، بل شكّل –طيلة الوقت- استنزافًا حقيقيًا للاقتصاد الإيراني، والذي يعاني أصلًا من العقوبات الدولية بخلاف سوء الإدارة بطبيعة الحال، وقد اضطرت طهران إلى تخصيص موارد مالية ضخمة لتمويل العمليات العسكرية بالخارج وتوفير الرواتب والسلاح والتدريب والدعم بمختلف صوره وأشكاله، ومع اشتداد الضغوط الاقتصادية الداخلية وارتفاع معدلات التضخم والبطالة بإيران بدأ هذا النهج يثير تساؤلات داخلية حول مدى جدواه، خاصة في ظل تراجع القدرة على تمويل هذه الشبكات على نفس النحو السابق.

بين الحين والآخر تبدو ورقة التفاوض بين الولايات المتحدة وإيران حاضرة في رسم ملامح المرحلة المقبلة التي تتّسم بالغموض التام، والتي تحوي العديد من البنود العالقة، لعل أهمها البرنامج النووي الإيراني ومصير مضيق هرمز، غير أنه قد يتضمّن أيضًا بنودًا غير معلنة تتعلق بتقليص النفوذ العسكري لطهران في المنطقة، فالعديد من القوى الغربية تدرك أن نفوذ إيران الإقليمي عبر وكلائها لا يقل أهمية وخطورة عن قدراتها النووية أو رغبتها غير المشروعة في التحكم في مضيق هرمز، ما يجعل مسألة الوكلاء حاضرة بشكل أو بآخر على طاولة التفاوض.

لكن هل من الممكن الاتفاق على أن تتخلى إيران عن وكلائها بشكل مباشر؟ تصعب الإجابة على هذا التساؤل، فالوكلاء يمثلون لطهران ورقة ضغط إستراتيجية يصعب التفريط فيها بسهولة، خاصة أنهم يشكّلون خط الدفاع الأول عن مصالحها في الخارج، ومع ذلك قد نشهد تحوّلات غير مباشرة مثل تقليص الدعم المالي أو إعادة هيكلة العلاقة مع هذه الجماعات بما يتناسب مع الضغوط الدولية الجديدة كما أسلفنا الذكر، وحتى لو لم ينص الاتفاق بشكل واضح على إنهاء دعم الوكلاء، فإن مستقبلهم سيبقى رهين عدة عوامل، أولها قدرة إيران الاقتصادية على الاستمرار في تمويلهم، وثانيها الضغوطات السياسية داخل الدول التي ينشطون فيها، وثالثها التحوّلات الدولية والإقليمية التي يشهدها عالمنا اليوم.

في نهاية المطاف لا يبدو أن وكلاء إيران سيتلاشى دورهم بين ليلة وضحاها، لكن المؤكد أن طبيعة هذا الدور ستتغير بطريقة أو بأخرى خلال الفترة القادمة، فبين ضغوط الاقتصاد ومتطلبات التفاهمات الدولية، تدخل هذه الجماعات مرحلة إعادة تعريف لوظيفتها وموقعها في ظل تصاعد سريع للأحداث يوماً بعد يوم، وقد يكون المستقبل أقرب إلى تقليص النفوذ منه إلى إنهائه، فمن المتوقع أن تسعى إيران إلى الحفاظ على الحد الأدنى من نفوذها ولكن دون تحمّل الكلفة الباهظة لإستراتيجيتها التي ميّزت المرحلة السابقة.

23:33 | 17-09-2026

الاستثمار الأجنبي.. كيف أصبحت السعودية وجهة عالمية

لم تعد المملكة العربية السعودية تنظر إلى الاستثمار الأجنبي باعتباره مجرد وسيلة لجذب رؤوس الأموال، بل أصبح جزءاً أساسياً من مشروع التحوّل الاقتصادي الذي تشهده البلاد، فمع انطلاق رؤية 2030 شرعت المملكة في تدشين بيئة اقتصادية أكثر انفتاحاً وتنافسية، تهدف إلى استقطاب الشركات العالمية والخبرات والتقنيات من كافة دول العالم، ولم يعد المستثمر الأجنبي ينظر إلى السعودية باعتبارها سوقاً نفطية ضخمة فحسب، بل أضحت المملكة سوقاً واسعة توفر فرصاً في قطاعات متعددة، من السياحة والترفيه والتقنية والطاقة المتجدّدة إلى الصناعة والخدمات اللوجستية، هذا بخلاف حجم الاقتصاد السعودي وموقع المملكة الجغرافي اللذين يمنحانها ميزات إضافية عديدة، ويؤهلها لأن تغدو قاعدة انطلاق للوصول إلى أسواق الشرق الأوسط وآسيا وأفريقيا في آن واحد، وهذه المزايا مجتمعة جعلت السعودية أكثر حضوراً على خريطة الاستثمار العالمي، خصوصاً مع تسارع تنفيذ المشاريع الكبرى التي تفتح مجالات جديدة أمام المستثمرين والشركات الدولية.

واللافت في التجربة السعودية أن جذب الاستثمار الأجنبي لم يعد قائماً أو مرتكزاً فقط على الحوافز المالية، وإنما أصبح مرتبطاً أكثر بإعادة بناء وهيكلة البيئة الاستثمارية نفسها، فالمملكة تعمل على تطوير الأنظمة والإجراءات التي تعمل على تحسين سهولة عمليات الاستثمار، وتعزيز الشراكة بين القطاعين العام والخاص، بما يمنح المستثمر درجة أكبر من الوضوح والاستقرار، كما أن التحوّل الرقمي ساهم في تسريع الكثير من الخدمات الحكومية وساعد في تقليل الإجراءات التقليدية التي كانت تمثل –في السابق- عائقاً أمام المستثمرين.

