أخبار السعودية | صحيفة عكاظ - author

https://cdnx.premiumread.com/?url=https://www.okaz.com.sa/okaz/uploads/authors/239.jpg?v=1766066191&w=220&q=100&f=webp

علي بن محمد الرباعي

حروب عَرَضيّة وحروب استعراضية

ربما لا تحاسب شعوب رؤساءها على أخطائهم وخطاياهم، إن حقّقوا لهم نتائج إيجابية، تطلّعَت طموحاتهم إليها، ومنها استتباب الأمن، واستقرار الاقتصاد. وبما أنّ التاريخ مفتاح الحاضر، وقنطرة المستقبل، وقفتُ على مقالة كتبها عام 1941م المليونير الإعلامي الأمريكي «هنري لوس» في مجلته «لايف»، بشّر فيها بالقرن الأمريكي، وذهب إلى أن المشكلة الأساسية التي يواجهها العالم حينها، هي أن أمريكا لم تقبل حتى ذلك التاريخ، كامل المسؤولية لتثبيت ملكيتها للقرن العشرين، وكان الكاتب شديد التحزب والتعصب، علماً بأنه مولود في الصين، ودرس في إنجلترا، وربما كان أول الداعين إلى أمركة العالم.

لم تمرّ مقالته مرور الكرام، بل ردّ عليها «هنري أغارد والاس»، وكان يعمل نائباً للرئيس «فرانكلين روزفلت»، عبر كلمة ألقاها عام 1942م، ومما جاء فيها: «القرن الـ21 قرن الإنسان العادي، ويمكنها أن تكون فرصة أمريكا لتوفير الحريات والواجبات، التي يجب على الإنسان العادي أن يعيش بهداها، ولن يكون لأيّ أمة حقٌّ إلهي باستغلال باقي الأمم، وسيكون للبلدان العريقة الامتياز في مساعدة الأمم الناشئة، للانطلاق في مجال التصنيع، ولكن لا يجوز ممارسة أي استعمار عسكري أو اقتصادي، علماً بأن الطرق المستخدمة في القرن الـ19، لن تنجح في قرن الشعب الذي سيبدأ الآن».

نلحظ عند الكتابة عن أمريكا وقراءتها، بروز هاجس الاقتصاد، الذي تراه صلب حياتها، وأنه لابد له من قوة توجّهه وتحميه، وتبيد أو تحجّم من يهدّده، وهناك حروب عَرَضيّة غير محسوبة الحساب، محكومة بالصدفة، وغالباً تنجم عن استفزاز آني، فيما هناك حروب استعراضية، للتباهي بالقوة، وفرد عضلات، بحكم ما وصلت إليه القوة العسكريّة، أو لتمرير رسائل سياسية، ولا أدري لماذا كان الشبه الأقرب لذهني «رياضات استعراض العضلات»، فلاعب كمال الأجسام لا يُبقي عليه من ملابسه إلا ما يشبه الساتر الوهمي، كون لجنة التقييم تعطي كل عضلة حقها من التقييم، ولذا نراه يستدير يميناً وشمالاً، ويشحّط عروق زنوده وعضوده ليبدي التفوق، خصوصاً للمنافسين الشرسين.

ومما يلفت في مؤلفات الحروب، اتفاق الأساطير القديمة على التلازم بين آلهة الحرب، والحُبّ، والخصب، ولعله لم تتفق الأديان، والأساطير، والذاكرة الشعبية على شيء مثل اتفاقها على علامات الساعة، وحروب آخر الزمان، إما إجمالاً أو تفصيلاً، وإما كشفاً أو ترميزاً، وبمقاربة بين تلازم الآلهة المصنوعة «للحرب والحب والخصب»، وبين واقعنا، تعود صورة العاشق الحالم والطامح لفرض هيمنته، التي لا سبيل إليها إلا بالقتال وافتعال المعارك، فالصيت بالطغيان، يولّدُ الخوف والإذعان، بينما تحلم الجميلات بلقاء المحارب البطل وتتشرّف بالاقتران به، ومن لوازم العشق، الإسراف في القتل، لإقصاء كل نزق ومراهق عن فضاء المحبوبة، وليخلو الجوّ للمحارب الأقوى، ولا عتب على عنترة عندما قال «فوددتُ تقبيل السيوف لأنها، لمعت كبارق ثغرك المتبسم».

وإن ظفر الفارس بمعشوقته، يبدأ معها مرحلة استقرار، فتأتي الزراعة والرعي وإصلاح الأراضي، وكلما اهتنى بعيشه انفتحت شهيته للاستقواء تحسّباً لأي خطر محتمل، وفي حالة الشعور بالخطر، يقرر التوسع، لحماية خصبه ونصبه، ويفتعل الإشكالات في محيطه وجواره ليبرز عضلاته، ويرهب كل من تسوّل له نفسه منافسته أو الاقتراب من حماه وذراه. وتاريخ الشعوب مليء بقصص حروب دامت لعقود، وثأرات مات أهلها، وظلّت حيّةً تسعى، وتطل برأسها بين فينة وأخرى.

وتؤكد الكتب التراثية المقدسة أن الصراع ضرورة، بين متدينين موحدين، وبين كفار، ومؤمنين ولا دينيين، ومسلمين وأهل كتاب، وكلٌ لديه من نصوصه ما يُبوئه مرتبة الإيمان، ويضع غيره في خانة الكفر، فيغدو قتله باسم الدين والعقيدة مبرراً، ولعل عبدالمطلب جدّ النبي، عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم، أوّل من تنبّه لقضية الاستدراج للصراع، وخير من تفاداها، فسأل أبرهة: تريد إبلي أم البيت؟ فأجابه: لا شأن لي بإبلك، فقال: أنا حامي إبلي، وللبيت ربٌّ يحميه.

وبمراجعة سريعة لأحداث إخراج الخميني من العراق إلى فرنسا، وكفالة القوى له خروجاً آمناً، نلحظ جانباً من لعبة الأمم، فالشاه حليف أمريكا، ولذا كان تبني الخميني أوروبياً فرنسياً، وتأتي الثورة، وتتنكر أمريكا للشاه، وسرعان ما مكّنت الخميني من جغرافيا وشعوب، وخلقت له كاريزما وصنعت تاريخاً، ثم أرهبت منه العراق والخليج، ثم حوّلته إلى شرير، وسماها الشيطان، وها هي اليوم تدمّر إرثه الذي صنعته له بالأمس.

وإذا سلّمنا بأننا في زمن هو الأقرب لقيام الساعة، فما على عشّاق الدهشة إلا جمع النصوص والروايات والحكايات والأساطير، وإنزال منطوقها أو مفهومها على ما يراه ويسمعه، ففي ذلك تسلية له، وانشغال عن هاجس فناء العالم، بالطبع ليس هناك من يريد الفناء، لا حبّاً في العالم، بل لأن فكرة الخلود فطرة الإنسان، ولن يخلّده مثل عمل صالح، وما أوسع باب التفاؤل والأمل الذي فتحه لنا النبي الكريم عليه السلام «إذا قامت القيامة وفي يد أحدكم فسيلة فليغرسها»، والغالبية اليوم نسوا أو أهملوا غرس الفسائل، بسبب تركيزهم على قُرب القيامة، علماً بأن غرس الفسيلة «طوق نجاة».

منذ 17 ساعة

النُخبة نقص وزنها فزاد عددها

تقول الحكاية الشعبيّة؛ أنّ إحدى الأمهات؛ اشتاقت لابنها الذي سافر للعمل في مكة وانقطعت أخباره، وعندما علمت بأن أحد أفراد قريتها؛ ينوي الحج، ذهبت إليه، وحمّلته الوصايا والسلام، فسألها؛ وين ألقاه وهو له سنوات ضاربها خريمة؛ قالت بعفويتها القروية؛ إذا وقفت في عرفة، صوّت؛ (يا من شاف ولد مدهنة الغايب عن أمه سنة) وعدها أن يبذل جهده؛ وعاد بعد الحج؛ فأقبلت عليه متساءلةً متفائلة ؛ بشّرني؟ فحلف لها؛ أنه نادى حتى بُحّ صوته، ولكن في غلبة وجلبة الناس لم يردّ عليه، ولم يعره الانتباه أحد !! فقالت؛ ليش ما قلت أصه؛ فقال؛ من يقول في الحج أصه؛ فغدت مثلاً.

