أخبار السعودية | صحيفة عكاظ - author

https://cdnx.premiumread.com/?url=https://www.okaz.com.sa/uploads/authors/1706.jpg&w=220&q=100&f=webp

منى الدحداح

«الطائف».. لم يكن انتقاصاً من حقوق اللبنانيين!

يُعتبر اتفاق الطائف (وثيقة الوفاق الوطني) محطة مفصلية في تاريخ لبنان الحديث، إذ أنهى حرباً أهلية مدمّرة استمرت 15 عاماً، وأعاد صياغة النظام السياسي على أسس جديدة تهدف إلى تحقيق التوازن والاستقرار بين مختلف مكونات المجتمع اللبناني. وعلى الرغم من الجدل الذي رافق الاتفاق، إلا أن قراءة متأنية لبنوده تكشف أنه لم يكن على حساب المسيحيين، بل حمل في طياته العديد من الضمانات التي تصب في مصلحتهم على المدى الطويل.


أولاً، أرسى اتفاق الطائف مبدأ المناصفة بين المسيحيين والمسلمين في البرلمان ومؤسسات الدولة، وهو ما يُعد «إنجازاً» حقوقياً للمسيحيين في ظل المتغيرات الديموغرافية. فبدلاً من اعتماد نظام ديمقراطي عددي قد يهمش المكونات الأقل عدداً، كرس الطائف «المناصفة» كمعيار دستوري ثابت لا يتأثر بتغير النسب السكانية، مما يضمن للمسيحيين حضوراً متساوياً في القرار السياسي الوطني رغم أي تراجع عددي.


ثانياً، أعاد الاتفاق توزيع الصلاحيات داخل السلطة التنفيذية بطريقة أكثر توازناً، حيث لم يعد الحكم محصوراً بشخص واحد، بل أصبح قائماً على مبدأ الشراكة بين رئيس الجمهورية (الماروني)، ورئيس الحكومة (السني)، ورئيس مجلس النواب (الشيعي). ورغم أن البعض رأى في ذلك تقليصاً لصلاحيات رئيس الجمهورية، إلا أنه في الواقع عزّز مفهوم الحكم الجماعي، ما يحمي أي مكوّن، بما فيه المسيحيون، من الاستفراد أو التهميش.


ثالثاً، وضع الاتفاق حداً للحرب الأهلية التي كانت تهدد الكيان اللبناني برمته، وهو بحد ذاته مكسب كبير للمسيحيين الذين كانوا من أكثر المتضررين من استمرار النزاع، سواء على مستوى الهجرة أو التراجع الاقتصادي أو التهديد الوجودي. فالاستقرار الذي أرساه الطائف شكّل فرصة لإعادة بناء المؤسسات واستعادة الدور المسيحي في الدولة.


رابعاً، نصّ الاتفاق على اللامركزية الإدارية الموسعة، وهي نقطة لطالما طالب بها المسيحيون، لما تتيحه من تعزيز دور المناطق في إدارة شؤونها، وتخفيف الهيمنة المركزية، بما يساهم في حفظ الخصوصيات المحلية.


خامساً، وفي ظل التوترات الإقليمية الراهنة، تبرز أهمية تطبيق كامل بنود اتفاق الطائف كمدخل أساسي لحماية لبنان من الانزلاق إلى صراعات مدمّرة. إن الالتزام بمبدأ حصرية السلاح بيد الدولة وتعزيز مؤسساتها يشكّل عنصراً جوهرياً في تجنيب البلاد تداعيات المواجهات، بما فيها التوتر القائم بين حزب الله وإسرائيل. فتنفيذ الاتفاق بالكامل لا يقتصر على تنظيم الحياة السياسية الداخلية، بل يمتد ليكون إطاراً يضمن سيادة الدولة ويحدّ من احتمالات الانجرار إلى حروب لا تخدم مصلحة اللبنانيين، وفي مقدمتهم المسيحيون.


أخيراً، يجب النظر إلى اتفاق الطائف كإطار قابل للتطوير، وليس نصاً جامداً. فالكثير من البنود الإصلاحية لم تُطبّق بالكامل حتى اليوم، ما يعني أن استكمال تنفيذ الاتفاق يمكن أن يعزز أكثر فأكثر من حضور المسيحيين ودورهم في الدولة، ويشكّل في الوقت نفسه صمام أمان في مواجهة الأزمات الداخلية والخارجية.