وفي المقابل فإن المشاريع الكبرى في مجالات السياحة والبنية التحتية والنقل والتقنية والطاقة والصناعات المتقدمة توفر فرصاً استثمارية متنوعة، والأهم أن المستثمر الأجنبي يجد أمامه سوقاً محلية كبيرة وقوة شرائية مرتفعة، مما مكن المملكة من توفير تجربة فريدة ومميّزة ومختلفة للمستثمر، تشمل أسواقاً ضخمة يعززها موقع إستراتيجي متميّز مع مشاريع محلية ضخمة، تدعمها برامج تحوّل اقتصادي رفيعة المستوى تخلق طلباً مستمراً على المنتجات والخدمات والاستثمارات الجديدة.

غير أنه من الجدير بالذكر أن أهمية الاستثمار الأجنبي بالنسبة للسعودية تكمن فيما يمكن أن يصاحب هذه الاستثمارات من معرفة وتقنيات وخبرات وفرص عمل وتطوير للكوادر الوطنية وتوطين للصناعات ودمج التكنولوجيا في نسيج التصنيع، فعندما تدخل شركة عالمية إلى السوق السعودية، فإنها تنقل معها أساليب إدارية وتقنيات متقدّمة ومعايير عالمية في الإنتاج والخدمات، وهذا ما يجعل الاستثمار الأجنبي أحد أدوات بناء اقتصاد أكثر تنوعاً وقدرة على المنافسة، كما أن وجود الشركات العالمية داخل المملكة يمكن أن يدفع الشركات المحلية إلى رفع مستوى الكفاءة والجودة والابتكار حتى تتمكن من المنافسة والشراكة في الوقت نفسه، ومن هنا يصبح الهدف الحقيقي ليس مجرد زيادة عدد المستثمرين الأجانب، وإنما بناء منظومة اقتصادية تستفيد من وجودهم على المدى الطويل.

غير أن المحافظة على جاذبية المملكة الاستثمارية تتطلب استمرار التطوير على نحو مستدام، فالمنافسة بين الدول على استقطاب الاستثمارات العالمية أصبحت عالية الوتيرة، والدول لا تتنافس فيما بينها بإغداق الحوافز على المستثمرين فحسب، وإنما تتفنن في تجويد الأنظمة وتسريع الإجراءات وتحسينها، وتوفير الكفاءات وتطوير البنية التحتية والعمل على استقرار البيئة الاقتصادية وتحسين قدرة السوق على النمو، بحيث ترتبط الاستثمارات الأجنبية بأهداف واضحة في نقل التقنية وتوطين الصناعات وتنمية المنتج وخلق الوظائف وزيادة الصادرات.

وهنا تكمن أهمية التحول الذي تشهده السعودية التي لا تبحث فقط عن المستثمر الذي يضخ أمواله فيها، وإنما تسعى إلى بناء علاقة طويلة الأمد تجعله جزءاً لا يتجزأ من قصة التنمية وقضيتها، وتجعل التنمية نفسها فرصة استثمارية قادرة على جذب المزيد والمزيد من المستثمرين من كافة أرجاء العالم.

21:58 | 10-09-2026

إيران بين الحرب والعقوبات.. أيهما أشد تأثيرًا ؟!

لم تعد المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران محصورة في الصواريخ والطائرات والمسيّرات، بل انتقلت بصورة متزايدة إلى جبهة أكثر هدوءًا وأطول زمناً وهي الاقتصاد، فالعقوبات الأمريكية الأخيرة تضع طهران أمام اختبار مختلف، لأنها تستهدف مصادر التمويل التي تحتاجها إيران لتنفيذ سياساتها الداخلية والخارجية، فالحرب العسكرية تضرب المنشآت والبنية التحتية خلال ساعات، لكنها تظل مرتبطة بحدود جغرافية وزمنية، بينما تستطيع العقوبات أن تمتد عبر البنوك والشركات والسفن والتجارة والطاقة لسنوات، ولهذا تبدو المعركة الاقتصادية في بعض الأحيان أكثر تعقيدًا من المواجهة العسكرية المباشرة، فالقنبلة تستطيع تدمير منشأة، لكن العقوبة تستطيع تعطيل قدرتها على إعادة البناء وشراء المعدات وتمويل عملياتها، ومن هنا يمكن فهم إصرار واشنطن على توسيع دائرة العقوبات، ومحاولة جعل التعامل مع الاقتصاد الإيراني نفسه مخاطرة بالنسبة إلى الآخرين، إنها حرب يمكن لآثارها أن تصل إلى كل بيت وسوق ومؤسسة في إيران.

الحرب العسكرية -رغم قسوتها- تمنح الدولة المستهدفة أحيانًا فرصة للالتفاف والاستفادة منها، فعندما تتعرّض دولة لهجوم خارجي، يمكن للسلطة الحاكمة أن تقدّم نفسها باعتبارها المدافع عن السيادة الوطنية، وأن تحوّل الخلافات الداخلية إلى قضية وطنية، وهو ما حدث في طهران والتي استغلت التهديد الخارجي لتعزيز خطاب المقاومة وتعبئة الشارع، أما العقوبات الاقتصادية فمختلفة تماماً شكلاً وموضوعًا؛ فهي لا تستخدم الطائرات المقاتلة أو الصواريخ، وإنما تنعكس في ارتفاع الأسعار، وتراجع قيمة العملة، وصعوبة الاستثمارات وعرقلة التكنولوجيا، وتقلص فرص العمل، ولذلك فإن تأثيرها السياسي أكثر تعقيدًا؛ فهي تدفع المجتمع إلى تحميل الحكومة مسؤولية الأزمة، وبمرور الوقت تتفاقم الأزمات وتتوسع على أكثر من صعيد.