كان لمصطلح النخبة، رمزيته الوازنة، ففي مجتمع القرية، لا يجرؤ الصغار، أو الشباب، التحدث في مجلس الكبار، ودورهم يقتصر؛ على تقديم الماء لشارب، أو صبّ القهوة؛ وسكب ماء الغسل على كفوف المكثرين بالخير، عقب الانتهاء من الأكل، إثر وقوف طويل بالأباريق و الصابون في أيديهم، والمناشف على كتوفهم؛ وما أكبر الحظوة، عندما يقول مغسّل يديه«غفر الله لك ولوالديك ولمن غسّل بين يديك».

وبمرور الأعوام، انحسرت تدريجياً ثقافة التقدير، لمن هم أكبر سنّاً وقدراً، ليتحول التقدير والاحترام إلى جناب المحترم صاحب المال الوفير، ثم انتقلت المكانة النخبويّة بقدرة قادر أو مُقتدر للمشاهير، ومن لهم متابعون كُثر، و للتحولات سريرةٌ لا تُعلمُ!! ورحم الله المتنبي الذي استقرأ بفراسته حال و خلال البشر «وارفق بِنَفسِكَ إِنَّ خَلقَكَ ناقِصٌ، وَاِستُر أَباكَ فَإِنَّ أَصلَكَ مُظلِمُ، وَغِناكَ مَسأَلَةٌ وَطَيشُكَ نَفخَةٌ، وَرِضاكَ فَيشَلَةٌ وَرَبُّكَ دِرهَمُ».

و كان الأقدمون يقولون «من كان أستاذه الكتاب كان خطؤه أكثر من الصواب» كون الكتاب جامد، وإن كان فيه من روح مؤلفه، وتعليقات شراحه؛ إلا أن التفاعلية افتراضية، أو من طرف واحد، فالقارئ يقلّب الصفحات، و يؤشر على بعض الأسطر، وربما لا يفهم ما قرأ كما ينبغي؛ و لذا يخرج بتساؤلات أكثر مما يحوز إجابات.

فيما أنتج التتلمذ، على يد أساتذة أو مشائخ، في مدرسة أو جامع أو مسجد أو بيت، إكساب التلميذ مهارات، و صفات تنبعث أحياناً بعفوية من وجدان أساتذته و صفاتهم ؛ ما يصقل كاريزماه، و يبني وعيه، و يثري الذاكرة، و يُجمّل الأخلاق، ويرتقي بالذائقة، و يحسّن اللغة؛ و يهذّب الجَنان؛ و يروّض ردود الأفعال، وغيرها عديد من فوائد التلمذة، وثني الرُّكب في حِلق العلم، وفصول الطلب.

وإذا كان التعلّم على الكتاب، مظنة فقدان الصواب، أو ركاكة الفهم والاستيعاب؛ و طلسمة الجواب؛ فما هو الظنّ بمن أساتذته ( وسائل التواصل) و مُعلّمه (الذكاء الاصطناعي) الذي غالباً يلفّق ولا يُوفّق، والتغيرات السريعة المتلاحقة، ربما لا تتيح للنخب الثقافية والفكرية والاجتماعية، ما كانت تتيحه في الزمن الأكثر وقاراً، ولذا فهي مهددة بالفناء، أو التغييب، أو التحييد، وإن جاهدت ما وسعها الجهاد؛ في ترويض النفس على المرونة، و التصالح مع التحولات، أو القبول بتبادل المراكز؛ واسترضاء النخب الأحدث؛ التي يزيد عددها كلما تناقص وزنها.

لا ريب أن الاعتناء بالنُخب، كان هاجس المجتمعات والمؤسسات والدول لندرتها، في زمن ما قبل مواقع التواصل الاجتماعي، وتطبيقات الإنترنت الذكيّة، بل كانت محل حفاوة الرسمي والشعبي؛ إلى أن جاءت الآلات والأجهزة الإلكترونية، بأبطالها، و قضّها وقضيضها؛ فصنعت نُخبها على طريقتها وبمواصفاتها الخفيفة اللطيفة الظريفة ؛ و أكسبت النخبة الأجدد صفاتها الجامدة، أو صورتها المُحسّنة بالمال والتجميل واللياقة العالية، واللدانة المطواعة.

لعلنا من باب الخروج من الجدل؛ سنسلّم بأن لكل مرحلة نخبتها، التي يفرضها السوق، بقانون العرض والطلب؛ ففي ذلك كسب للوقت، وراحة البال، واحترام الذات؛ ويمكن للمتضرر أن يلجأ للسماء، أو يردد مع شاعر شعبي (وش اقعد أسوّي، لا ماتوا أندادي).

00:10 | 27-03-2026

ليلة القدر بين الرمزيّة والفتوحات البشريّة

كانت أُمّي عليها رحمة الله، تحدثنا في طفولتنا عن ليلة القدر، وكنّا نطلب منها توقظنا إذا حلّت ساعتها؛ طمعاً في تحقّق أحلامنا وطموحاتنا، دون تعب ولا بذل جهد ولا أسباب؛ إلا أنّها تعود، وتؤكد أنه لن يراها إلا صاحب قلب نظيف، وغير مؤذٍ ولا كذّاب، وسردت علينا أسماء (صدّاقين) من قريتنا، حظيوا برؤيتها، وهم ممن نقول عنهم (على نياتهم).

لا خلاف على أنّ للدِّين في البيئة القرويّة، مكانةً كبيرة، وهي من مكانة الله في صدور الناس، بما فيهم الظلمة، إلا أن غاية ما يطلبه القروي البسيط من ربه العفو والعافية، على مستوى شخصي، والمطر على المستوى العام، فالعفو والعافية يعنيان الصحة والنشاط، والمطر يعني الاقتصاد؛ متمثلاً في توفر لقمة العيش لكافة الفئات، وللمزارعين على وجه الخصوص.

ومما لفت نظري، أن هناك من يريد تأكيد إدراكه زمن ليلة القدر، بالكشف عن الليلة التي كانت فيها! علماً بأنها ليلة ليست للجميع، وما ليس للجميع، لا يمكن أن ندركه بالحواس، فهذا خاص بنور الرؤية القلبيّة التي لا ينالها إلا ذو حظّ عظيم، كما أنّ ليلة القدر تكون في بلد، وليست في ذات الوقت في كل البلدان، بحكم فوارق التوقيت، وفي صباح يوم الثالث والعشرين من رمضان، خرج عدد من روّاد مواقع التواصل الاجتماعي والمصورين لمناطق جبلية ليثبتوا أن الشمس طلعت بدون شعاع، موافقةً لما ورد في الحديث، لتأكيد صحة موعد ليلة القدر، علماً بأن الشمس التي أشرقت صبيحة ليلة القدر، زمن النبي صلى الله عليه وسلم ليست هي بالضرورة ذات الشمس، والمناخ ليس هو المناخ، والناس الذين رأوها ونالوا شرفها، بالطبع ليسوا هم نفس الناس.

وظهر قبل شهر رمضان هذا العام، على مواقع التواصل أحد مفسري الأحلام، ليؤكد أنّ ليلة القدر ستكون ليلة ثلاث وعشرين من رمضان، معتمداً على رؤية رآها أحد المشايخ كما قال، وربما كان تفسيره صحيحاً، إذ لا اعتراض على الأحلام ولا على تفسيرها، باعتبارها مبشّرات كما جاء في الآثار، إلا أنه إذا أخذنا في الاعتبار اختلاف المطالع، وتفاوت البلاد الإسلامية وغيرها في الليلة نفسها؛ فمعنى ذلك أنها ستكرر أكثر من ليلة، باعتبار ثلاثة وعشرين عندنا إما متقدمة أو متأخرة بحسب دوران الأرض وحركة الشمس والقمر!.