بناءً على ما سبق، يتبيّن أن اتفاق الطائف لم يكن انتقاصاً من حقوق المسيحيين، بل كان محاولة لإعادة التوازن وإنهاء الصراع، مع الحفاظ على دورهم كشريك أساسي في صيغة لبنان. ويبقى التحدي الحقيقي في التطبيق الكامل والعادل لبنوده، بما يضمن مصلحة جميع اللبنانيين دون استثناء، ويحصّن البلاد في وجه أي صراعات قد تهدد استقرارها.

منذ يوم

لبنان: زمن الحزم العسكري!

في ظل التحديات الأمنية المستمرة، يبرز الجيش اللبناني (القوات المسلحة اللبنانية -LAF) كعامل حاسم لاستعادة السيادة الوطنية. بناءً على إحصاءات عالمية موثوقة، يحتل لبنان المرتبة الثامنة عالمياً في نسبة القوات المسلحة النشطة إلى السكان (~7 لكل 1000 نسمة)، متجاوزاً المتوسط العالمي (3.5) بمرتين، ومتفوقاً على دول كبرى مثل تركيا (5.5) وأرمينيا (6.5)، ومقترباً من أوكرانيا (7.5).

هذه النسبة العالية ليست صدفة؛ بل هي استجابة تاريخية للحفاظ على الاستقرار وسط الانقسامات الطائفية العميقة والتهديدات الداخلية من الجهات المسلحة غير الدولة. مع قرار موحد من السلطات السيادية، يستطيع الجيش فرض سلطته بفعالية.

كوريا الشمالية تتصدر الترتيب بنسبة (49) لكل (1000)، تليها كوريا الجنوبية (11)، ثم إسرائيل وفيتنام (10) لكل منهما، وبعدهما إريتريا (9.5)، بيلاروسيا (8)، أوكرانيا (7.5)، لبنان (7)، أرمينيا (6.5)، وأخيراً تركيا (5.5).

مع ~5 ملايين نسمة، يبلغ الجيش ~30-60 ألف جندي نشط، مما يمنحه قوة داخلية قوية رغم التصنيفات الشاملة (118 عالمياً).

حصل لبنان على هدنة 10 أيام لوقف إطلاق النار مع إسرائيل، بوساطة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب والدور الكبير للمملكة العربية السعودية، بعد اتصالات مع الرئيس اللبناني جوزاف عون، ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. دخلت الهدنة حيز التنفيذ في 16 أبريل 2026، كاختبار لسيادة الدولة بعيداً عن الوصايات.

يجب على الجيش اللبناني الاستفادة القصوى من هذه الهدنة لنزع السلاح من بيروت الإدارية، بتنفيذ قرار مجلس الوزراء الذي اتخذ في تاريخ 9 أبريل 2026 بعد إعلان رئيس الحكومة نواف سلام في ختام الجلسة: «سنداً لوثيقة الطائف وقرارات الحكومة ذات الصلة، وحفاظاً على سلامة المواطنين وأمنهم وممتلكاتهم، يُطلب إلى الجيش والقوى الأمنية المباشرة فوراً بتعزيز بسط سيطرة الدولة الكاملة على محافظة بيروت وحصر السلاح فيها بالقوى الشرعية وحدها، والتشدد في تطبيق القوانين واتخاذ التدابير كافة المطلوبة بحق المخالفين وإحالتهم على القضاء المختص».

هذا النزع يبين للمجتمع الدولي قدرة الجيش على حصر السلاح بالدولة، ممهداً لمحادثات الانسحاب الإسرائيلي من الجنوب.

لحين إجراء المفاوضات وانسحاب إسرائيل، ينتشر الجيش اللبناني في جنوب لبنان لفرض الهيمنة الأمنية. هذا النشر ليس مجرد انتقال؛ إنه تعزيز للسيادة الوطنية، حيث تثبت الإحصاءات تفوق الجيش اللبناني عددياً على جيوش دول كبرى بنسبة عالية مقارنة بالسكان. على عكس الدول التي تعتمد على قوات أجنبية، لا يحتاج لبنان إلى جنود خارجيين. قوته الداخلية (~30-80 ألف جندي نشط، بنسبة 7 لكل 1000) تكفي للسيطرة على الحدود والأراضي، خاصة مع تركيزه على الاستقرار الداخلي بدلاً من الحروب الخارجية.