غير أن إيران تتمتع بخبرة طويلة في التعامل مع العقوبات، وهو ما يجعل الاعتقاد بأن الضغط الاقتصادي سيؤدي سريعًا إلى انهيار النظام أمرًا مبالغًا فيه، فقد طورت طهران خلال العقود الماضية شبكات تجارية ومالية معقدة، واعتمدت على وسطاء وأسواق بديلة وطرق مختلفة لتصدير النفط والحصول على العملات الأجنبية، كما أن تمتعها بشبكة علاقات مع شركاء اقتصاديين كبار -وفي مقدمتهم الصين- يمنحها منافذ يصعب إغلاقها بالكامل، لكن الخبرة في الالتفاف على العقوبات لا تعني أن العقوبات بلا تأثير، فكل عملية بيع أو تحويل مالي تتم عبر قنوات أكثر تعقيدًا تصبح أكثر تكلفة وأقل كفاءة، وكل شركة دولية تتردد في التعامل مع إيران تضيّق مساحة الحركة أمام الاقتصاد الإيراني، وهنا يظهر الفرق بين الحرب والعقوبات، فالحرب قد تحقق نتائج ضخمة وسريعة، لكنها تحمل مخاطر التصعيد، بينما العقوبات تحقق استنزافًا تدريجيًا، غير أنها قد تكون أكثر قدرة على إنهاك الاقتصاد إذا استمرت لفترة طويلة، ولذلك فإن السؤال الحقيقي ليس أيهما أقوى في فترة زمنية محددة، بل أيهما يستطيع الاستمرار لفترة زمنية أطول.

ومن زاوية أخرى تحمل الحرب العسكرية ضد إيران خطرًا لا يمكن تجاهله، وهو إمكانية خروج المواجهة عن السيطرة، فضربة واحدة قد تستدعي ردًا، والرد قد يقود إلى رد آخر، وهو ما قد ينتهي بمواجهة مفتوحة يصعب تحديد نهايتها، أما العقوبات فتمنح واشنطن مساحة أكبر للتحكم في مستوى التصعيد، إذ تستطيع إضافة كيانات جديدة أو توسيع نطاق العقوبات أو تخفيفها وفقًا لتطورات الموقف السياسي.

لكن هذه الأداة ليست خالية من المخاطر أيضًا؛ فلو وصلت الضغوط الاقتصادية إلى مستوى شديد، فقد تلجأ إيران إلى خطوات تصعيدية إقليمياً أو في أسواق الطاقة للرد على الولايات المتحدة، كما أن الضغط على صادرات النفط الإيرانية يمكن أن يؤثر في أسواق الطاقة العالمية، ما يجعل العقوبات قضية تتجاوز العلاقة الثنائية بين واشنطن وطهران، ولذلك تبدو المعركة الاقتصادية أشبه بحرب أعصاب طويلة المدى.

غير أنه في نهاية المطاف لا تبدو المقارنة بين الحرب والعقوبات مسألة اختيار بسيط بين أداتين، بل هي مقارنة بين نوعين مختلفين من الضغوط، حرب عسكرية أكثر تدميرًا وسرعة، لكنها أكثر خطورة وأعلى تكلفة سياسيًا وإنسانيًا، وعقوبات أبطأ وأكثر تدرجًا، لكنها تستطيع استنزاف الاقتصاد وإضعاف قدرة الدولة على تمويل سياساتها لفترة طويلة، ولهذا يبدو أن واشنطن تراهن على أن الضغط الاقتصادي يمكن أن يحقق ما لا تستطيع الحرب تحقيقه من دون الدخول في مواجهة شاملة، لكن نجاح هذه الإستراتيجية سيعتمد على عاملين أساسيين، أولهما هو قدرة إيران على إيجاد منافذ اقتصادية بديلة، وثانيهما هو قدرة الولايات المتحدة على إقناع شركائها بالالتزام بالعقوبات، وفي كل الأحوال تظهر الجبهة الاقتصادية اليوم كواحدة من أهم ساحات الصراع بين إيران وبين كافة دول المنطقة.

00:00 | 4-09-2026

اليوم التالي للحرب.. كيف سيبدو الشرق الأوسط حينها؟

يخطئ من يعتقد أن الحروب تنتهي عند آخر طلقة، أو تُقاس نتائجها بعدد الصواريخ أو حجم الدمار الذي تسبّبت فيه فحسب، لأن النتائج الحقيقية للحروب تكمن فيما تتركه من تحوّلات سياسية واقتصادية وأمنية تعيد رسم ملامح المرحلة التالية، ولهذا فإن السؤال الأكثر أهمية اليوم لا يتمحور حول من سينتصر، بل سيدور حول وضع الشرق الأوسط في اليوم التالي للحرب، وهل سينتج عن المواجهات الحالية واقع أكثر استقراراً، أم مرحلة جديدة من الاضطرابات؟

عاش الشرق الأوسط خلال العقود الماضية سلسلة طويلة من الصراعات التي غيّرت خرائط النفوذ والتحالفات وأعادت تشكيل الأولويات، ومع كل صراع جديد يندلع تدخل المنطقة مرحلة جديدة سواء على صعيد موازين القوى أو على مستوى طبيعة العلاقات الإقليمية أو حجم التدخلات الدولية، واليوم تبدو المنطقة أمام محطة جديدة قد تفرض معادلات مختلفة سواء استمرت المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران أو انتهت بتفاهمات سياسية جديدة.