هذه المقدمة تعيدني إلى أهمية حفظ رمزية الأمكنة والأزمنة والمواقيت، والرمزيّة مُقدّسة زماناً ومكاناً وإنساناً، وهناك رمزيات عدة لا يليق بمسلم البحث عن كنهها، إلا إن كان مُشككاً في حقيقتها، أو صحة ما رُوي عنها، والرمزيّة تقتضي عنصر مفاجأة والمفاجأة منحة لذوات لها رمزيتها عند الله، وبها امتيازات خاصة لفئة من عباد الرحمن، وإذا انكشفت الليالي والأيام الفاضلة، تفقد شيئاً من خصوصية معناها أو جوهرها، ومقاصدها وغاياتها أو جلال وجمال رمزيتها.

مؤكد أنه لا يمكن جعل العلاقة مع الله، علاقةً تعاقدية، لها مذكرة تفسيرية، وشروط قانونية، فليس من الأدب مقايضة ربنا بصلاتنا وصومنا وقيامنا، ومن المسلمين بعضٌ يُدخل نفسه في دائرة اجتراح ما ليس ضرورياً اجتراحه، ليوهم الناس أنه بلغ غاية مقصود التعبّد، علماً بأن عالم الغيب، أضعاف عالم الشهادة (المشاهدة) والدلالة الغيبية توقيفية، ولو أنفق الإنسان عمره لتوضيح وتفسير مراد الشارع من كل أمر غيبي، لكان جهده غالباً بلا جدوى ولا ثمرة، فهناك من الغيبيات ما لا يعلم تأويله إلا الله، وهناك ما لا يُطلع عليه إلا من ارتضى من رسول (عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحداً، إلا من ارتضى من رسول). وربما لا يُدرِك بعضنا، أنّ قيمة ما هو غيبيٌّ، وقوّته تتمحوران في غيبيّته.

وأرى، أن رمضان كله ليالي قدر وشرف ومغفرة.

و في ليلة القدر صورة من صور الاختصاص بالرحمة والفضل (يختص برحمته من يشاء والله ذو الفضل العظيم)، ولن يبلغ الإنسان مهما بلغت قدراته، تفسير ولا تظهير لُب العظمة الإلهية، كونه عاجزاً عن معرفة وتفسير لُبّ نفسه، ومن لم يستطع أن يعرف نفسه، فهو أعجز ما يكون عن فهم غيره.

تلويحة؛ غاية رمضان، ومقاصد ليلة القدر، أن نعيد ترتيب علاقتنا ببعضنا، فإذا خرج المسلم من رمضان فقط؛ بخلقَي العفة والطهارة، فهنيئاً له. تقبل الله منا ومنكم.. وكل عام وأنتم ومن تحبون بخير وصحة وسعادة.

00:04 | 20-03-2026

يا الله رُدّ راسي مكانه

انتبهت زوجة (قضّام الروس) من ضكة وريحة دخان غليونه، فزحفت على أوراكها إلى قرب المشبّ المتوارية قبسه؛ واستقربت الفانوس؛ ولّعته؛ ولاحظت من ملامح وجهه أنه ما اهتنى بالنوم، فقالت؛ وشب وجهك كما جلد الحربا، الشوفة في الله ولا فيك؟ كاد يتجاهل سؤالها، ولكن لابد له من شوير، فأبدى لها سده قائلاً؛ أنا من بيت جود؛ وودي أحمل الشيمة في جماعتي، واغدي لهم دفا وشِفا، وأصبح راس قوم، فنشدته؛ وش تدوّر عندهم وش فيدتك منهم لا حملت فيهم الشيمة؟ فأجابها؛ قولة ونعم تكبّر الرأس، وتمتّن العفاس، وتكفينا شر الباس.

حاولت تثنيه عما في رأسه، وكلما هدّدته وتوعدته؛ بالشردة عند أهلها، وتخليه في كبّته؛ يردّ عليها؛ من قطّبك عساك ما تنكفين، وعدّل العمامة والعقال وقال؛ طلابتي ما يحصون، وإن قاله الله، وقلعتِ عروقك بايدك، ما أرز مكانها إلا بنت بنوت يهوى لها طير ربي من سماه، ولأنها تعوّدت على حماقاته؛ لاذت بالصمت تفادياً للتصعيد.

ما خلا ورا جهده جهد، ليحوز الوجاهة ويتغنى بكرمه ورجالته الجميع، اشتهر وغدا مقصد الكبير والصغير، والنسوان والرجاجيل، فثقته كبيرة في نفسه، ولسانه يقطّع السواري، وينقّط شيره، وفي سبيل ذلك، اللي في جيبه ما هو له؛ فيعزم ويسلّف، ويقضي اللازم، لين خسر ما قدامه وما وراه، ما درى أن الشياخة جايرة وصعيبة، ما زانت له الظروف، وقصرت به سمحات؛ بعدما أنفق من تركة أهله الراحلين، ما أثار حفيظة بقية الورثة، فوطّى المناقع فوق الزير.

تحرى حد بيبدي منه، ويعرض عليه عازه والا معتازة، لكنه ما كنه سوى فيهم لا صوف ولا معروف، شدّت له الحرمة الحلس؛ وقالت؛ اهبط السوق، كمّن يفتح لنا الله باب؛ وأكدت له بأن امتلاء الجيب يغطي العيب، فنقل نشاطه إلى السوق، وتعلّم الدّلالة، من الحمير إلى الثيران، إلى الغنم؛ وكل ما جمع له قرشين، عوّد لطبعه وربعه؛ فاستغاثت الزوجة، وطالبته؛ يصرّ الدراهم؛ قالت؛ ايدك مخروقة ما تحفظ الريال؛ وأضافت؛ إن كان إنك ملزّم تتمشيخ، فشف لك غير السوق، وخل التجارة لاهلها.

نصحه الفقيه، نصيحة غشّ وقال؛ أندر المشرق وخذ لك جلبة، إلى رأس الحول، وربك كريم؛ فركب المشدود، وديّح ويلا البادية، وعاد بسارحة تشوق العين، وما باع منها طرف، يطبخ الذبيحة في مرقة أختها؛ ويردد؛ فقير مات غني مات، وتحيّر على الديانة بمضي الحول، فأقبلوا عليه؛ فطوى نفسه في الهدم وانسدح في ركن البيت، وقال ميد مرته؛ هبي التورة فوق رأسي، نادوا عليه؛ ردّت؛ سرح الفيض بالهدم والتورة، قنعوا بكلامها، فافتكوا حمارته من السفل وقالوا للمعزبة؛ بنأخذ المشدود والوعد بيننا وبينه عند شيخ القبيلة.

طالبته زوجته بالسفر، والغربة تفرّج الكُربة، وقالت؛ الرزق مع مزاحمة الأقدام. ردّ عليها؛ واللي خلقك ما اتغانى لو تحجّ البقرة على قرونها، فدخل عليهم رمضان، والحالة حالة الزرى، وفي ليلة من ليالي العشر الأواخر، أيقظته زوجته منتصف الليل قائلة؛ ألحق الرزق يا قضّام الروس؛ وقام داجر وعلّق بالطاقة ذات العوارض الحديدية؛ وأدخل رأسه من بين صيخين؛ ورفع يديه إلى السماء، ودعا؛ يارب تجعل رأسي أكبر الروس، فانتفخ رأسه لين غدا أكبر من رأس الثور، حاول يستعيده من بين العوارض، فلم ينجح، نشب، وما وده أحد يسمع مجادلته هو والمرة، فطلب منها؛ تجيب له دهانة؛ وتمرّخ آذانيه وتسحبه من قفاته؛ سحبت راس بقعا، ولم تفلح في ادخالها.

سألته؛ وش طلبت من ربك، فقال؛ طلبته يجعل رأسي أكبر الروس، فقالت؛ باب السماء ما زال مفتوحاً، فاطلب الله يصغّر رأسك؛ فدعا ربه يجعل رأسه أصغر الروس، فغدا كما المسحقة بين أكتافه، ولاحظت أن منظره يثير السخرية، فقالت؛ باب السماء مفتوح، استلحق الإجابة واطلب الله يرد رأسك سواته؛ فقال؛ ربي رد رأسي كما كان؛ فعاد رأسه إلى وضعه السابق؛ علّقت الزوجة؛ يا سبعة يا سكون إن كان أفلحت بركة ليلة القدر، في نفشة الراس وفشّته.