الهدنة اختبار حقيقي للسيادة: يجب على الجيش نزع السلاح من بيروت الإدارية أولاً لتأكيد سلطة الدولة، ثم الانتشار الكامل جنوباً بعد إنهاء المفاوضات وانسحاب إسرائيل من الأراضي المحتلة.

الجيش اللبناني ليس مجرد مؤسسة؛ هو الركيزة الوحيدة لاستعادة السيادة الوطنية. بتنفيذ قرار الحكومة فوراً، يثبت لبنان قدرته على الاعتماد الذاتي دون تدخلات أجنبية، مستفيداً من نسبته العسكرية المتفوقة عالمياً (المرتبة 8).

00:04 | 19-04-2026

اتفاق الطائف ليس فقط تسليم السلاح غير الشرعي...

اتفاق الطائف، الذي وقّع في عام 1989 وأنهى الحرب الأهلية اللبنانية، ليس مجرّد بندٍ واحد يتعلق بتسليم السلاح غير الشرعي، كما يحاول بعض السياسيين تصويره. إنه وثيقة دستورية ملزمة تنص على إصلاحات جذرية للنظام السياسي والإداري في لبنان.

ومع اقتراب الاستحقاق الانتخابي النيابي، يصبح تطبيق جميع بنوده أمراً حاسماً لإنقاذ الدولة من الغرق في الفساد والطائفية.

يُختزل اتفاق الطائف في خطابات المسؤولين إلى بند تسليم الأسلحة غير الشرعية، بينما يتجاهلون الباقي عمداً. الاتفاق يحدّد إطاراً واضحاً للإصلاح، من أبرزها:

قانون انتخابي غير طائفي: ينص على مناصفة حقيقية بين المسلمين والمسيحيين، مع إنهاء الطائفية السياسية تدريجياً. هذا يعني انتقالاً إلى تمثيل يعكس الإرادة الشعبية بعيداً عن الحصص الطائفية الثابتة.

إلغاء الطائفية السياسية: يطالب بسنّ ميثاق وطني ينهي الولاءات الطائفية في المناصب العامة، ليصبح الاختيار مبنياً على الكفاءة لا الانتماء.

اللامركزية الإدارية: يفرض تفويض صلاحيات واسعة للمحافظات والأقضية، مما يعزّز التنمية المحلية ويقلّل من سيطرة بيروت المركزية.

مجلس الشيوخ: اقتراح إنشاء مجلس علوي يراجع التشريعات ويضمن التوازن بين الطوائف، مع تعزيز دور البرلمان في الرقابة.

هذه البنود ليست اقتراحات، بل التزامات دستورية مدمجة في مقدّمة الدستور اللبناني لعام 1990.

يتفاخر المسؤولون وقادة الأحزاب بـ«تطبيق الطائف كاملاً»، لكنهم يكتفون بذكر السلاح غير الشرعي، (حتى في هذا الموضوع يراوغون) متجاهلين الباقي. هذا الكذب المتكرر يخفي حقيقة أوضح: مصالحهم الشخصية تمنعهم من الالتزام بالدستور. فإذا طبّق قانون انتخابي طائفي، سيفقد الكثيرون مقاعدهم أو يضعف نفوذهم، إذ يعيد توزيع التمثيل بشكل عادل يعكس التغييرات الديموغرافية والشعبية.

المملكة العربية السعودية، كواحدة من الداعمين الرئيسيين لاتفاق الطائف، تُصرّ على تطبيقه بكل بنوده دون استثناء. الرياض تُذكّر باستمرار بأهميته كأساس لاستقرار لبنان، وتُشير إلى دعمها التاريخي للوثيقة.

وفي تصريحات رسمية متكررة، أكّدت السعودية أن عدم التطبيق – خاصة في القانون الانتخابي واللامركزية – يُهدّد التوازن الطائفي، محذّرةً من تدخّل محتمل لفرض التنفيذ عبر ضغوط دبلوماسية أو دعم إصلاحات خارجية.

