أخبار السعودية | صحيفة عكاظ - author

https://cdnx.premiumread.com/?url=https://www.okaz.com.sa/okaz/uploads/authors/294.jpg?v=1762092635&w=220&q=100&f=webp

محمد مفتي

الممرات البحرية وأمن الملاحة في الخليج

تعدّ الممرات البحرية في منطقة الخليج العربي من أكثر القضايا الشائكة والنقاط الحسّاسة في مجال السياسة الدولية، فالممرات البحرية بشكل عام ولاسيما تلك التي تربط مناطق عدة بالعالم تمثل شرايين التجارة العالمية، حيث تعدّ في غاية الأهمية ليس فقط لدول المنطقة التي تمر بها تلك الممرات البحرية، بل للاقتصاد العالمي ككل، ومن المؤكد أن مضيق هرمز والذي يمثل نقطة عبور إستراتيجية تربط الخليج العربي ببحر العرب والمحيط الهندي يمثل أهمية بالغة في مجال النقل الإستراتيجي.

مضيق هرمز يمثل شرياناً رئيسياً تتدفق عبره إمدادات الطاقة وسلاسل إمدادات التجارة العالمية، حيث تمر عبره كمية ضخمة من الصادرات النفطية وغير النفطية إلى كافة دول العالم، ومما لا شك فيه أن أمن هذه المنطقة الحسّاسة له أكبر الأثر على كافة مناحي الحياة التي تعد مصادر الطاقة أساساً لها، فبمجرد أن يلوح أي تهديد في الأفق ممثلاً في أي صورة من شأنها تهديد حركة السفن في هذا الممر، تهتز الأسواق العالمية بشدة، وبخلاف ذلك فإن تهديد أمن الممرات الملاحية ينعكس على أمن دول الخليج أيضاً، وهو ما دفع بتلك القضية إلى واجهة القضايا الأكثر إلحاحاً واحتياجاً للحل خلال هذه الآونة.

مع تصاعد التوترات السياسية والعسكرية بين الولايات المتحدة وإيران مؤخراً غدا أمن الملاحة في منطقة الخليج ملفاً مفتوحاً قابلاً للتصعيد في أي وقت مما زاد من التوترات في المنطقة ككل، فالغموض فيما يتعلق بمستقبل المضيق ألقى بأثره على المشهد العام للتجارة العالمية، وهو ما حوّل المضيق من مجرد ممر مائي محايد إلى ورقة ضغط سياسي ومادة دسمة للتفاوض عند اندلاع أي صراع.

وقد شهدت السنوات الأخيرة تصعيداً في الملف الأمني للمضيق تضمّنت حوادث استهدفت ناقلات النفط، كما تم بالفعل احتجاز عدد من السفن التجارية بطواقمها العاملة، مما أدّى لتصعيد إعلامي متبادل بين العديد من الدول المعنية بمجال النقل في المضيق، مما أعاد الجدل حيال مدى الأمن الذي تتمتع به المنطقة وممراتها المائية الإستراتيجية، وعلى الرغم من أن تلك الحوادث المتفرقة لم تؤدِ إلى مرحلة الإغلاق الشامل لتلك الممرات المائية، إلا أنها أثارت القلق والتوتر في غالبية الأسواق العالمية، مما كان له أكبر الأثر على رفع تكاليف التأمين والشحن، مما انعكس بالسلب على كافة الأطراف سواء المنتجة أو المستهلكة.

لا شك أن وقوع شريان مائي يستخدم بشكل موسع في عمليات النقل البحري مثل مضيق هرمز تحت التهديد يعتبر أمراً بالغ الخطورة بالفعل، فمن المفترض أن حرية الملاحة مكفولة للجميع بأمان طبقاً لقوانين الملاحة الدولية، غير أن الأمن في تلك المنطقة لم يعد يتعلق بالمواجهة المباشرة فحسب، بل أصبح المضيق برمته طرفاً فاعلاً في حرب غير معلنة تدار من خلال رسائل متبادلة بين أطراف النزاع، والقوى المتصارعة على التحكم في المضيق غالباً ما تلجأ لاستعراض القوة وتحاول قدر الإمكان تجنب المواجهة المباشرة، فالمواجهة المباشرة قد تكون باهظة التكلفة وغالباً ما تؤدي إلى ارتفاع الأسعار العالمية في كافة المجالات بشكل قد لا يمكن التحكم فيه، وهو ما يستدعي إدارة هذا الملف بالغ الحساسية بدقة بالغة حيث لا مجال للخطأ أو التسرع في الحكم أو اتخاذ قرارات غير مدروسة بشكل كافٍ، فقد تندلع أزمة كبيرة من مستصغر الشرر.

في ظل الاعتماد العالمي الحالي على النفط سيبقى مضيق هرمز محوراً أساسياً في معادلة الأمن العالمي، ومن المؤكد أن أمن الخليج وأمن المنطقة هما قضية واحدة لا تحتمل التسويف أو التجاهل، فلا مجال لتقبل هشاشة الأمن في تلك المنطقة الحسّاسة، والتي لا تحتمل أي نوع من أنواع التوتر العسكري، فتلك الممرات هي عصب الاقتصاد الدولي، وقضية الأمن فيها قضية سياسية بامتياز ترتبط بمستقبل واستقرار المنطقة وليس مجرد ضمان أمن السفن والبحار.

التطورات المتسارعة في توتر العلاقات بين الولايات المتحدة وإيران تفرض ضرورة ملحة لاحتواء الأزمة بين الجانبين، نظرًا لما لها من تأثير مباشر على أمن الملاحة في مضيق هرمز، فاستمرار التوتر أو تصعيده يهدّد سلامة حركة السفن التجارية وناقلات الطاقة التي تعبر المضيق يوميًا، ويعرّض إمدادات النفط والغاز لمخاطر جسيمة قد تنعكس في صورة اضطرابات في أسواق الطاقة وارتفاعًا في تكاليف النقل والتأمين، ومن هذا المنطلق، يصبح احتواء الأزمة عبر القنوات الدبلوماسية والحوار السياسي خيارًا استراتيجيًا لا غنى عنه، ليس فقط لتجنيب المنطقة مخاطر المواجهة العسكرية، بل أيضًا للحفاظ على استقرار التجارة العالمية وضمان حرية الملاحة عبر هذا الشريان الحيوي الذي يعتمد عليه الاقتصاد الدولي.

منذ 21 ساعة

على طاولة المفاوضات!

على الرغم من أن الحروب ظاهرة مقترنة بالوجود البشري، إلا أنها تعبّر في حقيقتها عن عجز في التوافق بين الأطراف المنخرطة في الحرب عن التوصل لحل وسط أو طريقة في التعامل مع الأمر محل الخلاف ترضي جميع الأطراف، فالحروب غالباً ما تندلع عندما تفشل جميع الأطراف في التوصل لحل وسط عقلاني عادل ومنصف يقي الشعوب ويلاتها ودمارها، فالحروب في جوهرها ليست أكثر من هدر للموارد ورجوع بالتنمية لخطوات عديدة للوراء، وهي فشل سياسي بامتياز وانتصار مؤسف للفوضى والدمار، وعندما تنسد كافة قنوات الحوار ينفتح الباب على مصراعيه أمام قوى الشر لتعيث الفساد.