استرد أنفاسه، وطلب منها تلحقه بطاسة الماء؛ وتواسى على مقاعده في بسطة الطاقة؛ شرب لين روي، وبدع (من بعد ماصار راسي زايد واكبر الرووس، بعد النشب قلت يا الله رد راسي مكانه).

00:24 | 13-03-2026

طِعْ شوري.. وماطراني

خرج (لَغبان) إلى الدنيا؛ بين تنك البارود، وصليل العتل، ورائحة القاز، فتشبع بروح المغامرة، ورضع من صدر أمه كبر الهمّة؛ واستقى من مندار أبيه إلى الآبار الخطرة وصعوده منها، روح الفداوي اللي على الفلات ناوي، وشبّ عن الطوق؛ أحرش اليدين؛ مفتول الزند؛ ببركة سنّ العتل؛ ونقل المطارق والفوانيس الثقال؛ وطلي الفُرص بالقاز كي لا تصدّي، واختار في طفولته لنفسه عتلة متوسطة المقاس؛ وكان يتدرب يومياً على نقر أقسى وأعتى الصخور، وما يروح البيت إلا بعدما يغدي الصخرة اللي تولّجها فتات.

ضعف شيخ القرية، ولا ولد له يحمل راية نوده، ويحفظ ركزة عوده، في بيت جدوده؛ فزهم على الملغّب وقال؛ بنتي (قرمة) قاسية رأس، وولدك (لغبان) دمه فاير يليّن الصُفيان؛ خلّ ما يليّن رأسها اللي كما النبقة؛ وانكتب النصيب، والنصيب غصيب، ولكن الأنثى المغناج؛ طوّعت المراهق النفاج، فالأنوثة سلاحها في مجابهة أمه ووالده الملغّب؛ اللي كل ما أصبح وسمع خرير الماء في الطشت؛ قال؛ خافي الله يا قرمة في الملاوك نشف مخه؛ وما عاد فيه سرّة ينقر حصى المقلّع، نعمة في الأسبوع مرة، وكأنه يقول لها؛ أشووو.

دعا العريفة؛ الفقيه والموامين؛ وقال؛ ما بقي من عمري كثر ما مضى؛ وإن ودكم بالهيبة فاعطوا عرافتكم الملغّب؛ خصفة، وصحفة وبلاد وغراس؛ وصلابة راس؛ وإن كان تدورون الخيبة فاعطوها الفقيه؛ انقلب وجه الفقيه؛ وقال؛ عشان أعطيتاهم بنتك؟ وش فيهم أحسن منّا؛ ردّ عليه بالقول الفصل؛ لا تضيق من شيء خبرته فيك؛ لا قلب ساطي؛ وما تخرج من المواطي، وايدك مشصبة على الدنيا، وما قد كثّرنا بالخير في بيتك، يسدك محرابك، وتكفيك الزكاة اللي تأخذها من الجماعة صيف وخريف، فنكّس برأسه على صدره، وأدرج المسواك فوق سنونه اللي كما سنون المقصب.

مات الشيخ، وقال العُقّال؛ والعارفة؛ خذوا بوصيّة الفاني، واكسبوا الداني والعاني، وكلفوا المذّن؛ يعلنها فوق القبر؛ شيخنا (الملغّب) والضايق رصاصة، كاد الملغّب يتعفف، وقال يا جماعة الخير؛ أنا قبس وشغلتي البارود، وراعي مجهود، اسرح قبل الناس وأروح آخرهم، من بير في بير، ومن مقلّع في مقلّع، ردّوا بصوت واحد؛ الشياخة في بيتكم؛ وولدك (لَغَبان) حُرّ من ظهر حُرّ؛ رشّده وانحن وفايته؛ لمح في ولده؛ إلا وهو يومي برأسه؛ فقال؛ طاعكم الله وربنا يعيننا عليكم، ويعينكم عليه.

من ثاني يوم عرافة؛ قصد (لغبان) نجّار العُتم، وقال؛ ابغيك تنجر لي مشعاب يهابه اللي يسمع به قبل ما يشوفه؛ واللي يشوفه قبل ما يعلّم في ظهره؛ وابغي رأسه مدملج، واسفله مسلّك؛ وسُنّ القدوم لا تنشف رطوبته، ولا تكسر هيبته، ابغيه؛ دهفة واحدة والقبر؟ فنشده ساخراً منه؛ وش حاجتك للعُتم يا بو عتل؟ فأجابه؛ ما سمعت أن العرافة عادت عند آبي؛ وآبي ما هو فاضي لها؛ أنا اللي باصالي واكالي اللي مثلك وشرواك؛ من سراية الليل؛ قطاعة السيل والسا، كاد يردّ عليه ولكن شاف زنوده اللي تروع وتزوع البعير؛ فبلعها وبجم.

كمن لغبان للذيب؛ وقنصه بعد مغرب في وادي الفيض، وجمع دمه في قربة؛ واشتوى كبدته وقلبه؛ وسرى؛ ونقّع مشعاب العُتم في دم الذيب، حتى تشرّب الدم، ويوم الجمعة عقب ما صلت القرية فرضها؛ وقف وقال؛ منين تسمعون يا بني دحلسني وادحلسك؛ تشوفون هذا المشعاب؟ فما نطق ناطق؛ فكمّل؛ آبي عريفتكم، وانا خادم له؛ وبيني وبينكم «طِع شوري» نشده المذّن؛ منهو (طع شوري يا لغبان)؟ أجاب؛ هذا اللي فوق كتفي يا ديكان؛ والله يلي ما يطيع شوري؛ لاخلي بعضه يركب بعض، فخرجوا ما هرجوا وركبهم تتصافق في بعضها

قرروا حفلة؛ ودقوا الزير، وانتظم المعراض، وتوافد الشعار من القرى والشعاب؛ وبدع شاعر المضيفين مُرحّباً (مرحبا عند شيخ يفجر العين من حُلّق صفاها، والشياطين تجفل من نقوره ومن بارودها) قال شاعر الضيوف (يخطي الظالم ويتحمّل خطاياه المظلّمه، مثل نورن ينعرف لا عادت ارض الله مظلّمه) نزل الميدان على أنه يكسيهم؛ وشموا ريحة طع شوري، وقالوا بصوت واحد؛ وقفتك بيننا يا لغبان كسوة! فانبسط ونقل المشعاب على الكتف الشمال، ودسّ في جيب كل واحد ريال عربي.

كانت زوجة لغبان؛ بنت العريفة الفاني، مغرورة بحلاة مقدمها ورسمة قفاها؛ وتمردت على لغبان الضعيف أمام نداء الغريزة؛ ثم لاحظت أن نفس لغبان بدت تكبر؛ فصارت كلما قرب منها قالت؛ افوه ريحتك بارود، وإذا طلب منها تقوم لعمل أو تلبي حاجة؛ تردّ عليه؛ (ما طراني) وتضيف؛ أربّك حاوي معك أربع مثل ما معي؛ خلاها لين خرجت بابريقها تسقي الدجاج وانثنت تصب الماء في زبديات، فتحمى من وراها وصمقها بطع شوري؛ فأندر كتفها من معلاقه؛ صاحت وناحت؛ وقام أبو لغبان يترضاها، وامسحيها في وجهي؛ والله لانتصر لك منه قبل ما تغمض عينك واستوفي منه دينك؛ ومن يومها؛ وهي تشوف خياله في الما؛ وكلما نشدها؛ يطريك والا ما يطريك؛ تقوم تسعى مرددة؛ يطريني أنا دفعك يطريني؛ فيشعر بالفخر بأنه خلاها عبرة لمن يعتبر.