ليست السعودية مجرّد ملاذٍ تلجأ إليه القيادات اللبنانية عندما تحتاج لها لحل مشاكل البلد، ثم تتجاهل وعودها وطلباتها.

مع الدستور الذي يلزمهم، يفضّلون الحفاظ على القانون الانتخابي الحالي (قانون 2017 المعدّل)، الذي يضمن بقاءهم، بدلاً من سنّ قانون جديد يتوافق مع الطائف. هذا التجاهل يُبقي لبنان غارقاً في الفساد، حيث تتحكّم المحاصصة الطائفية في السلطة والاقتصاد.

الانتخابات النيابية القادمة فرصة لفرض الطائف كاملاً. من الأفضل عدم حصول الانتخابات حالياً، حتى يُسن قانون انتخابي جديد يطبق المناصفة، يلْغي الطائفية، ويُفعّل اللامركزية ومجلس الشيوخ. خلاف ذلك، سيظل النظام الحالي يُنتج نفس الوجوه والفساد، مُعرّضاً لبنان لمزيد من الانهيار الاقتصادي والسياسي، وربما تدخّلاً خارجياً سعودياً لإنقاذ الاتفاق.

اتفاق الطائف ليس خياراً، بل الطريق الوحيد لدولة حديثة، حان الوقت للمساءلة الحقيقية.

00:10 | 6-02-2026

لبنان: الطائف مفتاح نجاح الانتخابات..!

منذ إقرار اتفاق الطائف عام 1989، لا يزال لبنان يراوح في حلقة مفرغة من القوانين الانتخابية المؤقتة والمشوّهة، التي فشلت في تحقيق الهدف الأساسي للطائف: الانتقال من دولة الطوائف إلى دولة المواطنة، من دون صدام أو إقصاء. واليوم، وبعد الانهيار المالي والمؤسساتي غير المسبوق، يصبح من الواضح أن الإصلاح السياسي يبدأ من قانون الانتخاب.

أولاً: اتفاق الطائف ليس المشكلة، بل عدم تطبيقه، ويُخطئ من يعتبر أن الطائف هو سبب الأزمة، فالاتفاق نصّ بوضوح على:

- إلغاء الطائفية السياسية تدريجياً.

- إنشاء مجلس شيوخ تتمثل فيه العائلات الروحية.

- انتخاب مجلس النواب خارج القيد الطائفي.

لكن ما حصل عملياً هو انتقاء ما يخدم السلطة، وتعطيل ما يحدّ من نفوذها. فتم تثبيت المناصفة، لكن أُهملت الخطوات الإصلاحية المرافقة، وعلى رأسها قانون انتخاب عادل ومجلس الشيوخ.

ثانياً: القوانين الانتخابية المعتمدة كرّست الانقسام لا التمثيل، القوانين التي اعتمدت منذ الطائف وحتى اليوم، بما فيها القانون الحالي، قامت على:

- دوائر مفصّلة على قياس القوى النافذة.

- صوت تفضيلي يعمّق العصبيات.

- إعادة إنتاج الزعامات نفسها.

- تشويه مفهوم النسبية.

فبدل أن يكون البرلمان مساحة تنافس سياسي وبرامجي، تحوّل إلى مرآة للانقسامات الطائفية والمناطقية، وعجز عن القيام بدوره التشريعي والرقابي.

ثالثاً: لماذا قانون جديد وفق الطائف الأكثر واقعية؟

إقرار قانون انتخابي جديد يستند إلى اتفاق الطائف، وليس خارجه، يوفّر حلاً متوازناً يجمع بين الاستقرار والإصلاح، عبر:

- اعتماد النسبية الحقيقية مع دوائر كبرى، ما يؤمّن عدالة التمثيل ويحدّ من هيمنة المال والزبائنية.

- إلغاء الصوت التفضيلي واعتماد لوائح مغلقة، لتحويل التنافس من صراع أشخاص إلى صراع برامج ومشاريع.

- إنشاء مجلس شيوخ، ينقل الهواجس الطائفية إلى مؤسسة دستورية مخصّصة، ويحرّر مجلس النواب للتشريع الوطني.