ولو نظرنا لواقعنا اليوم فسنجد العديد من الأمثلة التي تبرهن على هذا الأمر بجلاء، فالعديد من الحروب المندلعة هنا وهناك تؤكد على أن أطرافها لا يستمعون لصوت العقل بل لا يلقون له بالاً من الأساس، أما من يدفع ثمن تلك الحماقات فهي الشعوب المغلوبة على أمرها، والأجيال اللاحقة لها ممن عانى آباؤهم من ويلات ومآسي تلك الحروب، ممن نشأوا مغتربين خارج أوطانهم، أو نازحين من مكان لمكان داخل وطن مهدّم بلا بنية أساسية أو مرافق أو مؤسسات، ويعيشون داخل دولة بلا صحة أو تعليم أو حتى مستقبل.

وفي ظل تلك الأوضاع يأتي الاتفاق الأخير الذي تم عقده بين الحكومة السورية وبين قوات سوريا الديمقراطية المعروفة باسم قسد كضوء يظهر في نهاية النفق المظلم، فهذا الاتفاق أطفأ بالفعل فتيل حرب لو اندلعت في سوريا فلن تبقي لا على الأخضر ولا على اليابس فيها، بل كانت ستمهّد لبداية فصل جديد ومأساوي من حرب أهلية جديدة في سوريا، وقد أثبت هذا الاتفاق أن الاحتكام لطاولة المفاوضات يظل هو الخيار الأفضل والأقل تكلفة بالمقارنة بين الانزلاق في أتون حرب أهلية جديدة، مهما بدت الخلافات معقدة أو غير قابلة للحل، فالاتفاق السلمي هو الحل الوحيد والأسلم لتجنيب سوريا حرب جديدة مشتعلة قد تسمح مستقبلاً بدخول أطراف عديدة تزيد من اشتعال الأوضاع.

أما الصراع وتبادل الاتهامات بين الولايات المتحدة وإيران فسيظل شوكة في خاصرة المنطقة ما لم يتم التوصل لحل دائم ومستدام بين الطرفين، فالتوتر الذي يخيّم على المنطقة بسبب التبادل المستمر للاتهامات بينهما يلقي بظلاله على المنطقة وعلى مستقبلها على الكثير من الأصعدة، فالخطاب الذي يزداد حدة وهجوماً كل يوم لن يفيد أي طرف بأي طريقة، ولا يوجد حل لهذا الصراع سوى الاحتكام لمائدة المفاوضات وتجنّب حرب ستؤدي إلى عواقب وخيمة على دول المنطقة وليست على الشعب الإيراني وحده، وبنظرة سريعة على التاريخ يتضح لنا بجلاء أن الحروب التي تندلع بين الكثير من الدول لا تنتهي بانتصارات حاسمة من طرف على طرف آخر، بل تنتهي عبر المفاوضات التي كان من الممكن الاحتكام لها دون خوض كل تلك الصراعات المريرة وهدر كل هذه الموارد.

وأخيراً لا بد وأن نعرّج على الصراع في السودان والذي اندلع بسبب تمرد قوات الدعم السريع على السلطة الشرعية، والوصول لحل في السودان يتطلب وقفة دولية حاسمة لردع قوات الدعم السريع والأطراف التي تقوم بدعمها، لوقف المجازر التي ترتكب ضد المدنيين العزّل، فقوات الدعم السريع التي تقاتل بضراوة لسنين مضت يجب التصدي لها بحسم وصرامة، فعدوانها لا يزهق الأرواح البشرية ويهدر الموارد الثرية فحسب، بل يزيد من عنفوان الدوامة التي أودت بحاضر ومستقبل السودان، فهو يهدّد وحدة الدولة واستقلالها، وعدم الاحتكام للعقل والجلوس على مائدة المفاوضات لا يعني سوى إطالة أمد الأزمة.

من المؤكد أن القراءة المطولة المتأنية للواقع الحالي وللتاريخ سواء القديم أو الحديث تؤكد لنا أن الخيار السلمي والاحتكام لمائدة المفاوضات هو الحل الوحيد الذي من شأنه أن يقي الدول من مخاطر الانزلاق للحروب وتجنيب الشعوب تذوق ويلات الحروب بمآسيها التي يصعب حتى حصرها في بضعة أسطر، فالحروب ما هي إلا بوابة جحيمية تبتلع الموارد وتحصد الأرواح وتضيع مستقبل أي دولة.

كما أن سلبية المجتمع الدولي في التعامل مع بعض النزاعات تعد عاملاً أساسياً في استمرارها وفي استمرار معاناة شعوبها ما بين قصف وجوع ونزوح، فإن تقاطعت بعض الصراعات مع التوازنات الإستراتيجية أو مست مصالح بعض الدول العظمى نجد التحرك السريع لمحاولة احتواء الأزمة أو حتى اللجوء للحل العسكري لوأدها في مهدها، أما لو دارت تلك الصراعات بين دول تبعد مصالحها عن مصالح تلك الدول العظمى فإننا لن نجد سوى بيانات الشجب والإدانة ومشاعر القلق العميق دون أي رد فعل عملي، ومن المؤكد أن ازدواجية المعايير التي غدت سمة ملازمة لحل الصراعات بين كافة دول العالم لم تضعف ثقة الشعوب في المجتمع الدولي فحسب، بل قوضت فكرة العدالة العالمية ذاتها.

00:06 | 13-02-2026

عالم بلا حروب!

في خضمّ العديد من الصراعات والحروب التي تدور رحاها في عالمنا هذا، والتي أحالت مناطق واسعة من العالم إلى خراب حقيقي لا يبقي ولا يذر، وفي الوقت الذي تعاني الدول المنخرطة في النزاعات من نتائجها الكارثية، تعالت العديد من الأصوات للمناداة بوقف تلك الحروب لعل البشر ينعمون ببعض السلام والأمن، وحتى تلك الدول التي لا تعاني من حروب فعلية أو قائمة تعاني هي الأخرى من تحديات عديدة بسبب التهديد الدائم من قبل أطراف عديدة تتربص بأمنها وترغب في بث الفرقة بين ربوعها، لذلك فإن تخيّل عالم بلا حروب ليس حلماً ولا تصوراً خيالياً، ذلك أن تكلفة الحروب والصراعات باهظة بشكل غير عادي، وهي تساهم في إعادة البشرية خطوات عديدة للوراء بدلاً من المضي بها قدماً في ركب الحضارة.

من المؤكد أن العالم الذي يطمح الكثيرون للعيش فيه هو عالم لا توجد فيه حروب أو صراعات من أي نوع، حيث يخفت فيه صوت الرصاص ويعلو صوت الحكمة والعقل، عالم يجنح فيه المتحاربون إلى العقل ويبحثون عن الهدوء والسكينة والسلم، حيث يميلون للتعاون والتكاتف بدلاً من التصارع والاقتتال، عالم يسود فيه الطموح لا الطمع، فالكل فيه يسعى للتطوّر ولكن دون الافتئات على حق الآخر وسلبه موارده ومقدّراته، كما يبحث فيه الجميع عما يفيد البشرية وليس عما يدمر كل الأطراف.