اشتكى المذّن على الفقيه من لغبان، وقال وهو يتباكى؛ لزّني يا الرفيق بقعر طع شوري قاعة إذني، وبغى يختلعها من جنب صفحي؛ علّق؛ ليته أشكل تستاهل أكثر، ما هوب انت اللي قمت يا ديكان فوق القبر تتفشخر وتنصّب أبو بارود شيخ علينا؟ فقال؛ ما هي من شوري يا فقيهنا؛ الشاعر وصّاني من الصبح؛ وحلف إنها في رأسي؛ ردّ عليه؛ ما تعرف إن شاعر الخِربة ما يشتي مني ومنك لقمة؛ وأضاف؛ شف لغبان يمعى ويفرث بطع شوري اللي رواه بدم الذيب؛ وما حد يجرى يوقف في وجهه؛ قال المذّن؛ ايوه ياخه قتلة الرجال عنده والتفلة سوا. علّق؛ بقعا تفجعك وتفجعه.

تسامعت القرية والقُرى المجاورة بطِعْ شوري، فوقف كل واحد على حدّ محاكمه؛ وإذا احتاجوا العريفة في عازة يترقبونه؛ إن ردّ عليهم وهو قاعد؛ جلسوا وسمعوا وطاعوا؛ وإن استقام ومدّ يده على مشعابه؛ فرّوا هاربين وأصواتهم يتردد صداها في المساريب (المغفّل ما يطيع الشور، لين يأخذها محثّله).

01:06 | 6-03-2026

الدُّجر سمط والزمبلك انفرط

حلفت الجدة لأحفادها باللي يفقدها عافيتها أن الديكة تشوف الملائكة، وتجيها خرعة من ضخامتهم، فتظلّي تِدّلس، من هول ما شافت، وأثنت على الله؛ اللي سخّر لها ديكها المشبوب؛ يونسها بصوته وحشتها؛ ويؤذن فيذكرها بصلاتها؛ فتستيقظ، تتسحر وتطهر وتصلي فرضها، وتذكر الله.

استلموا من سواق اللوري؛ ثالث يوم من رمضان، هدايا من أخو المهرّف المغترب، وكساوي عيد، وساعة (زمبلك) وارد رومل؛ ومن يومها، انقدحت شرارة الفتنة بين ولدها (المهرّف) وبين الديك، كلما شافه يحداه، وده بمرقته بعدما صار عنده ساعة، ومن رهبة الديك منه؛ يقضي يومه بعيداً عن ناظريه، يدرّج من بيت في بيت، ومن رباع في رباع.

قرص الجوع حفيدها البكر، منتصف نهار رمضان، فحبى إلى سحاريتها، ولأن قُفل السحارية قديم؛ انفك بشدّه للأسفل؛ خمش له من خريطة اللباب هبشة، ودحشها دفعة واحدة في ثمه؛ على دخلة الجدة، وما امداها تنشده؛ وش في ثمك يا الطرع إلا وهو يسابق الرياح من مساريب الوادي؛ علّقت؛ ما عليه يا سُرقان، والله لاخترجها من عينك اللي كما صُرّة مُكحلتي.

انقضى يوم صوم طويل؛ وعاد المهرّف حاملاً فوق رأسه، قفة مليانة دُجر، تعشوا على ما قُسم، وصارح المهرّف، والدته بعزمه على خصي الثور، فاحتجت زوجته؛ وقالت؛ الثور ثوري.. نسيت أن خالي أعطانيه كسوة يوم تروحتاني؟ ردّ عليها ساخراً؛ ما خبرنا حد قد كسا حرمة ثور، خالك يبغى الفكة وانشبنا؛ وأضاف: الثور شرّهنا من الجماعة، كل ما لقيت واحد منهم، قال؛ اربط ثورك وشبك مفلّته فوق بقير خلق الله؟

وصلت غَلَبتهم مسامع الجيران، تعاطفت الأم مع زوجة ابنها؛ قالت ثورك يسقي ويحرث ويدمس ويديس ويسمّد؛ ثم ودك تحرمه من شيء خلقه الله فيه؟ علّقت زوجته ضاحكة؛ بعض الناس معه جكرة من الثور، فقطع عليها وجه الكلام لوالدته؛ الله أكبر نسيتي يوم تقولين أهلك الله يرحم الحصى، كان عندهم مماليك، وكانوا يخصّونهم؛ فقالت؛ ذاك الوقت؛ كل الدنيا يخصونهم؛ حتين يقدرون يتحملون الشقا، وعشان يحمون النسل، تضاحكوا فقالت؛ قد قالها المقوّل يا حامل المعيان يا حرامي، تعالى الضحك، فأرادت والدته؛ أن تنتصر لأهلها فردت عليه؛ أبوك الله واليها لقيته تحت الجناح مكتّف الديك، يقول والله لأخصيه؛ غصباً افتكيته من بين ايديه؛ لو ما هتلته وقلت؛ الله يا من يقول معك عقل يأخذ عقله، إن كان تخصي طير ما معه خصاوين، ما معه إلا هواء يبيّض به الدجاج، فالتفت المهرّف جهة الحطب؛ ما شاف الديك، فسأل حرمته؛ الديك ما أشوفه؟ جاوبته؛ خرعان منك تلحقه جده اللي بغى أبوك يخصيك، فعمت الضحكات فضاء وأجواء البيت الحجر الذي يسع الحلال والعيال والحطب والعلفة وهو شقيق مترين في خمسة.

طلب من زوجته قبل ما تنسدح، تكشن على الدجر بحبة بصل، وتخليه فوق الكانون وتخفف الجمر تحته، لكي يتسحرون به، أبدت الزوجة تململاً، متعللة بغياب الديك، وقالت؛ من شرقة الشمس وانحن ما رفعنا ظهورنا يا مسلم، وما رحنا من الوادي إلا براطمنا ما واحد يلحق الثاني؛ بنرقد وما ندري متى نقوم؛ الديك ما هو عندنا يصحينا بصياحه؟ علّق؛ صاح الله عليك.. با عيّر الساعة اللي أرسلها آخي، تصحي نوام الكهف خلي عنك، تصحّينا وتصحي الدار كلها.

رقدوا بدون ما يتغطون، بسبب حموة القيظ، الجدة ودها بالدُّجر ومستثقلة تخرج من كيس نومها؛ وتعرف أنه ينفخ البطن، وطّت رأسها وما استيقظوا إلا مع شرقة الشمس؛ كاد المهرّف ينفرد بحلّة الدُّجر السامط، فلزمت زوجته كفه، قائلة؛ اعقب إن كان تفضح نفسك من السفان، ما سدّك الدخان، علّق؛ تبغيني أصوم الدّلج، ثم على ايش اتتنبك وبطني فاضي؟، دفّته؛ وقالت؛ وين ساعتك اللي تصحي القرية من أعلاها إلى أسفلها؛ علّق ضاحكاً؛ الدجر سمط والزمبلك انفرط، ولقّاها المسبولة.

في الوادي متسع، لتعويض ما فاته من السحور، والله رحيم غفور، تعلّق في حبلة العنب الرازقي؛ وكثّر فذبحه حلاها بالعطش؛ تلفّت يمنة ويسرة؛ ما شاف أحد حوله؛ فانبطح على بطنه فوق العتلة، وطمّ في فلج الكظامة! صادته زوجة رجال حلّ في القرية؛ فقالت بلهجة يمانية؛ هِبّ يا سلوقي رمضان ما تتقي ربك تدعقه، ردّ عليها؛ الله لا اشتكرك انتي والغريب حقك، والله لو يلحقك ويلحقه بعض ما يلحقنا؛ لتدعقونه يا جراد الحديدة وما تبقون في الشجر ثمرة ولا في البئر قطرة، ثم غسل لها قُرط باقي معه؛ ومدّ به بحنيّة؛ فتناولته على استحياء، ونشدته بأنثوية؛ ما علينا إزر؟ فوضع أصابع كفه الثلاثة على رقبته قائلاً؛ تراك في هذي الرقبة.