لعل أول ملامح هذه المرحلة سيكون إعادة تقييم موازين القوة، فمع كل مواجهة عسكرية تتكشف قدرات كل طرف، مما يدفع الدول إلى مراجعة إستراتيجياتها الدفاعية والأمنية، كما أن نتائج الحرب ستؤثر في طريقة تعامل القوى الإقليمية مع الملفات الحساسة، وستحدد شكل التحالفات التي قد تنشأ خلال السنوات المقبلة، وسياسياً من المحتمل أن يكون الحوار هو العنوان الذي لا يمكن تجاوزه، فمهما بلغت حدة المواجهات، أثبتت الوقائع أن الحروب تنتهي في نهاية المطاف بطاولة المفاوضات، لكن نجاح أي مفاوضات مستقبلية سيتوقف على مدى استعداد الأطراف المنخرطة فيها لمعالجة جذور الأزمة، وليس الاكتفاء بإبرام اتفاقات مؤقتة، فالاستقرار الحقيقي لا يتحقق بوقف إطلاق النار وحده، بل ببناء تفاهمات تضمن خفض التوتر وتمنع تكرار الأزمات.

أما اقتصادياً فستواجه المنطقة تحديات كبيرة، لكنها قد تجد أيضاً فرصاً جديدة، فالحروب تؤثر في حركة التجارة وأسواق المال والاستثمار والنقل البحري وأسعار الطاقة، لكن مرحلة ما بعد الحرب قد تشهد جهوداً واسعة لاستعادة الثقة بالاقتصادات الإقليمية، والسعي إلى جذب الاستثمارات، وإعادة تنشيط المشاريع الكبرى التي تأثرت بالتصعيد، وسيكون نجاح هذه الجهود مرتبطاً بقدرة الدول على توفير بيئات مستقرة وآمنة، ولا شك أنه لا يمكن تجاهل الدور الذي ستلعبه دول الخليج في هذه المرحلة، لكونها رسخت خلال السنوات الأخيرة نهجاً يقوم على التنمية الاقتصادية، وتنويع مصادر الدخل، وتعزيز الشراكات الدولية، ومن المتوقع أن تستمر دول الخليج في الدفع نحو التهدئة، كون الاستقرار هو الأساس الذي تقوم عليه التنمية المستدامة، ولإيمانها بأن أي تصعيد طويل الأمد ستكون له انعكاسات مباشرة على المنطقة بأكملها.

كما أن المجتمع الدولي سيجد نفسه أمام مسؤولية كبيرة في مرحلة ما بعد الحرب، فالشرق الأوسط ليس مجرد منطقة ذات أهمية جغرافية، بل يمثل محوراً رئيسياً في أسواق الطاقة والتجارة العالمية، ولذلك فإن استقرار المنطقة أصبح مصلحة دولية، وليس شأناً إقليمياً فقط، ومن المرجح أن تتزايد المبادرات الدبلوماسية الرامية إلى تثبيت التهدئة، وإطلاق مسارات حوار تعالج الملفات العالقة، ولعل أبرز القضايا التي ستفرض نفسها بعد انتهاء الحرب هي قضية أمن الممرات البحرية وسلامة حركة التجارة الدولية، فقد أثبتت الأزمات الأخيرة أن أي اضطراب في هذه الممرات ينعكس سريعاً على الاقتصاد العالمي، سواء من خلال ارتفاع تكاليف النقل أو تقلبات أسعار النفط أو زيادة مخاطر التأمين، ولهذا سيكون تعزيز أمن الملاحة أحد أهم الملفات المطروحة على أجندة المرحلة المقبلة.

غير أن التفاؤل يجب أن يظل واقعياً؛ فاليوم التالي للحرب قد يحمل تحديات معقدة إذا بقيت أسباب الخلاف دون معالجة، فالمنطقة تحتاج إلى بناء الثقة بين كافة الأطراف، واحترام القانون الدولي، والاعتماد على الحوار وسيلة لحل النزاعات، لأن العودة إلى دوامة التصعيد لن تؤدي إلا إلى استنزاف جديد للموارد والفرص، ويقف الشرق الأوسط اليوم أمام فرصة تاريخية، فإذا أُحسن استثمار اليوم التالي للحرب، قد تتحول الأزمة إلى نقطة انطلاق نحو مرحلة أكثر استقراراً وتعاوناً.

ويبقى الأمل في أن يكون اليوم التالي للحرب بداية لشرق أوسط مختلف؛ شرق أوسط تُبنى فيه العلاقات على المصالح المشتركة، ويُنظر إلى التنمية باعتبارها أقوى أدوات الأمن، ويصبح الحوار هو السبيل الأول لحل الخلافات، فالتاريخ لا يخلد الحروب، بل يخلد اللحظات التي انتصرت فيها الحكمة على السلاح، واختارت فيها الدول صناعة المستقبل بدلاً من البقاء أسيرة لصراعات الماضي وآلامه.

00:00 | 28-08-2026

إيران والحرب النفسية

إذا كانت الصواريخ تترك آثارها على الأرض، فإن الحرب النفسية تترك ندوبها في العقول، وربما لهذا السبب لم تعد طهران ترى أن المواجهة تُحسم في ميادين القتال وحدها، بل تندلع في مساحة أوسع؛ مساحة الخوف والشك والارتباك وصناعة الانطباعات، إنها معركة لا تُقاس بعدد الطلقات، وإنما بقدرة رسائلها على زعزعة الثقة، وخلق الاضطرابات ودفع الخصم إلى التردد قبل أن تبدأ المواجهة، ومن الواضح أن إيران أدركت مبكرًا أن الحرب النفسية ليست سلاحًا مساعدًا، بل سلاح إستراتيجي قادر على تعويض الكثير من الفوارق العسكرية، ولهذا لم يكن مستغربًا أن تجعل من الإعلام والتصريحات السياسية واستعراض القوة أدوات متكاملة تعمل جنبًا إلى جنب مع أدواتها العسكرية، فالغاية ليست فقط امتلاك القوة، وإنما إقناع الآخرين بأن هذه القوة حاضرة، وأن استخدامها خيار قائم في أي لحظة.