لا شك أن العالم الجديد الذي نطمح جميعنا إليه هو عالم تتوقف فيه آلة الحرب عن الدوران السريع المنهك، وتُوجّه كافة الموارد والطاقات فيه لبناء عالم آمن سلمي، فالحروب ليست مجرد صراعات مسلحة وأطراف منتصرة وأخرى منهزمة، بل هي نزيف حاد يدمر اقتصاديات الدول ومواردها البشرية، وتعطيل لسيرورة الحضارة البشرية، ومعاناة عصيبة لكافة أطراف الصراع المنخرطين في الاقتتال، وتدمير لإمكانيات أجيال عديدة قد تمتد إلى فترات زمنية طويلة، لذلك فتصوّر عالم بلا حروب هو مجرد تصور لمستقبل واقعي أكثر اتزاناً وعدالة.

ولو نظرنا نظرة أقرب بعض الشيء لجوهر الحروب فسنجد أنها تمثل عبئاً اقتصادياً واجتماعياً وسياسياً بطبيعة الحال على جميع الأطراف المنخرطة فيها، وقد تتأثر بها دول كثيرة مهما تباعدت المسافات، والحروب في جوهرها هي موارد ضخمة –سواء كانت بشرية أو مالية- مهدرة، كل تلك الأموال المهدرة وعلى الأخص التي تستخدم في تمويل الحروب كان من الممكن توجيهها لدعم الجهود الصحية أو التعليمية، وحينها سيتم توجيه كل الاهتمام لتطوير المنظومات الصحية ومدّها بكل ما يلزم من رعاية واهتمام، أو يتم توجيهها لبناء المدارس والمستشفيات والمختبرات والأبحاث العلمية.

على المستوى الاجتماعي، يعيش العالم الخالي من الحروب والاضطرابات حالة مستقرة من التعايش الإنساني، حيث تختفي ثقافة الكراهية والتنمر التي تخلقها وتشجع على استمرارها الحروب والنزاعات، وتسود ثقافة النقاش وتنتشر الأفكار المتعلقة بتفهم الآخر وقبوله، وهنا ينشأ جيل جديد لا يعرف التهجير القسري والابتعاد عن الوطن واللجوء إلى دول أخرى لفترات قد تستمر طويلاً.

وحتى لو توقفت الحرب سنجدها وقد دمرت البشر والشجر ولم تبقِ لا على أخضر ولا على يابس، ومن الجدير بالذكر أن الحروب تلوث البحر والجو والأرض، ويزخر التاريخ بالكثير من الأمثلة على ذلك الخراب، وفي العالم الخالي من الحروب تدار الخلافات بمنطق العقل والحكمة والأهداف والمصالح وليس بالتناحر والاقتتال، وتحسم الخلافات بالقوانين الدولية لا بالقوى العسكرية الرادعة، حيث تقاس قوة الدول بمقدار احتكامها للعقل والحكمة لا بمدى قوة قدراتها التدميرية، فعندما يخلو العالم من الحروب تسنح الفرصة للسلام أن يعم بل وأن يصبح الخيار الوحيد للتعايش بين الجميع.

غير أنه على الرغم من إدراك الجميع لمدى أهمية أن نعيش في عالم بلا حروب أو صراعات، إلا أن تفجّر العديد من البؤر حول العالم بالكثير من الصراعات يجعل العالم يبدو وكأنه يقف على حافة حرب لا نهاية لها، فعندما تفشل الدبلوماسية تلجأ الأطراف المتناحرة للحرب، والسؤال الذي يطرح نفسه الآن: إلى أين يقود هذا الطريق؟ فلو لجأ كل طرف للحرب لإنهاء الصراع لن نتمكن أبداً من تأسيس سلام دائم أو شامل، بل ستتراكم بمرور الوقت أسباب الانفجارات القائمة، وهو ما سيرشحها مستقبلاً لمزيد من القسوة والاتساع.

00:10 | 6-02-2026

مستقبل قطاع غزة

تدور خلال هذه الأيام الكثير من المفاوضات والنقاشات بشأن مستقبل قطاع غزة وما ينتظره من أحداث قادمة، وهو ما قد يلقي الضوء حول مستقبل تلك المنطقة والتي شهدت الكثير من الأحداث الجسام خلال العامين الماضيين، فها هو القطاع يكاد يخرج من معاناته التي بدت بلا نهاية إلى مستقبل قد يشهد بعض التحسّن، فمنذ اندلاع أحداث السابع من أكتوبر 2023 شهد القطاع واحدة من أشد الأزمات الإنسانية في تاريخنا الحديث، والتي نتج عنها عشرات الألوف من القتلى والجرحى، وتدمير شبه تام لكافة البنى التحتية بالقطاع ولاسيما الحيوية منها، وهو ما أسفر عن تدهور كامل لكافة الخدمات الطبية والصحية والتعليمية، ترافق معه نزوح ضخم للسكان من مكان لآخر هرباً من جحيم القصف الإسرائيلي الدموي الذي طال كل بقعة من بقاع قطاع غزة.

من المؤكد أن المعاناة الإنسانية لسكان القطاع لا يمكن أن تمحى بسهولة بل ستستغرق وقتاً كبيراً للتعافي وعلى نحو تدريجي بطيء، وهو الأمر الذي يستوجب أولاً وقبل كل شيء وقف الاستفزازات الإسرائيلية وعمليات التصعيد العسكري بكافة أشكاله ضد المدنيين من أهل غزة، والدخول الجاد في مفاوضات تحمي حقوق الفلسطينيين، فوقف العمليات العدائية شرط أساسي لبدء عملية سلام حقيقي مستدام وليس مجرد ترتيبات مؤقتة لا تكفل ولا تضمن توقف الطرفين عن الاقتتال.

من الضروري أن نؤكد على أهمية تحلي الطرف الإسرائيلي بحسن النية والبدء الفوري في تنفيذ بنود الاتفاق التي تم التوصل إليه دون تسويف أو مماطلة، فالتلاعب في تنفيذ ما تم الاتفاق عليه يزيد من التوترات الكامنة تحت السطح ويعرقل جهود البناء، ولعل أحد أهم بوادر حسن النية بخلاف الوقف الفوري والشامل لكافة الأعمال العدائية والاحترام الكامل للقوانين الدولية، هو رفع القيود المفروضة على الجهود الإنسانية المبذولة للتخفيف عن سكان القطاع، وفتح جميع المعابر بشكل كامل مما يسمح بمرور المساعدات المقدّمة لأهل غزة بشكل آمن، مع السماح بتنقلهم بحرية لضرورة رفع المعاناة وتقليل الاحتقان العام في المنطقة.