00:25 | 27-02-2026

أسلمة الشخصيات التراثية.. حمامة المسجد

لو طرح أحدنا اليوم قصةً من قصص بيئة محليّة أو جهويّة، فقلّ ما سيتقبّل الحضور القصّة كما هي، فهناك من سيرفضها وينكرها من أصلها، ويراها مُختلقة؛ وهناك من سيصفها بحديث إفك، وهناك من يضيف إليها، وهناك من يحذف منها، وهناك من يحوّرها، وهناك من يرحّلها إلى بيئة أخرى، تفادياً لما ترتّب عليها أو سيترتّب، مما يخشاه المستمع الذي تلامس القصة أسلافه بدرجة من الدرجات، علماً بأنها حديثة عهد، وتعوم في بحر نصف قرن من زمن مضى، وليست موغلةً في القِدم، وربما بعضُ رواتها أو شهودها أحياء.

وقراءة التراث في رمضان فائدة ومتعة، فلا داعٍ لانتظار حلقات مسلسل تاريخي سيناريوهاته موجّهة؛ فالمنبع أصفى من المصبّ، والعودة إلى السِّيَر التراثية سبر لأغوار شخصياتها، وغالباً لا يمكن لكل من يقرأ تراثه أن يكون قارئاً محايداً، فهناك قارئ يستسلم لغواية موروثه؛ ويسلّم بمروياته تسليماً كُلّياً، وهناك من يرفضه رفضاً مُطلقاً، والعدلُ يقتضي ألا نحكم على التراثِ إجمالاً بالنزاهة، ولا نتحامل عليه في سبيل إدانته بالتفصيل، ويمكن أن نقرأ للمُتعة، لا لتسجيل انطباعات، ولا لإصدار اتهامات، فمثل ما هناك مذهب الفنّ للفنّ، والفنّ للتسلية، والفنّ للاستشفاء، فكذلك القراءة، التي لا تحاكم بها الشخص، ولا تحتكم بها إلى النصّ.

ولكل قارئ تراثي منطلق؛ ومبررات وحيثيات، منها ما هو منطقي وموضوعي؛ ومنها الذاتي القريب من العاطفي، الذي ينظر إلى التراث بكُلّه نظرة إعجاب لا مساءلة ولا عتاب، ولا غرو أن تحاط بعض سِيَره بهالة كبيرة تحجب عنا، أو تخطف منا بشريّة الفرد، وقدراته، وعواطفه؛ وأشواقه؛ ورضاه، وغضبه، ودهاءه، أو حماقته، وكلٌّ ما هو كذلك وأكثر من ذلك، مما هو من طباع الناس، وفي أصل فطرتها.

ولعلنا نتفق على أن التراث، ليس ملاكاً ودوداً؛ كما أنه ليس شيطاناً مريداً، وإن أوحى تاريخ بعض شخصياته بشيء من الشيطنة، إلا أننا باعتبارنا قُرّاء حالمين، نقع في خطأ الاحتكام إلى معايير أخلاقية، والتراث عبر التاريخ لا يمكن أن نطلق عليه أوصاف الكمال بالتواتر وبالقطعيّة، ولا نجرّده من مزاياه لمجرد أنه خبر آحاد لا يبلغ درجة المتواتر؛ وشخصيات التراث عدا الأنبياء عليهم السلام، بشر لهم محاسن ومزايا، وعليهم أخطاء وخطايا.

ومن الشخصيات التي لها كبير فضل على العرب والمسلمين شخصية الخليفة عبدالملك بن مروان، الذي قيل عنه (إن الناس يولدون أبناءً، وهو وُلدَ أباً)، بل عدّه الأعمش، فيما نقله عن أبي الزناد من فقهاء المدينة وقال هم أربعة: (سعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، وقبيصة بن ذؤيب، وعبد الملك بن مروان). وروي عن نافع (لقد رأيتُ المدينة وما بها شابٌّ أشدُّ تشميراً ولا أفقهُ ولا أنسك ولا أقرأ لكتاب الله من عبدالملك بن مروان). وقال الشعبي (ما جالستُ أَحداً إلا وجدتُ لي فضلاً عليه؛ إلا عبدالملك).

ولم ينزّه عبدالملك بن مروان، نفسه من أخطاء وقع فيها، لم يكن قصده سيئاً بحكم أنه من أعرف أهل زمانه بكتاب الله، ودليل شعوره بشيءٍ من الذَّنْبِ أنه كان يدعو في أُخريات أيامه «اللهم إن ذنوبي عظام؛ وهي صغار في جنب عفوك». علّق الذهبيُّ على الدعاء: قائلاً (الحَجَّاجُ مِن ذنوبه).

وكان من الألقاب التي أطلقت على الخليفة الأموي الخامس، والمؤسس الثاني للدولة الأموية قبل توليه الخلافة (حمامة المسجد)، ومما يُروى، أنه لمّا جاءه نبأ توليه؛ أغلق المصحف، وقال هذا آخر عهدنا بك، أو هذا فراقُ بيني وبينك، وقيل إنه قال في أوّل خطبة له «من قال لي اتق الله رددتُ عليه بسيفي»، وهذا غيض من فيض ما جُمِع في كتب التراث، والذي لا يمكن وضعه في كفّة التصديق الانفعالي، ولا كفة التكذيب الغالي.

لعبدالملك بن مروان، رحمه الله، من الإنجازات ما يؤكد، استثنائية شخصيته، فهو على مستوى القيادة والإدارة، وتوظيف الخبرات من أكفأ الخلفاء عقب معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه، ولكن من يهب الشخصية التراثية عصمةً ما وهبها لها الله ورسوله؟ وربما جاشت عاطفة الإعجاب بحكم ما تربينا عليه أو تعزز لدينا من تمجيد النماذج التي نقل لنا التاريخ جانبها البطولي أو الحضاري، والعاطفة ليست معياراً نزيهاً في كل الأحوال، إذ متى تكشّفت جوانب منفّرة عن الشخصية المقروءة؛ فالعاطفة ستنفر منها، ويمكن أن نقول إنّ الاعتراف ببشريّة الشخصية التراثية، أعدل من أسلمتها.

ولعلّ التراث لم يحظَ بما حظي به الحديث، من نقد وتمحيص، ودراسة السند والمتن، وإن كان حدث فليس بتجرّد دوماً، ولا بحُسن نوايا غالباً، إلا أن إشكالية البعض في التعامل مع التراث تتمثّل في تعامله معه تعامل الدِّين، ومنح شخصياته قداسةً، تغدو حصانة؛ ما يحرم عاشق التراث من قراءة الظواهر والأحداث التاريخية، بشيء من النقد والتحليل، وفق ما تقتضيه ظروف كل مرحلة، فالشخصية العامة محكومة بظروف زمانها ومكانها وإمكانات عصرها، ومعطيات وتأثيرات مراكز القوى حولها.

ولأنّ معيار بعضنا عند قراءة شخصيات التراث تراثيّ، فربما جنى أو تجنّى عليه؛ أو تجنّن منه؛ فمن المعايير التراثية ما هو فقهي كوصفنا لفعل أو سلوك أو عمل بأنه حلال أو حرام، ومنها معايير اجتماعية؛ مثل توظيف مفردات عيب على سبيل الذم؛ أو فحل بقصد الإطراء وقلّ ما نجد في تاريخ شخصيات التراث؛ شخصية لم تجنح يوماً إلى تصرّف بشري عفويّ، أو عُنفي؛ أتى كردة فعل على موقف أو حدث، كما نقرأ في سير أعلام النبلاء قوله عن شخص واحد (فقيه، عابد؛ سفّاح) ولكل وصف من الأوصاف شواهده البالغة حدّ الاستفاضة.

تلويحة؛ في أسلمة التراث إساءة إلى الإسلام، كما أنّ أنسنته تبرئة له من الإدانة، وما نعرفه عن تراثنا شظايا من صورة تم إعادة تركيبها مراراً، إثر انكسار البرواز أكثر من مرّة.