وفي كل أزمة إقليمية تقريبًا يتكرر المشهد ذاته، تصريحات نارية ورسائل متبادلة وصور لمنظومات صاروخية ومناورات عسكرية وخطابات تتحدث عن الرد الحاسم، إنها ليست رسائل عابرة، بل جزء من معركة تستهدف التأثير في حسابات الخصم قبل أن يتحرك، وإيصال رسالة مفادها بأن تكلفة أي مواجهة ستكون باهظة، ولا تتوقف الحرب النفسية الإيرانية عند حدود البيانات الرسمية، بل تمتد إلى الفضاء الإعلامي والرقمي، حيث تتحوّل المعلومة إلى سلاح، والصورة إلى رسالة، والشائعة إلى أداة ضغط.

تقوم هذه الإستراتيجية على فكرة مفادها أن الإنسان قد يخاف مما يجهله أكثر مما يخاف مما يعرفه، لذلك تعتمد إيران في كثير من الأحيان على إبقاء جزء من قدراتها وخياراتها في دائرة الغموض، لأن الغموض نفسه يصبح عنصرًا من عناصر الردع، فالخصم الذي لا يستطيع التنبؤ بما سيحدث، سيحسب خطواته مرات عديدة قبل أن يقدم على أي مغامرة، غير أن المشكلة في الحرب النفسية أنها لا تميّز بين العسكري والمدني، فهي تستهدف المجتمع كله، وتسعى إلى خلق حالة من القلق والارتباك وإشغال الناس بالتوقعات والشائعات أكثر من الحقائق، وهنا تتحوّل الأخبار غير الموثقة إلى وقود لحالة من الضبابية، وعندها قد يصبح تداول الشائعة أخطر من إطلاق قذيفة.

ولذلك فإن أحد أخطر أهداف الحرب النفسية هو صناعة صورة ذهنية تتجاوز الواقع، فقد لا يكون المطلوب تحقيق انتصار عسكري كامل، بقدر ما يكون المطلوب إقناع الآخرين بأن هذا الانتصار قد تحقق بالفعل، أو أن الهزيمة أصبحت حتمية، إنها معركة الإدراك قبل أن تكون معركة الميدان، ومعركة الشائعة قبل أن تكون معركة السلاح، غير أنه من الخطأ الاعتقاد بأن إيران وحدها تمارس هذا النوع من الحروب، فالقوى العظمى جميعها تستخدم أدوات مشابهة، كل وفق إمكاناته وأهدافه، ويكمن الفارق فحسب في الأسلوب وحجم التأثير، وفي قدرة كل طرف على إدارة الرواية الإعلامية وتوظيفها لخدمة أهدافه السياسية والعسكرية.

لقد أثبتت الأزمات المتلاحقة في المنطقة أن أخطر الحروب ليست دائمًا تلك التي تعج بأصوات الانفجارات، وإنما تلك التي تُزرع فيها الشكوك داخل العقول، فالدول التي تنجح في إدارة الحرب النفسية قد تحقق مكاسب سياسية حتى وإن كانت خسائرها العسكرية كبيرة، بينما قد يخسر طرف آخر معركة الصورة رغم تفوقه الميداني، ولهذا فإن أخطر ما في الحرب النفسية الإيرانية ليس كثرة التصريحات أو استعراض الصواريخ، وإنما محاولة فرض معادلة تقوم على أن الخوف وحده يكفي لتحقيق المكاسب، وذلك على الرغم من أن هذه المعادلة ليست مضمونة النجاح دائمًا، لأن الحرب النفسية مهما بلغت قوتها تصطدم في النهاية بواقع الميدان وحقائق الأحداث، فإذا فقدت الرسائل مصداقيتها، تحوّلت من وسيلة ردع إلى عبء على صاحبها، وتآكل تأثيرها تدريجيًا.

من المؤكد أن الحروب الحديثة لم تعد تُدار بالسلاح وحده، بل بالعقل والحيل والمناورات النفسية أيضًا، ومن يقرأ المشهد بعين واعية يدرك أن أخطر ما في الصراع ليس ما يُطلق من منصات الصواريخ، بل ما يُزرع في العقول من أوهام ومخاوف ورسائل محسوبة، ولهذا فإن الوعي بتلك الحيل والتحقق من المعلومات ورفض الانجرار وراء الدعاية، هي الأسلحة الحقيقية في مواجهة أي حرب نفسية، فالمعركة تبدأ في العقل قبل أن تصل إلى الميدان، ومن يربح العقول يقترب كثيرًا من ربح السياسة حتى وإن تأخر حسم السلاح.

00:01 | 21-08-2026

الشرق الأوسط بين الحرب والسلام

يقف الشرق الأوسط اليوم عند مفترق طرق تاريخي، تتجاذبه احتمالات الحرب من جهة، وآمال السلام من جهة أخرى، فمنذ عقود لم تعرف المنطقة استقرارًا طويل الأمد، إذ سرعان ما تتحوّل محاولات التهدئة إلى موجات جديدة من التوتر، لتعود الأزمات إلى الواجهة، ومع التطورات الأخيرة وعودة المواجهات العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران، يتجدّد السؤال القديم: هل يستطيع الشرق الأوسط أن ينتقل من مرحلة الصراع إلى مرحلة الاستقرار، أم أن الحروب ستظل العنوان الأكثر حضورًا في المشهد الإقليمي؟.