ولعل مجلس السلام الذي دشّن أعماله الرئيس الأمريكي دونالد ترمب مؤخراً، برئاسة الولايات المتحدة يعد بارقة أمل لمستقبل غزة، وهو المجلس الذي يهدف لمهام عديدة من أهمها إرساء جهود عملية السلام، وتنسيق جهود إعمار القطاع، وتعزيز الاستقرار بشكل عام فيه، غير أنه بطبيعة الحال قد يواجه هذا المجلس الكثير من العثرات والعراقيل، ولذلك يظل المجلس محل جدل بين التصريحات المعلنة والواقع الفعلي على الأرض، مما يستوجب بذل المزيد من الجهود الدولية والعربية والإقليمية لمعالجة جذور الصراع بين الفلسطينيين وبين إسرائيل، فالتجارب السابقة توضح جلياً أن أي مبادرة لا تعالج جذور الصراع تعني عودة نيران الحرب للمشهد مرة أخرى، مما يعني انهيار الهدنة الإنسانية لأهل غزة وعودة العذاب والمعاناة لهم.

وبدون شك يمثّل انضمام المملكة العربية السعودية لمجلس السلام تأكيداً لدور المملكة في حفظ السلام في كافة ربوع العالم، وعلى الأخص فيما يخص قضية بحجم وأهمية فلسطين، وهو ما يعيد للأذهان الدور الذي تلعبه المملكة في الساحة الدولية كلاعب أساسي في قضية إرساء السلام ودعم الاستقرار في المنطقة، ويوضح بجلاء الوزن السياسي والثقل الاقتصادي والمكانة التي تحتلها بين كافة دول العالم.

يعد انضمام المملكة لمجلس السلام تأكيداً على التزام المملكة العربية السعودية بدعم مهمة مجلس السلام لإنهاء النزاع في قطاع غزة، واعترافاً بالدور الكبير الذي لعبته وتلعبه في توفير الدعم للشعب الفلسطيني سواء قبل الحرب أو خلالها أو بعدها، ولعل أبرزها توفير الكثير من المساعدات الإنسانية الضخمة للمدنيين في القطاع، حيث قامت المملكة بمد العديد من الجسور الجوية والبحرية والتي حملت آلاف الأطنان من المواد الغذائية والمنتجات الطبية والمساعدات الإيوائية، وهو ما يبرهن على وعي المملكة وإدراكها لضرورة تكاتف جميع الجهود لمساعدة أهالي القطاع المنكوبين، ومساعدة المنطقة على أن تنعم ببعض السلام عقب الصراع الذي عاشته العامين الماضيين.

00:04 | 30-01-2026

سوريا إلى أين؟!

عقب سقوط نظام الأسد الذي جثم على صدور السوريين لعقود طويلة، شهدت سوريا بزوغ فجر عصر جديد تحت قيادة جديدة آمل فيها السوريون كثيراً في أن تخرجهم من عقود من الحكم السياسي القاسي، والذي حرموا فيه من أبسط حقوقهم المشروعة، ولهذا مثّلت لحظة سقوط نظام الأسد علامة بارزة ولحظة فارقة في تاريخ سوريا الحديث، وخلال هذه اللحظة التاريخية الفارقة تطلّع كافة السوريين والشعوب العربية لولادة حقبة تاريخية جديدة في سوريا، يعاد فيها تشكيل الدولة، وذلك لبناء سوريا لكافة السوريين دونما تمييز، ولمنع أي فصيل أياً كان انتماؤه من حمل السلاح، والانضواء تحت سلطة دولة واحدة مركزية تسعى لحماية حقوق الشعب السوري وتحافظ على وحدة أراضيه وحماية موارده ومقدّراته.

من المؤكد أن الشعب السوري عانى لسنوات طويلة من القتل والعنف والتهجير والانقسامات المتعددة التي أجّجتها بعض الأطراف والقوى الخارجية، ووجدت لها صدى عند بعض الجماعات والفصائل السورية المسلحة، وسوريا الآن لم تعد لتتحمّل المزيد من الحروب والحركات الانفصالية والانقسامات، كما أن معاناتها بلغت المدى بحيث لم تعد قادرة على خوض مغامرات سياسية جديدة، لهذا مع صعود الرئيس أحمد الشرع للحكم ومحاولته فرض السلام والاستقرار في كافة ربوع سوريا، تمنى السوريون أن يعمّ الهدوء والاستقرار ربوع وطنهم.

لم يكن أمام حكومة الشرع منذ بدء تسلمها السلطة إلا الشروع في محاولة بناء أجهزة الدولة وإعادة بناء الثقة بين المواطن وبين مؤسسات الدولة ومحاولة تحقيق الأمن والاستقرار في كافة ربوع سوريا وعلى كافة أراضيها، وهي ليست بالمهمة السهلة، أما التحدي الأكبر فهو تلك الجماعات التي فقدت امتيازاتها التي كانت تقتات عليها بسبب الحرب في سوريا، والتي وقفت بغاية العناد ضد محاولات الانضواء تحت سلطة حكومة سورية موحدة، بل وشرعت في بث الفرقة وزعزعة الاستقرار واستهداف المواطنين لنشر الفرقة وتأجيج الطائفية.

لا شك أن ما كانت تسعى له قوات سوريا الديموقراطية -قسد- كان يهدف لإبقاء سوريا ممزقة على المدى الطويل، فالتصعيد العسكري الذي تسعى إليه ليس أكثر من طعنات نافذة في جسد الوطن المثقل فعلياً بالجراح، فسوريا بعد صراعاتها المريرة أبعد ما تكون في حاجة لمشاريع انفصالية جديدة، فسوريا كانت وستظل دولة موحدة ولا يمكن أن يتم تقسيمها لدويلات ممزقة تحت أي مسمى.

ما تسيطر عليه قسد كان ولايزال جزءاً لا يتجزأ من أرض سوريا، وأرض سوريا للسوريين جميعاً وليست ملكاً لفصيل أو طائفة أو قوة عسكرية مسلحة بعينها، وليس من حق أي طرف أن يدعي أنها حقه وحده دوناً عن بقية السوريين، فسوريا دولة واحدة مستقرة ومركزية، ينعم أبناؤها بالوحدة والاستقرار، ولا شك أن السوريين جميعهم يرفضون المساس بوحدة بلادهم وضد أي مشاريع للانقسام والانفصال، فهم ضد قيام دويلات ممزقة داخل كيان دولتهم، كما أن ذاكرة الحرب الأهلية لا تزال حاضرة في قلب وعقل كل مواطن عانى ولايزال يعاني من ويلات تلك الحرب.

في ظل المرحلة الدقيقة التي تمر بها سوريا اليوم يتعين على الشعب السوري أن يدرك أن الصراعات لن تؤدي إلا إلى المزيد من الصراعات، وأن هذه الصراعات وعدم الالتفاف حول القيادة الحالية قد يعيد للمشهد فلول الأسد، لذلك ليس أمام سوريا الآن سوى طريق واحد، وهو أن يلتف جميع أبناء الشعب السوري حول قيادته الجديدة التي أثبتت حسن النوايا وبرهنت على سعيها المستمر لإنقاذ سوريا من التمزق، وإعادة بناء الوطن وفقا لأجندة وطنية جامعة تعيد الدولة السورية باعتبارها مظلة لجميع أبناء الشعب دون تفرقة، ولعل اتفاق وقف إطلاق النار بين قسد وبين الحكومة السورية والذي تم توقيعه مؤخراً يعد نقطة تحول تاريخية تعيد بارقة الأمل للسوريين، لأن وحدة الصف الداخلي تمثل اليوم صمام الأمان لعبور هذه المرحلة الحساسة من تاريخ سوريا.