** مبارك عليكم رمضان، وكل عام وأنتم بخير.

00:24 | 20-02-2026

الشؤون الإسلامية للأئمة: أزيلوا سجاداتهم لأنها أذى

دعت وزارة الشؤون الإسلامية أئمة المساجد والجوامع إلى حثّ المصلين على المسارعة تلبية لنداء الصلاة، والتنافس على الصف الأول والقرب من الإمام، مؤكدةً في خطاب موجّه إلى كافة المساجد والجوامع ضرورة إشعار المصلين بعدم جواز حجز الأماكن في المسجد؛ كون الأحق بالمكان من سبق إليه، وطالبت الأئمة، بإزالة ما يوضع من سجاد أو أغراض لحجز الأماكن.

وأوضحت الوزارة أنها لاحظت من بعض المصلين حجز أماكن في الصفوف الأولى أو غيرها بوضع سجادة أو عصا ونحو ذلك، وعدّت حجز مكانٍ من الأذى، وفيه من التعدي على حقّ من يحضر مبكراً للصلاة بمنعه من القرب من الإمام، مشيرةً إلى ورود النهي عنه بالاتفاق، ومستدلةً بقول شيخ الإسلام ابن تيميه «ما يفعله كثير من الناس من تقديم مفارش إلى المسجد يوم الجمعة أو غيرها قبل ذهابهم إلى المسجد، منهي عنه باتفاق المسلمين بل هو محرم»، موضحاً أن في صحة صلاته قولين للعلماء لأنه غصب بقعة في المسجد بفرش ذلك المفروش فيها ومنع غيره من المصلين الذين يسبقونه إلى المسجد أن يصلي في ذلك المكان، والمأمور به أن يسبق الرجل بنفسه إلى المسجد فإذا قدم المفروش وتأخر، خالف الشريعة من وجهين من جهة تأخره، ومن جهة غصبه لطائفة من المسجد، ومنعه السابقين إلى المسجد أن يصلّوا فيه وأن يتموا الصف الأول فالأول، إضافة إلى أنه يتخطى الناس إذا حضروا.

وشددت على إزالة أي أداة أو آلة حجز كونها منكراً، وكونه افتراش على وجه الغصب، والنبي صلى اللّٰه عليه وسلم قال «من رأى منكم منكراً فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان»، وأضافت في تعميمها: وينبغي أن يراعى ذلك لئلا يؤول إلى منكر أعظم منه.

23:07 | 14-02-2026

يا الله في مطر وسيل

أصبحت شمس نهار القرية ذابلة، وإطلالتها على أودية القرية شاحبة. يبست الغروب والدلوة على الأوتاد؛ وعشّبت عيدان عوارض الآبار؛ وانشغل الأهالي عن طلب الرحمة، بتعليل وتسبيب القحط، الذي لم يمرّ على قريتهم مثله؛ إلا في زمن الحُمريّة؛ ومنهم من قال؛ إلا من يوم دخلت المشعوذة (ماحية) قريتنا محت البركة، واللي في قلبه حثمه على العريفة؛ دفّها عليه وقال؛ الله يسقي زمان شيبته خيران رحمه الله؛ ما كان المطر يونّي ليل الله مع نهاره ومن يوم تشيّخ علينا فقران نشفنا؛ واللي يعزو انقطاع الغيث إلى (المهروش) اللي عوّد عليهم من السفر؛ بشنطه (بِكم) وحدّ الليل يطقّ اصبع، ومرته ترقص وتضرب بالمصقع.

جمع الفقيه الصغار صبح الجمعة، وقال؛ يا حُبّاني استرحموا لنا كمّن ربي ينظر فينا؛ وأبشروا بعدما تعوّدون عليّه بالزبيب واللباب، وحفّظهم الابتهال؛ فانطلقوا بنشوة وامتلأت المساريب باستغاثات براءة صاعدة من النقاء إلى السماء

«يا الله في مطر وسيل؛ يسقي الوادي العليل؛ ويشفي القلب الغليل؛ مدّة الله الكريم؛ ما هي مدات البخيل) والخبثاء الناقمين على العمّ سهيل صاحب الدكان لأنه ما يديّنهم، يضيفون؛ يستحب كهلة سهيل وينزّلها مليل»، وعندما مرّوا ببيت الخطاطة؛ فهدأت أصواتهم؛ وتملكتهم حالة ذهول من هول منظر لم يسبق لهم رؤيته؛ فجارتهم التي حلّت في القرية هي وأمها ووحيدها أبو سنام، ملقيّة ظهرها العاري للشمس، وقاعدة تحجّم أمها، فكّت ممص المحجم من بين براطمها؛ والتفتت عليهم، فانفجعوا من أثر الدم، ونسيوا يشربون من قربتها المعلّقة، وصاحوا في بعضهم؛ اشردوا؛ لا تلحقكم الخطاطة أمها.

عوّدوا على الفقيه؛ تداحشوا على سدة مصراعه، وجغروا «يا فقيه يا فقيه؛ من عطانا الله يعطيه» فبدا عليهم بخريطته؛ وطلب منهم، يفتّحون حثولهم؛ وهو يقبض بيده ويمد سمّ.. سمّ؛ فأقبل عليه ديكان؛ بعطيفه فوق كتفه؛ صفّ بين الورعان وفتح حثله وقال؛ زبّبني يساني ما يساهم؛ ردّ عليه؛ ما فيك صدقة يا ديكان جرمت السدر والغرب بعطيفك لغنمك؛ ما كان للديرة حامي، جرمك الداب الظامي؛ فأقسم ؛ لو ما يزببه ليصفق خريطته بعطيفه وينثر ما فيها للنمل والدجاج، فمدّ له بثلاث قبضات؛ وقال؛ ما بتعلمني اعرفك لا ذكرت بخير، وبعدما ضمن الزبيب واللباب قال؛ إلا بنشدك يا فقيه؛ ذلحين ربي بيمطرك بالورعان، والمطاليق شمطان اللحى ومفتلة الشوارب ما يمطرهم؟ ردّ؛ ما يعزّ على ربنا شيء والورعان ما بعد تحوقوا الذنوب سواتك يا ديكان، ردّ عليه؛ امّا انته يُصلى في طرف ثوبك لا تخليني أعلّم مرتك بالبقرة اللي سرينا عليها أنا وانته وكتفتاها بعمامتك و مقّيت ضرّتها لين اغديتها شلاء وضفعت فوق عمامتك، وضع كفه على فمه؛ مردداً؛ أبتل الله يفشلك إن كان بتفضحني قدام أم المحّالة.

أمطرتْ الغيوم قبل ما تغرب الشمس؛ وأزلة الرعود تهزّ الجبال هزّ، والبروق تخلّي ظلمة البيوت ضحوة؛ وما تسمع إلا الأصوات؛ (عطّها يا بو العطايا؛ م الصباح إلا العشايا)؛ ومما في قلب المذّن؛ يفتح يديه للقُطّار اللي يخرّ فوق رأسه؛ ويرفع نظره إلى السماء؛ ويرفع الصوت لتسمع مرته؛ (يا الله اعطهم لين يغدون كما الكعم فوق وجه السيل يموج بهم من جال إلى جال)، ولم تنقطع السيول ثلاثة شهور؛ وتفقع وجه الأرض بالنجول، ونبت الحبق والخروع والطبّاق والحُرّاق في الطرقات وعلى الجدران، وبارك الله في الأحمية والأودية، وصارت الغنم تغيب في الحيا.