لا تقتصر آثار الحروب على ساحات القتال، بل تمتد إلى الاقتصاد والتعليم والصحة والاستثمار وفرص العمل وجودة الحياة، وكلما اندلعت أزمة جديدة تراجعت خطط التنمية وارتفعت مستويات القلق وتأثرت حركة التجارة وتحولت الأولويات إلى محاولة إدارة الأزمات بدلًا من صناعة المستقبل، ورغم ذلك فقد أظهرت السنوات الأخيرة تحوّلًا مهمًا في توجهات عدد من دول المنطقة، فقد أصبح الاستثمار في الاقتصاد وتنويع مصادر الدخل وتطوير البنية التحتية وجذب الاستثمارات العالمية، أهدافًا إستراتيجية تتطلب بيئة آمنة ومستقرة، وهذا التحوّل يعكس إدراكًا متزايدًا بأن المستقبل لا يُبنى بالصراعات، وإنما بالتنمية والابتكار والتعاون الاقتصادي.

غير أن طريق السلام لا يزال مليئًا بالعقبات؛ فالشرق الأوسط يحمل إرثًا طويلًا من الخلافات السياسية والأمنية، كما أن تشابك المصالح الإقليمية والدولية يجعل أي أزمة محلية قابلة للتحوّل إلى أزمة أوسع، ولهذا فإن أي تصعيد عسكري لا يبقى محصورًا داخل حدود دولة واحدة، بل تمتد آثاره إلى المنطقة بأسرها -وربما إلى الاقتصاد العالمي- خاصة عندما يتعلق الأمر بأمن الممرات البحرية أو أسواق الطاقة.

من المؤكد أن السلام لا يعني غياب الخلافات، بل يعني وجود آليات قادرة على إدارتها دون اللجوء إلى السلاح، وهذا هو التحدي الحقيقي الذي يواجه الشرق الأوسط اليوم، فقد تتباين الدول فيما يتعلق بالرؤى والمصالح، لكن نجاحها في معالجة هذه الخلافات بالحوار يمنع تحوّلها إلى نزاعات مفتوحة تستنزف الجميع، وقد أثبتت العديد من التجارب أن الحرب مهما حققت من مكاسب عسكرية مؤقتة، لا تستطيع وحدها أن تفرض استقرارًا دائمًا، فبعد كل جولة من القتال غالباً ما تعود الأطراف إلى طاولة التفاوض (ولكن بعد العديد من الخسائر البشرية والاقتصادية والسياسية التي كان يمكن تجنّبها)، ولهذا فإن الحكمة تقتضي أن تكون الدبلوماسية هي الخيار الأول، لا الأخير.

كما أن المجتمع الدولي يتحمّل مسؤولية كبيرة في دعم الاستقرار الإقليمي، فالمنطقة تمثل أهمية إستراتيجية للعالم، سواء من حيث الطاقة أو التجارة أو الموقع الجغرافي، ومن ثم فإن أي اضطراب فيها ينعكس على الاقتصاد العالمي، ويؤثر في سلاسل الإمداد، ويزيد من حالة عدم اليقين في الأسواق الدولية، لذلك فإن دعم جهود الوساطة وتشجيع الحلول السياسية ليس مصلحة إقليمية فحسب، بل مصلحة دولية أيضًا.

ومن اللافت أن شعوب المنطقة أصبحت أكثر وعيًا بأهمية الاستقرار، فالأجيال الجديدة تتطلع إلى فرص العمل والتعليم وسيادة التكنولوجيا وريادة الأعمال، أكثر من تطلعها إلى الصراعات، وهي تدرك أن المنافسة في عالم اليوم تقوم على الاقتصاد والمعرفة والابتكار، لا على استمرار النزاعات التي تستنزف الموارد وتؤخر التنمية، وقد أثبتت نماذج تنموية ناجحة أن الاستقرار يمثل الركيزة الأساسية لأي نهضة اقتصادية، فحين تتوافر بيئة آمنة، تنمو الاستثمارات وتتوسع المشاريع الكبرى وتزداد فرص العمل، ويصبح المستقبل أكثر وضوحًا وثقة، ولهذا فإن الحفاظ على الأمن والاستقرار لم يعد مجرد هدف سياسي، بل أصبح ضرورة اقتصادية واجتماعية.

غير أن السلام الحقيقي يحتاج إلى بناء الثقة بين الأطراف المختلفة، واحترام مبادئ القانون الدولي، كما يحتاج إلى خطاب إعلامي مسؤول يبتعد عن التحريض، ويعزز ثقافة الحوار والتفاهم، وها هو الشرق الأوسط يقف اليوم أمام مسارين مختلفين تمامًا؛ مسار يقود إلى استمرار دوامة الحروب وما تحمله من خسائر، وآخر يفتح الباب أمام مرحلة جديدة تقوم على التنمية والتعاون والشراكات الاقتصادية.

ويبقى الأمل قائمًا في أن تكون المرحلة المقبلة بداية لترسيخ ثقافة السلام، فالمنطقة تمتلك إمكانات اقتصادية وبشرية هائلة، وإذا توافرت لها بيئة مستقرة، فإنها ستكون قادرة على أن تتحوّل إلى مركز عالمي للتنمية والاستثمار والابتكار، وبين الحرب والسلام يبقى السلام هو الخيار الذي يصنع المستقبل، بينما لا تترك الحروب سوى الخسائر التي تحتاج سنوات طويلة لتعويضها.

00:07 | 14-08-2026

المليشيات الموالية لإيران ومستقبل الأمن الإقليمي

منذ سنوات عديدة لم يعد التهديد الذي تواجهه العديد من دول الشرق الأوسط يقتصر على الجيوش النظامية أو النزاعات التقليدية، بل برز تحدٍ أكثر تعقيدًا يتمثل في المليشيات المسلحة التي تعمل خارج إطار الدولة، وتحمل ولاءات تتجاوز الحدود الوطنية، وقد أصبحت هذه الجماعات المدعومة من إيران لاعبًا رئيسيًا في رسم ملامح المشهد الأمني، الأمر الذي جعل استقرار المنطقة رهينة لقرارات لا تصدر عن حكومات مسؤولة، بل جعلها رهينة لتنظيمات تمتلك السلاح وتتحرك وفق حسابات سياسية وعسكرية خاصة بها.