00:02 | 23-01-2026

طعنة في البحر الأحمر..!

على الرغم من أن إقليم أرض الصومال أعلن انفصاله عن الدولة الأم منذ أكثر من ثلاثة عقود، إلا أنه لم يحظَ بأي اعتراف دولي من أي طرف أو من قبل أي دولة، إلى أن اعترفت به إسرائيل مؤخراً في خطوة مريبة ومثيرة للشكوك، ويأتي هذا الاعتراف الإسرائيلي الخارج عن المألوف في الدبلوماسية السياسية تأكيداً على إصرار إسرائيل على أن تظل شوكة في خاصرة المنطقة العربية والشرق أوسطية، وتحدياً لكافة دول المنطقة في وقت يشهد الكثير من الأزمات والتوترات.

ولعله غني عن القول الإشارة إلى ما يتمتع به إقليم أرض الصومال من مزايا استراتيجية عظيمة، فالإقليم الذي يتمتع بموقع جغرافي مميّز يطل على خليج عدن ومضيق باب المندب الذي يعد أحد أهم الممرات التجارية في العالم وشريانها البحري فائق الأهمية، يعد أحد منافذ التجارة العالمية التي تتنافس العديد من الأطراف على السيطرة عليها، ومما لا شك فيه أن تعزيز الحضور الإسرائيلي البحري والاستخباراتي في تلك المنطقة وفي محيط البحر الأحمر تحديداً سيمثل أهمية بالغة لإسرائيل.

من المؤكد أن هذه الخطوة الإسرائيلية الأحادية التي لم تشترك معها فيها أي دولة أخرى بالعالم تأتي في وقت دقيق يتزامن مع العديد من الأحداث الصعبة التي مرت بها المنطقة مؤخراً، فإسرائيل التي غدت تعاني من عزلة سياسية وتصاعد الرفض حولها من العديد من الدول والكثير من الشعوب حول العالم، غدت بحاجة ماسة لتعزيز وجودها السياسي والدبلوماسي حتى لو اقتضى الأمر منها الاعتراف بدولة أعلنت انفصالها منذ ما يزيد على العقود الثلاثة، وهو نهج إسرائيلي معتاد يعكس أجندتها الأنانية في التعاطي مع الأزمات ويجسّد توظيفها للأزمات الإقليمية لخدمة مصالحها الضيقة، وذلك على حساب استقرار الدول ووحدة أراضيها ومصالح شعوبها، فهذا الاعتراف الذي قد يكون على حساب تهجير بعضٍ من سكان غزة أو سبباً لإقامة قواعد عسكرية إسرائيلية على أراضي الإقليم، قد يعزّز من النفوذ الإسرائيلي في محيط البحر الأحمر ويوجِد لإسرائيل موطئ قدم في هذا الممر التجاري شديد الأهمية.

لا تهتم إسرائيل كعادتها بنظرة بقية دول العالم لها كدولة مشاكسة متمردة لا يهمها قتل أكبر عدد ممكن من البشر دونما تحفظ وبدم بارد، غير أن سياستها بالغة الأنانية في توظيف كافة القضايا لخدمة مصالحها الشخصية الآنية اتضحت في اعترافها بإقليم أرض الصومال، وهو ما يبرهن طيلة الوقت على أن إسرائيل ما هي إلا كيان شرس لا يفقه ولا يكترث من الأساس بالتوجه العالمي ولا بالقوانين الدولية التي تضع في أولى أولوياتها احترام سلامة أراضي الدول واستقلالها السياسي.

وبخلاف ذلك لا تعبأ إسرائيل بأن تكون هي صاحبة الطعنة في محيط البحر الأحمر، فاعترافها بإقليم أرض الصومال يعرّض المنطقة طيلة الوقت لأن تسقط في حالة من التوتر وعدم الاستقرار ويحيلها لبؤر صراع قد لا تندمل، ولا يخفى على أي متابع ما قد تؤول إليه الأحوال لو انفجرت الأوضاع في تلك المنطقة الحسّاسة، وهو ما سيفتح الباب واسعاً أمام المزيد من تفكك المنطقة ونهب ثرواتها وضياع شعوبها.

ولعل أخطر ما يتعلق بقضية اعتراف إسرائيل بإقليم أرض الصومال هو الموقف الأمريكي المتردد للرئيس ترمب الذي لم يعلن موقف الولايات المتحدة بشكل صريح من تلك الأزمة السياسية الجديدة المفتعلة في الجزء الشرقي من القارة الأفريقية، فهو لم يرحّب بالاعتراف بها، غير أنه لم يحسم رفضه للاعتراف بها أيضاً، فاتحاً الباب واسعاً لاتخاذ موقف قد يصب في مصلحة إسرائيل وينحاز لها كما يحدث في أغلب الوقت، ولا شك أنه في حالة الاعتراف الأمريكي باستقلال الإقليم فإن ذلك سيفتح باب الفتن على مصراعيه لاشتعال الأزمات في العديد من دول المنطقة، فعقب الاعتراف الأمريكي بالإقليم قد تتسابق الكثير من الدول للاعتراف به، وهو ما يعني حرباً في المنطقة قد تظل مستمرة لعقود طويلة قادمة.

الاعتراف الإسرائيلي بإقليم أرض الصومال ليس بالشيء غير المتوقع، بل هو نهج إسرائيلي معتاد تبرزه الأزمات فحسب أكثر وأكثر، فإسرائيل تبحث لنفسها دوماً عن موطئ قدم داخل المناطق الهشة عبر مفهوم الصيد في الماء العكر، فهي تفضل الاستثمارات في الفراغات السياسية وداخل الدول المأزومة، لهذا يتحتم علينا جميعاً إدراك كافة دلالات هذا الاعتراف المريب، فالمنطقة لا تزال تعاني من الكثير من الجراحات والحروب، كما أن التحكّم في منطقة البحر الأحمر يعكس في جوهره القدرة على التحكّم في واحدة من أهم الطرق الاستراتيجية بالعالم كله، وهو ما يعني أن تستمر المنطقة في الغليان لفترة طويلة.