أقبل عليهم من الشرق رعاة، بجلبهم وعيالهم، وحلّوا في شُعبان مجاورة؛ وقال الخرّاز للفقيه؛ يا فقيه قُل لعريفتك الجلّابة عينهم بالربيع؛ وإن كان ما قرعناهم حلّوا في البيت والوادي؛ وزاد؛ ذوله عيال بدوه ياخه ما يحكّ الواحد منهم قفاته إلا بالمشعاب، وتوّهم على بيت العريفة؛ محتزمين بالجنابي؛ وعازمين على المسراح؛ قال العريفة؛ والله يا من يبزّ من عندي قلم، لاغدي ملحه ما يملح، واخلّي عشره ثمان، من صدقكم بتكاوفون شرّابة الدم؟ خلوهم يرعون ويتحمضون؛ ويسقون حلالهم من الكظايم، وبيصدّرون، ويعودون من حيث ما جو، وأضاف «والشقى على الحيله وش يرزاكم أرعو معهم وتحلّبوا واقضموا من اللقط لين تضرسون ولا أطيب من سمرة معهم»، نطّ الفقيه واستقعد قبالته، فلمح العريفة فيه لمحة الشرّ؛ ونشده؛ وشبك لصقت فيّه يا فحمة المرمّد؟ وهرب الخرّاز قائلاً؛ بغدي افلح معي ضيعه؛ وردّ الفقيه؛ الرجاجيل يا عريفة مثل حصى البنا، منهم ربض، ومنهم لزازة؛ علّق عليه مستهزئاً؛ وبتنغيم من رأس خشمه؛ آهو صادق...؛ ايوه.. وانت من ايات فيهم؟ تناول الطاسة ورشف له جغمه، وقال؛ حمانا واشفايانا غدت للرعيان؛ وانت يا كبير القدر والمقام، تحسب ان كل المخاليق يقنون المعروف، فيه من يقناه وفيه من يسلته بين ارجوله، تناول العريفة عمامته واستقام؛ وقال الله لا يجعلك تزيد عن حدّك، برّعناك فوقنا تزرم وتقضم الله يقضم عودك؛ وتحرّك تجاهه ودفعه بيده هامساً؛ قُل عني كذيه، يا بو عقيربان معك فقعة، والناس يتحاشون الفتنة؛ ويدعون الله يسرّها ويقرّها وانت تبغيني أورد جماعتي فوق النار! التقوا بعد العصر في ظُلّة المسيد، ولكي يستثير الشاعر انفعال الفقيه؛ قال؛ ما ودّك يا عريفة نعزم جيراننا رعيان الحلال؟ حكّ العريفة قفاته؛ فعلّق الفقيه؛ هم ونسوانهم، وأضاف؛ ما تشوف العريفة كلما لمح أم البرقع، كنه بارود في ثُمّ المدفع، وغمز للشاعر؛ فبدع؛ (من سرى بالليل الأظلم وهو من غير شونه؛ يلتقي حيّات شوقب وسمّ عقاربه) ضاق العريفة ووقف واستخرج مسبحته من جيبه؛ وحندر في الفقيه وقال؛ ادخلوا مع آذانيه اللي كما محقن السليط، فطلب منه الشاعر يقعد ويتعوّذ من الشيطان؛ ردّ ماني قاعد؛ وأضاف بضيقه وهو معطيهم ظهره (لو كان عنتر قعد بين الهمج لاهمجو به).

00:06 | 13-02-2026

السياسي يبني دولة والأيديولوجي يهدمها

يطول الحديث عن تاريخ الأيديولوجيات، منذ ظهور الدولة، بكلاسيكية حذرة، إلى دولة وطنية، ثم دولة مؤسسات؛ كسبت الاجتماع والإجماع، واستقرت بها أوضاع الشعوب نسبيّاً، وبزيادة الوعي غدت السيادة الوطنية أكبر مكتسب أمّن حياة الإنسان، وحمى عرضه، وحفظ كرامته وحقوقه.

فيما يستميتُ بعضُ المُتسلّطِين أو الشلطويين باسم الأديان؛ في سبيل إثبات دينية الدولة؛ أي أن الدين سابق عليها؛ وموجّهٌ لها؛ وهي حاكمة بأمره؛ ومذعنةٌ لغلبته وقهره؛ لتغدو مرجعية دولتهم المُتخيّلة (نصوصاً مقدّسة) قابلة للتفسير والتأويل والانزياح، ما يتيح لهم الاستبداد والفساد باسم التشريع، فيما الدولة بناء سياسي واجتماعي يستفيد من معطيات عدة، منها أعراف الشعوب؛ والسياسي يبني دولة بالأنظمة والقوانين التي تسع الجميع، وتحكم ولا تتحكّم، وتبني الروح والعقل والجسم والنفس ولا تهدم؛ والأيديولوجيا تهدم؛ وفي عالمنا العربي تحديداً الأيديولوجيات مشبوهة؛ ويكفي لتقريب الصورة للذهن استعادة أمثلة؛ واستقراء واقع ما حدث في العراق 2003، ومصر عام 2011، واليمن 2014، فالدول التي انبنت عبر عقود انهدمت في أشهر؛ بسبب العبث في مفاصلها، واستبدال دولة المؤسسات بأيديولوجيات الجماعات والمليشيات؛ ظناً أن الأيديولوجيات تصنع الدُّوَل.

ومما أثبته الواقع وعزّزته الوقائع أن الأيديولوجيا (عمياء) وتزداد عمى، كلما صادمت العقل؛ وتصدّت لحراك المجتمع الحيوي بطبعه؛ مستندة إلى نص ديني؛ مفهومه بحسبهم مُحرّض واستفزازي؛ ما يخلق حالة الفوضى، ويؤسّس نزعة الاحتراب؛ والأحزاب والمذاهب والتيارات والطوائف، سهل تأسيسها وصعب التحكم فيها؛ ولا يصعب اختراقها وتوجيهها لتغدو حربة في نحر الأوطان، والعمل ضد مصلحة الإنسان، علماً بأن بذرة فنائها تكمن في داخلها، وعلى المدى تتآكل أو تأكل نفسها.

ومن مظاهر عور الأيديولوجيا، أنها ترفع الاحتمالات إلى مرتبة اليقينيات؛ فخطابها قطعي لا محل فيه للظنّيات، وحلولها ناجعة نتائجها النهائية، دون أي اعتبار للنسبية؛ كما أنها تستسهل الحكم على النوايا (التي لا يعلمها إلا الله)، وتدين قبل توفير الأدلة؛ وتجنح إلى إساءة الظن، وتمارس العنف وتبث الرعب كونهما يولّدان الكراهية؛ المستندة بزعمهم للمقدّس؛ المتحتّم الاحتكام إليه، والتعويل عليه، في إدارة مجتمعات مستقرة بأدوات إشكالية، ما يفضي إلى إهانة البشر، وتشويههم بالتعسّف والتحكم، ما ينامي أجيالاً مشحونة بطاقة الانتقام والتوجس.

وبين ما هو متعدد وإشكالي؛ والمتحد أو الموحد السلمي؛ مثل ما بين السماء والأرض؛ فما يترتب على الإشكالي لا يمكن إلا أن يكون إشكالياً؛ وما يترتب على السلمي أقرب للقبول والتعايش، والأيديولوجيات إشكالية، والتجارب الحركية في العالم الإسلامي؛ حاولت حكم الناس بما تزعمه دِيناً، في ظلّ غياب الدولة، ولم تُفلح ولم تنجح مشاريعها، وكل ذلك نتاج قناعاتها القائمة على خطأ في التصوّر لماضي الإسلام، ولأنه ليس لدى جماعات الإسلام السياسي رؤية موضوعية، لرسم ملامح الواقع وتخطيط معالم المستقبل، تلجأ الأيديولوجيا للماضي، باعتباره الموروث الثابت الذي يمكن التأسيس عليه! ظنّاً بأنه كلٌّ لا يتجزأ؛ وواحدٌ لا يتعدّد، وهو بالبحث والتقصي أكثر من موروث؛ وليس له تراكمية متواترة؛ بل مراحل أحادية شبه مستقلة، وكل مرحلة تراوح بين القبليّة والمدنيّة، والاستقلالية والتبعيّة.

ولعل من مزايا دِين الإسلام، وربما كافة الأديان؛ أنّ لديها قابلية، للتفاعل مع المجتمع، والتأثير فيه والتأثر به؛ وهذا تأكيد على أنّ العادات والأعراف والتقاليد تلقي بظلالها على الموروث التديّني، وتغدو جزءًا منه أو يغدو جزءًا منها، وبهذا كانت البيئات تحصّن نفسها من الأيديولوجيات، ولذا من الطبيعي أن تلتم سريعاً تحت راية الدولة؛ التي هي بأقسى معطياتها، أرحم وألطف من أي أيديولوجية، علماً بأنه لم يثبت فيها لُطف.

00:10 | 6-02-2026