لا شك أن سياسة الاعتماد على الوكلاء ليست ظاهرة جديدة، لكنها بلغت في السنوات الأخيرة مستوى غير مسبوق على صعيد الإمكانات العسكرية التي تملكها تلك المليشيات وعلى نطاق العمليات العسكرية التي تخوضها، فالصواريخ والطائرات المسيّرة لم تعد حكرًا على الجيوش، بل أصبحت في متناول جماعات مسلحة قادرة على استهداف منشآت حيوية، وتهديد المدن، وإرباك حركة الملاحة، والتأثير في الاقتصاد الإقليمي والدولي.

وتبرز خطورة هذا الواقع عندما تتحول أراضي بعض الدول إلى منصات تنطلق منها الهجمات ضد دول الجوار، فمثل هذا المشهد لا يمثل اعتداءً على الدولة المستهدفة فحسب، بل يضع الدولة التي تنطلق منها تلك العمليات أمام اختبار حقيقي يتعلق بسيادتها وقدرتها على فرض القانون، وخلال الأعوام الماضية واجهت المملكة العربية السعودية سلسلة من التهديدات التي استهدفت أمنها ومنشآتها الحيوية، سواء عبر الصواريخ أو الطائرات المسيّرة، ولم يكن الهدف من هذه الاعتداءات تحقيق مكاسب عسكرية مباشرة بقدر ما كان سعياً إلى زعزعة الاستقرار وإرسال رسائل سياسية عبر استهداف الاقتصاد وأمن الطاقة، ومع ذلك أثبتت المملكة قدرة كبيرة على تطوير منظوماتها الدفاعية، وتعزيز جاهزيتها الأمنية، والعمل مع شركائها الإقليميين والدوليين للحفاظ على استقرار المنطقة.

لا يقتصر أثر هذه الاعتداءات على السعودية وحدها، فاستهداف المنشآت النفطية أو الممرات البحرية ينعكس مباشرة على الاقتصاد العالمي ككل، فالمنطقة تمثل شريانًا رئيسيًا لتجارة الطاقة، وأي اضطراب فيها ينعكس على الأسواق الدولية، ويؤثر في سلاسل الإمداد، ويرفع مستوى القلق لدى المستثمرين، ولهذا فإن أمن الخليج لم يعد قضية إقليمية فقط، بل أصبح جزءًا من منظومة الأمن الاقتصادي العالمي.

من جهة أخرى يفرض استمرار نشاط المليشيات أثمانًا باهظة على الدول التي تنشط داخلها، فوجود السلاح خارج مؤسسات الدولة يضعف هيبتها، ويحد من قدرتها على اتخاذ قراراتها السيادية، ويؤثر في ثقة المستثمرين، ويعرقل جهود التنمية والإعمار، كما أن المواطن العادي هو أول من يدفع ثمن هذه الفوضى، عندما تتراجع الخدمات، وتتقلص فرص العمل، وتصبح الأولوية للصراع بدلًا من البناء، وقد أثبتت العديد من التجارب الإقليمية أن المليشيات قد تحقق مكاسب مؤقتة، لكنها لا تبني دولًا مستقرة، ولا تصنع اقتصادًا قويًا، ولا توفر مستقبلًا آمنًا للأجيال القادمة، فالاستثمار يحتاج إلى استقرار، والدولة الحديثة لا يمكن أن تقوم في ظل تعدد مراكز القرار العسكري.

كما أن استمرار استخدام هذه الجماعات كأدوات في الصراعات الإقليمية يزيد من احتمالات سوء التقدير، ويجعل أي حادث محدود قابلًا للتحول إلى أزمة واسعة يصعب احتواؤها، ولذلك فإن ضبط هذا المسار يمثل مصلحة مشتركة لجميع دول المنطقة لأن الأمن لا يتجزأ، وأي اضطراب في دولة سينعكس عاجلًا أو آجلًا على جيرانها، ولذلك فإن مستقبل الأمن الإقليمي يرتبط بمدى نجاح دول المنطقة في دعم مفهوم الدولة الوطنية، وتعزيز مؤسساتها، وحصر السلاح بيد السلطات الشرعية، وتجفيف منابع تمويل الجماعات المسلحة، إلى جانب ترسيخ الحوار والدبلوماسية واحترام سيادة الدول.

تقف المنطقة اليوم أمام خيارين لا ثالث لهما: إما استمرار منطق المليشيات الذي يبدّد فرص التنمية ويغذي الصراعات، وإما ترسيخ منطق الدولة الذي يفتح أبواب الاستقرار والازدهار، وبين هذين الخيارين تبدو الحقيقة واضحة؛ فلا أمن دائم ولا مستقبل مزدهر إلا بدولة قوية تحتكر السلاح، وتحكمها المؤسسات، وتحترم سيادتها وسيادة جيرانها، وعندما تنتصر الدولة على الميليشيا، ينتصر الأمن على الفوضى، وينتصر المستقبل على حسابات الصراع المهلكة للحرث والنسل.

00:00 | 7-08-2026

المسار السعودي ودوره في استقرار اليمن

في الوقت الذي تشهد فيه منطقة الشرق الأوسط الكثير من الاضطرابات، يقوم الحوثي من وقت لآخر بمحاولات مستميتة لزيادة عدم الاستقرار بالمنطقة ولعب دور الوسيط لخدمة أهداف إيران، بهدف تمزيق المنطقة أكثر وأكثر وزيادة رقعة الشغب والاضطرابات، وذلك على الرغم من أن تلك المحاولات تضر -أول ما تضر- اليمن نفسه وشعبه وتهدر مقدّراته وتستهلك موارده، ولا يجد الحوثي حرجاً في أن يعلن تبعيته لإيران، فهو يحمي مصالحها ويقوم بما يتعيّن أن تقوم به من تدمير للمنطقة عمداً.