23:56 | 15-01-2026

قضية حضرموت

لعله مما لا جدل فيه أن اليمن تمثّل للمملكة العربية السعودية أهمية بالغة إذ تعدّ لاعباً أساسياً في معادلة الأمن القومي السعودي، ولا تحكم العلاقات السعودية اليمنية الحدود الجغرافية فحسب، بل تتشابك مصالح البلدين السياسية والأمنية على نحو لا يمكن تجاهله أو استبعاده، وقد شهد اليمن الكثير من التطوّرات المتلاحقة خلال العقود الأخيرة الماضية وعانى الكثير من دعوات انفصال جنوب اليمن ومحاولة سيطرة الحوثي على مقاليد السلطة في الدولة، كما واجهته العديد من الأزمات، التي كان سببها التدخل الخارجي في شؤونه الداخلية، وخلال ما يقرب من شهر ضربت اليمن أزمة سياسية وعسكرية وأمنية جديدة بسبب موقف المجلس الانتقالي اليمني الذي يرغب في فصل جنوب اليمن عن شماله.

لا تمثّل اليمن أهمية بالغة للمملكة العربية السعودية فحسب، بل تكتسب أهميتها الإقليمية والدولية من عوامل عديدة لعل أهمها موقعها الاستراتيجي المتمثل في إشرافها على واحد من أهم الممرات الملاحية الدولية بالعالم وهو مضيق باب المندب، الذي يمثّل الشريان الرئيسي لممرات التجارة العالمية، لذلك فإن كل ما يحدث في اليمن يؤثر على المجال الأمني والسياسي والعسكري والاقتصادي للبحر الأحمر، وهو ما تنعكس تداعياته على كافة دول العالم.

غير أنه لا يمكن بحال من الأحوال دعم الاستقرار في اليمن دون أن تحظى بحكومة قوية ومستقرة، ولهذا يعد دعم الحكومة الشرعية المعترف بها دولياً ركيزة أساسية وحلّاً وحيداً للوصول لحل سياسي مستدام في اليمن، فالحكومة الشرعية المعترف بها دولياً هي الإطار السياسي والقانوني الوحيد الذي يمكنه تمثيل الدولة اليمنية بكل مقوّماتها وطوائف شعبها، ومن هنا نبع الدعم القوي من المملكة للحكومة الشرعية في اليمن، وهي الطرف الوحيد القادر على الحفاظ على مؤسسات الدولة وتحقيق الاستقرار وحماية حقوق كافة المواطنين اليمنيين.

لا شك أن العناصر والأطراف التي تسعى لتقويض دعائم الدولة في اليمن كثيرة ومتعدّدة، فالكل يدرك الأهمية الكبيرة التي تحتلها اليمن سواء على الصعيد الجغرافي أو السياسي، ولعله من الواضح للعيان كمية الأخطار التي سوف تحدق بالعالم في حال سيطرة الجماعات المتطرفة أو الإرهابية عليها وعلى الممرات الملاحية المهمة التي تطل عليها، وبالتالي على التجارة العالمية ولاسيما إمدادات الطاقة حول العالم، ومن هنا يكتسب اهتمام المملكة بما يدور في اليمن أبعاداً جديدة ومهمة، فالتحالف الذي تقوده السعودية هدفه حماية الدولة من الانهيار وتفككها وتحوّلها لكيانات صغيرة متناحرة.

وفي خضمّ محاولات رأب الصدع داخل الدولة اليمنية التي تعاني من الأساس من مشاكل كثيرة، وخلال السعي الحثيث لمحاولة بسط الاستقرار فيها، يظهر المجلس الانتقالي اليمني ليطرح مشروعاً انفصالياً يدعو لتقسيم اليمن، وفي واقع الأمر لا يحتاج اليمن دعوات انفصالية لن يحصل منها إلا على المزيد من التفكك والانقسام، ولا شك أن انقسام الدول هو واحد من أسوأ الكوابيس التي قد تمر على أي دولة، ذلك أنه يفتح الباب على مصراعيه لحروب طويلة قد لا تنتهي.

وفي الوقت الذي تسعى فيه كافة الدول -سواء قديماً أو حديثاً- لعودة أقاليمها المنفصلة عنها وتوحيدها وبسط سيطرتها على كافة أراضيها التاريخية بل وضم مناطق أخرى لها في حال تشاركها معها اللغة أو التاريخ أو الجغرافيا أو الدين، تظهر دعوات المجلس الانتقالي اليمني مثيرة للريبة والشكوك، ولاسيما وهو يستخدم السلاح لفرض أجندته على الواقع في اليمن بطريقة تعسفية، وتأتي استضافة المملكة العربية السعودية لمؤتمر الجنوب في الرياض تأكيداً على رغبتها في احتواء الأزمة ودعوة كافة الأطراف إلى الحوار.

لا شك أن إدراك المملكة لهذا الموقف الخطير الذي يحيط باليمن هو السبب الأساسي لسعيها لإنقاذه، فلو غضّت المملكة الطرف عمّا يحدث في اليمن، وتجاهلت ما يحدث لجر اليمن لمستنقع الانقسام والتفكك، فإن ذلك سيكون له العديد من التداعيات الأمنية على المملكة وعلى المنطقة كلها، وسيفتح الباب على مصراعيه لأي طرف يريد العبث بأمن الدول الآمنة والمستقرة، وما لا شك فيه أن علاقة المملكة العربية السعودية باليمن ليست ملفاً عابراً أو اهتماماً عشوائياً، بل هي قضية استقرار إقليمي ومصير مشترك، ودون جدال يعد دعم الشرعية في اليمن ممثلاً في مساندة الحكومة المعترف بها دولياً هو الطريق الوحيد لدعم وحدة اليمن والحفاظ على حقوق شعبه.

00:00 | 9-01-2026

حدث خلال عام!

ها هو عام 2025 قد انقضى فاتحاً الأبواب على مصراعيها لقدوم عام جديد وأحداث جديدة، ومن الجلي أن هذا العام لم يخل من العديد من الأحداث الجسام ولاسيما تلك التي اجتاحت منطقتنا العربية والشرق أوسطية، كما أثّرت على المنطقة العديد من الأحداث العالمية التي كان لها أثر على العديد من دولها سواء بالسلب أو الإيجاب، وقد خاضت بعض دول المنطقة حروباً في الوقت الذي نعمت فيه دول أخرى بالأمن والسلام.

من المؤكد أنه من الصعب بمكان تتبع كافة الأحداث التي دارت في العالم، أو حتى تلك التي ألمّت بمنطقتنا خلال هذا الحيّز المحدود، غير أن هناك العديد من الأحداث التي يصعب تجاهلها لقوة تأثيرها على كافة دول العالم والمنطقة، لعل أهمها بالقطع الفترة الرئاسية الثانية للرئيس الأمريكي دونالد ترمب التي بدأت مع بداية العام الماضي وتعد أبرز أحداث عام 2025 إثارة للجدل، فعودة ترمب لم تكن مجرد إعادة انتخاب لرئيس أمريكي عادي، بل اعتبرت مرحلة جديدة لعصر القوة الأمريكي الذي لم تعد تبالي فيه الولايات المتحدة إلا بمصالحها المباشرة، وفي تحوّل جذري لسياسات الولايات المتحدة التي انتهجها الرؤساء الأمريكيون السابقون، نجد ترمب يقف في منعطف وحده ليعيد تشكيل السياسات الأمريكية بنهج متشدّد، شمل العديد من السياسات مثل سياسة الهجرة والتحالفات الدولية والاقتصاد العالمي.