الحوثيون هم شوكة في خاصرة المنطقة تحركها إيران كما يحلو لها، وبما تقتضيه أجندة توسعاتها الخارجية، فهو يضع إمكاناته وقدراته لخدمة مصالح إيران، وهو يمارس هذا الدور باستهتار شديد، غير مكترث –أو يتعمّد التجاهل- بأن اعتداءاته الأخيرة على السفن في البحر الأحمر لا تهدّد الملاحة الدولية فحسب، بل تقوّض استقرار اليمن نفسه، كما أنها تفتح الباب أمام تصعيد إقليمي يضر بأمن المنطقة.

يقدّم الحوثي للعالم كل يوم مبرراً مختلفاً ومتناقضاً عن الأسباب التي تدفعه لمهاجمة السفن في البحر الأحمر وتعطيل حرية الملاحة في ذلك الجزء الحسّاس من إمدادات الطاقة العالمية، ووسط التخبط في التصريحات يتناسى الحوثي على نحو مجحف ما قدّمته ولا تزال تقدّمه السعودية لليمن وللشعب اليمني الشقيق، وبنظرة سريعة على الواقع الموثق لما بذلته المملكة من جهود لدعم اليمن يتضح لنا بجلاء إلى أي مدى يغالط الحوثي الواقع والتاريخ معاً.

لا يختلف اثنان حول المبادرات التي قامت بها المملكة العربية السعودية لدعم استقرار اليمن والحفاظ على وحدة أراضيه، ومن الصعوبة بمكان حصر كافة هذه المساعدات في هذا الحيّز المحدود، غير أن أحد أهم هذه المساعدات هو إعلان المملكة منذ عدة أشهر عن تقديمها 1.3 مليار ريال سعودي لدعم موازنة الحكومة اليمنية، وهي الخطوة التي جسّدت أبعاداً اقتصادية واجتماعية وسياسية بعيدة المدى، فدعم الموازنة اليمنية يسهم في تغطية النفقات التشغيلية الأساسية للحكومة اليمنية، كما أنه يساعدها على تلبية متطلباتها من نفقات لدفع رواتب للعاملين بمؤسسات الدولة، وهو الأمر الذي من شأنه دعم الاستقرار في المجتمع اليمني بضخ مبلغ كبير في شرايين اقتصاده المنهك من الحروب والصراعات وعدم الاستقرار.

وبنظرة سريعة على التأثيرات المتوقعة من دعم الاقتصاد اليمني يتضح لنا بجلاء أن استقرار أي مجتمع يعتمد بصورة كبيرة على تعزيز قوته الشرائية وتنشيط قطاعات عديدة في اقتصاده، كما أن قدرة الدولة على ممارسة مهامها الأساسية ومواصلة تقديمها للخدمات الحيوية مثل الصحة والنقل والتعليم يساعد بشكل تلقائي في تعزيز الاستقرار الاجتماعي، وهو ما يسهم في تخفيف الأعباء المعيشية ويرسّخ من استقرار المجتمع بشكل عام، وهو ما ينعكس بطبيعة الحال على الجانب الأمني، وعندما تتحرك عجلة الاقتصاد المدعومة بالاستقرار الأمني تتحسّن ثقة القطاع الخاص والمستثمرين في الاقتصاد اليمني.

لا يخفى على أي متابع أن الدعم السعودي لليمن ليس بالأمر الجديد ولا بالمفاجئ، بل هو امتداد لتاريخ طويل من الدعم السعودي المتواصل ليس فقط للاقتصاد اليمني، بل لجميع القطاعات الحيوية للمجتمع اليمني ككل، فالمملكة لم تبخل يوماً في تمويل الاحتياجات العاجلة للمجتمع اليمني، كما أنها شاركت في إنشاء العديد من المشروعات التنموية الكبرى في القطاعات الأساسية كالبنية التحتية والصحة والتعليم ومجالات الطاقة والمياه، والتي نفذت عبر البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن.

الجهود التي تقوم بها المملكة ليست جهوداً عابرة أو قصيرة المدى تهدف لحل الأزمة على نحو سريع وعشوائي، بل هي خطط إستراتيجية طويلة المدى، فاستقرار الموازنة اليمنية وإعادة إعمار البنية التحتية والمرافق الأساسية ودعم المشروعات التنموية، مع الاهتمام بتشجيع الاستثمار تعكس جميعها ملامح الخطة التي وضعتها المملكة لدعم استقرار اليمن ونهضته، والتي تتوازى جميعها مع جهود المملكة في الحد من التهديدات الأمنية التي تمس سيادة اليمن على أراضيه.

من المؤكد أن دعم المملكة العربية السعودية لليمن يمثل ركيزة أساسية لمستقبل مشرق لليمن وخطة بعيدة المدى تسعى للحيلولة دون وقوعه في صراعات قد تستمر لفترة طويلة، فالمملكة لم تتوقف يوماً عن محاولة إعادة العملية السياسية في اليمن لمسارها الصحيح، ولم تتوقف يوماً عن مساندة المبادرات السلمية وتشجيع جميع الأطراف على الاحتكام لطاولة المفاوضات، كما أنها لم تتوقف يوماً عن تقديم المساعدات الإنسانية والإغاثية عبر مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية، والذي نفذ بالفعل الكثير من المشروعات الناجحة في اليمن، وكل هذه الجهود تعكس التزام المملكة بالقيام بدورها الإقليمي في كل ما يدعم استقرار المنطقة ويحافظ على أمنها واستقرارها، مما يصب في نهاية الأمر في تحقيق مصالح دول وشعوب المنطقة ككل.

00:00 | 31-07-2026