من المؤكد أن سياسة ترمب ليست شأناً أمريكياً داخلياً فحسب، بل أثرت على كافة دول المنطقة بشكل جذري، فما يحدث ويحدث في الداخل الأمريكي يؤثر على كافة دول العالم بشكل مباشر وغير مباشر أيضاً، وما تقوم به الولايات المتحدة يمثّل رسالة واضحة لكافة دول العالم بأن التحالفات القديمة والمبنية على أسس لا تمس المصالح الأمريكية لم يعد لها وجود في عالم السياسة الأمريكية بعد الآن، وهو ما يلزم بقية دول العالم بتغيير سياساتها هي الأخرى على وجه السرعة لتتناسب مع الوضع السياسي الجديد.

ولا يمكننا بطبيعة الحال أن نتناول أهم أحداث عام 2025 دون أن نعرّج على أهم حدث عربي ألمّ بمنطقتنا وهو نهاية حرب غزة، والتي لم تؤثر على مليوني إنسان فحسب هم عدد سكان القطاع، بل أثّرت على الضفة الغربية وعلى لبنان وسوريا وإيران أيضاً، فلا شك أن أحداث السابع من أكتوبر لم تكن مجرد حدث عابر للمقاومة الفلسطينية، فتلك الأحداث دفعت إسرائيل بالفعل لشن حرب عنيفة على عدة جبهات بهدف محاصرة حماس واقتلاع سلاحها، غير أنه من المرجح أن تكون تلك الأهداف المعلنة قد أضمرت الكثير من النوايا والأهداف الأخرى مثل تهجير سكان غزة وفرض سيطرة إسرائيل على أراضي الضفة الغربية، وقد خاضت إسرائيل حرباً شعواء ضد فصائل المقاومة الفلسطينية على مدار عامين قتلت خلالهما عشرات الآلاف من المدنيين العزل في قطاع غزة، وجرحت أعداداً مضاعفة منهم، بخلاف تدميرها الكامل للبنية التحتية في القطاع من مدارس ومستشفيات وطرق ومبانٍ سكنية، وهو ما أدّى لنشوب واحدة من أقسى المآسي الإنسانية في التاريخ الحديث.

أما الحرب في السودان فتعد هي الأخرى واحدة من أكثر الأحداث الملتهبة في عام 2025، فتلك الحرب الأهلية التي طال أمدها أتت على الأخضر واليابس في ذلك البلد المنهك أصلاً، وأدّت لمقتل الألوف من الأبرياء ونزوح الملايين منهم للدول المجاورة هرباً من نيران تلك الحرب المشتعلة، وتعد الأزمة في السودان من أكثر الأزمات حزناً حيث لم تعد الصحف والمواقع الإخبارية تبالي بما يحدث من قتل وتشريد وانتهاك لحقوق المدنيين فيها، فقد غدت الأزمة حدثاً يومياً معتاداً لا يهتم أحد بمطالعته أو الاهتمام بضحاياه، وذلك على الرغم من المجازر التي تقوم بها مليشيات الدعم السريع والتي يندى لها الجبين.

انتهى أخيراً عام 2025 بكل مرارة وقسوة تفاصيله، غير أن غالبية أحداثه لم تنتهِ بانتهائه، فالكثير من الأزمات لا تزال مرشحة للانفجار والاستمرار في عام 2026 أو ربما في الأعوام التالية أيضاً، فهناك الكثير من الأطراف التي تنفخ في فتيل الأزمات ولا ترغب في انطفائها، وكل ما نرجوه هذا العام أن يدرك العالم أن الحروب لا تحل الصراعات ولا تفك النزاعات، فكافة أطراف الحرب خاسرون مهما بدا أن طرفاً منهم قد فاز بالفعل، فالحروب ليست نزهة، كما أن آثارها السلبية لا تختفي بين عقد وآخر بل قد يطول أمدها لأجيال تأتي بعدها أجيال، وكل ما نأمله في العام الجديد أن يعيد كافة أطراف الصراعات حساباتهم مرة أخرى، فالسلام هو السبيل الوحيد لتحقيق الازدهار وأفضل كثيراً من من خوض الصراعات المدمرة.

00:01 | 2-01-2026

صنع في السعودية

في الوقت الذي بدأت فيه الكثير من دول العالم التوجه نحو دعم قطاع الخدمات كأحد أهم القطاعات المؤثرة في اقتصادها الوطني، لم تغفل المملكة أهمية القطاع الصناعي ودوره في هيكلة الاقتصاد ومده بأهم روافده الحقيقية، وقد اختتم قبل أيام معرض «صنع في السعودية» والذي حظي بمشاركة واسعة من العديد من الجهات الحكومية والقطاع الخاص معاً، وأسفر عن توقيع العديد من الاتفاقات ومذكرات التفاهم التي عقدت بين عدد من الجهات الحكومية والشركات المحلية والدولية.

مما لا شك فيه أن الاقتصادات القوية لا تعتمد على وفرة الموارد أو تميّزها فحسب، بل على القدرة على تحويل هذه الموارد إلى قيمةٍ مضافة تُسهم في زيادة الاستقرار وتقدم الدولة ورفاهية مواطنيها، ومن هنا تبرز أهمية المفهوم الذي يعتبر الصناعة هي العمود الفقري للاقتصاد الوطني، ومن المؤكد أن كل منتج يحمل عبارة «صُنع في السعودية» هو حصيلة منظومة متكاملة من التخطيط، والتعليم، والجودة، وشاهد على أن العمل لم يعد ارتجالًا، بل ممارسة واعية تستند إلى رؤية طويلة المدى.

وكلما اتسعت القاعدة الصناعية في دولة ما، ازدادت قدرتها على التحكم في مسارات نموها، ومما لا شك فيه أن الصناعة لها دور محوري في تنويع مصادر الدخل، فهي تحرر الاقتصاد الوطني من الارتهان لقطاع واحد، وتفتح آفاقًا أوسع للاستثمار والتشغيل، والصناعة لا تخلق فرص عمل مباشرة فحسب، بل تولّد حولها منظومة متكاملة من الخدمات، والتقنيات، والمعرفة، ما يعزز الحركة الاقتصادية ويعمّق أثرها في المجتمع.

من المؤكد أن التحوّل الأبرز في التجربة الصناعية السعودية يتمثل في قدرتها على الابتكار، والانتقال من تلبية الحاجة المحلية إلى منافسة المعايير العالمية، فلم يعد المنتج السعودي يطلب القبول في الأسواق، بل يدخلها بثقة تستمد قوتها من جودة التصنيع، ودقة التنظيم، ووضوح الهدف، ولهذا تعد جملة «صنع في السعودية» علامة ثقة، لا شعارًا دعائيًا، وبخلاف ذلك فإن الصناعة تسهم في بناء رأس المال البشري، إذ تفرض على الدول الاستثمار في التعليم والتدريب ونقل المعرفة، فالمصانع الحديثة لم تعد تعتمد على الآلات وحدها، بل أصبحت تعتمد على العقول القادرة على التطوير والابتكار، الأمر الذي يجعل الصناعة مدرسة عملية لتكوين الخبرات الوطنية، وواجهة حقيقية للتقدّم العلمي.

وبتقصي العديد من التجارب الاقتصادية للكثير من الدول يتضح لنا تماماً أن الصناعة هي العمود الفقري الذي يمكّن الدول من السيادة الكاملة على مواردها وحاضرها ومستقبلها، كما أنها صمام الأمام الذي يحميها من التفكك خلال الأزمات التي قد تعصف بها سواء كانت أزمات محلية أو إقليمية ودولية لا يد لها فيها، فالدول التي تهتم بتطوير قطاعها الصناعي نجدها دوماً أكثر قوة من تلك الدول الاستهلاكية التي تعتمد بشكل كامل على الاستهلاك من الخارج، ويعكس الاهتمام بالقطاع الصناعي رؤية حكيمة وطموحة بعيدة المدى لما يجب أن تكون عليه الدولة، فالصناعة هي أداة لتحقيق التنمية المتوازنة داخل البلد، كما أن لها نتائج اجتماعية بالغة الأهمية، فبخلاف إسهامها الواسع في تلبية الاحتياجات المحلية، فإنها تسهم في إضفاء الكثير من الثقة بين المواطن وبين منتجه المحلي، مما يزرع في نفوس المواطنين الاقتناع بأن ما يُصنع محليًا لا يقل جودة عمّا يتم استيراده.

لا شك لدينا في أن دعم الصناعة الوطني لا يقاس بعنصر واحد مثل حجم الإنتاج أو نوعه، بل يقاس بمدى قدرة القطاع الصناعي على الإسهام في بناء اقتصاد أكثر قوة، وهو ما يؤكد قدرة الدولة على تحقيق رؤيتها وأهدافها، فالصناعة هي الطريق الذي تنتقل من خلاله الدول من مربع الاستهلاك لمربع الإنتاج والابتكار، حيث تتكاتف جهود الدولة ومسؤوليها لصناعة ما يليق بها وبمكانتها الدولية ووزنها السياسي والاقتصادي، ومن المؤكد أن علامة «صُنع في السعودية» هي طريق معبد بسواعد الشباب السعودي القادر على البذل والعطاء.

00:03 | 26-12-2025

هل تعود سويسرا الشرق؟!

لطالما كانت لبنان واحدة من أجمل الوجهات السياحية بالمنطقة العربية ومنطقة الشرق الأوسط وأكثرها تميّزاً، وقد دفع مناخها المعتدل الكثيرين لإطلاق لقب سويسرا الشرق عليها بسبب التشابه الكبير في الطبيعة والطقس الرائع بين الدولتين، ما أهّلها لأن تصبح مصدر جذب سياحي ومقصداً للزيارة من السيّاح من كافة دول العالم ولا سيما من مواطني منطقة الشرق الأوسط.

غير أن كل ذلك تغيّر تماماً في منتصف السبعينات عندما عصفت أجواء الحرب الأهلية المدمرة بلبنان، والذي دخل في أتون حرب أهلية طاحنة حتى تسعينات القرن الماضي، وعلى الرغم من انتهاء الحرب الأهلية رسمياً غير أن لبنان ومنذ بداية دخوله في مرحلة الحرب الأهلية وهو يمر بسلسلة من الأحداث المتتالية التي أثّرت على طبيعة الحياة فيه وقوّضت من دعائم استقراره والتي استمرت حتى يومنا هذا. ولعل أبرز الأحداث التي أثّرت بالسلب على استقرار وسيادة لبنان كان التدخل السوري لحزب البعث في شؤونه الخاصة، والذي يعد تدخله في لبنان مرحلة فاصلة حوّلت لبنان لساحة حرب بالوكالة، مما أدخل البلد في حالة من التوتر والاضطراب المستمر.

لا يمكننا بطبيعة الحال تجاهل دور إسرائيل في المعادلة السياسية في لبنان، فقد كانت لبنان من أشد الدول معاناة عقب عملية السابع من أكتوبر في قطاع غزة، حيث استباحت إسرائيل الأراضي اللبنانية على نحو سافر وقامت بالتعدي عليه، وهو ما زاد من معاناة المواطنين، ولعل أسوأ الأزمات السياسية الحالية بلبنان هو وجود ميليشيا مسلحة متمردة ترفض الانصياع والانضواء تحت سلطة الدولة، ومع تزايد وعي القيادة اللبنانية والوعي الشعبي بضرورة توحيد لبنان تحت قيادة وطنية واحدة، تزايدت التحديات داخل لبنان ولاسيما عقب مطالبة الحكومة اللبنانية بقيادة الرئيس عون ورئيس وزرائه نواف سلام بضرورة حصر السلاح في يد الدولة، وإنهاء سيطرة الميليشيات المسلحة أيا كانت، فلا تزال لبنان ترزح تحت وطأة سعي تلك الميليشيات لأن تبقى لها اليد العليا في الشأن اللبناني وتحديد مصيره، غافلين أو متغافلين عن أن هذا السعي لا يراعي مصلحة لبنان ولا مصلحة الشعب اللبناني، وقد كان أحد الأسباب المهمة والجوهرية في عدم استقرار لبنان واضطراب أحواله.

في اعتقادي الشخصي أن تسليم الميليشيات المسلحة لسلاحها والانضواء تحت راية حكومة واحدة هو الخطوة الأولى في مسيرة الإصلاح الوطني في لبنان، فهو بوابة الحماية التي ستمنع أي تدخل خارجي في الشأن اللبناني في الظهور من جديد، مما يسمح ببعض الاستقرار في البلد الذي طالما عانى من ويلات الحرب الأهلية، ومن المؤكد أن استقرار لبنان لا يهم اللبنانيين فحسب، بل سيلقي بظلاله الإيجابية على كافة دول المنطقة واستقرار منطقة الشرق الأوسط بأكملها، فالتوتر والاضطرابات التي تصيب دولة لا تقتصر على حدودها بل قد تمتد آثارها لدول بعيدة لا تجاورها، والتأثيرات التي تؤثر على كافة دول المنطقة قد تكون مباشرة أو غير مباشرة.

تتمتع لبنان بمقوّمات سياحية تؤهلها بالفعل لأن تكون سويسرا الشرق، فهي تطل على ساحل طويل على البحر المتوسط، وهي تستطيع النهوض والعودة لمكانتها السياحية المميّزة التي كانت تحتلها قبل نشوب الحرب الأهلية فيها وتدخل عدد من الدول في شؤونها الخاصة، وهو ما لن يحدث إلا بالتفاف الشعب حول حكومته وحصر السلاح في يد الدولة، وعودة السياحة لسابق عهدها في لبنان يعني استقرار لبنان، وهو ما يعني بدوره عودة ثقة دول العالم فيها، وهو ما ستتم ترجمته في مسارعة دول العالم لدعمه اقتصادياً وتحويله لجهة جاذبة للاستثمارات الخارجية، فأمام لبنان الآن فرصة ذهبية للاستقرار بعيداً عن التدخلات الخارجية.

23:57 | 18-12-2025