- الانتقال التدريجي إلى مجلس نواب غير طائفي كما نصّ اتفاق الطائف، من دون صدمة أو إلغاء مكوّنات المجتمع.

رابعاً: هذا القانون لا يهدد الطوائف، بل يحمي الدولة على عكس ما يُشاع، فإن هذا النموذج:

- لا يلغي التوازنات دفعة واحدة.

- لا يُقصي أي مكوّن.

- يفصل بين التمثيل الطائفي الوجودي والعمل السياسي اليومي.

وهو ما يسمح بقيام دولة قادرة على اتخاذ قرارات اقتصادية واجتماعية من دون تعطيل دائم باسم «الميثاقية».

خامساً: الخوف الحقيقي ليس على الطوائف بل على السلطة.

إن معارضة هذا التوجّه لا تنبع من حرص على العيش المشترك، بل من خشية حقيقية لدى الطبقة السياسية من:

- خسارة أدوات التحكم بالناخبين.

- سقوط الزعامات الوراثية.

- صعود قوى سياسية عابرة للطوائف.

لذلك، يُستخدم شعار «الخصوصية اللبنانية»؛ لتبرير الإبقاء على نظام أثبت فشله.

إن إقرار قانون انتخابي جديد وفق اتفاق الطائف لم يعد ترفاً سياسياً، بل شرط أساسي لإنقاذ الدولة. فإما العودة إلى روح الطائف وتطبيقه كاملاً، وإما الاستمرار في إدارة الانهيار بقوانين انتخابية تُنتج الأزمة نفسها في كل دورة.

الطائف لم يكن تسوية مؤقتة، بل خريطة طريق.

والمشكلة ليست في الخريطة، بل في من رفض السير بها.

23:56 | 15-01-2026

مباشرة مع إسرائيل.. سلام أم توتر؟

أُنشئت لجنة الميكانيزم التنسيقي ضمن اتفاق وقف إطلاق النار الذي بدأ في 27 نوفمبر 2024، عقب «حرب الإسناد» بين حزب الله وإسرائيل. لم تكن المحادثات الأولية مباشرة بين لبنان وإسرائيل، بل عبر وسطاء. ومع ذلك، شهدت 3 ديسمبر 2025 اجتماعًا أوليًا في الناقورة، بعد تعيين السفير السابق سيمون كرم مفاوضًا مباشرًا من الجانب اللبناني، مما يمهد لرفع المفاوضات من المستوى التقني إلى السياسي والاقتصادي.

رغم هذا التقدّم، تبقى المفاوضات في مراحلها التمهيدية، مع خلافات جوهرية حول ملفات حساسة: الانسحاب الإسرائيلي من النقاط الخمس المحتلة، إقامة منطقة عازلة، نزع سلاح حزب الله، والخروقات الأمنية المستمرة على الحدود. يدرس حزب الله هذه التطوّرات بحذر شديد، محافظًا على رفضه لأي تفاوض مباشر. منذ نوفمبر 2024، سجّلت المنطقة خروقات إسرائيلية متكررة للاتفاق، تشمل تحليق طائرات مسيرة، إشعال حرائق حدودية، تفجيرات منازل، غارات جوية، واغتيالات مستهدفة لحزب الله. تربط إسرائيل هذه العمليات بضرورة تطبيق شروطها الأمنية، مثل إنشاء منطقة عازلة جنوب نهر الليطاني خالية من أسلحة حزب الله، ونزع سلاحه كليًا، معتبرة إياه تهديدًا دائمًا. على الجانب اللبناني، أقر مجلس الوزراء في أغسطس 2025 الورقة الأمريكية المتعلقة بالمفاوضات، بينما أعلن حزب الله في يوليو 2025 عدم قبوله بأي تفاوض بحصر سلاحه للدولة اللبنانية، قبل انسحاب إسرائيل من النقاط الخمس، إعادة أسراهم لدى إسرائيل، وقف الخروقات، وإعادة إعمار المناطق المتضررة.

يميّز هذا المسار بين فريق مفاوض مدني وآخر عسكري؛ إذ يمثّل الفريق المدني توجهًا نحو دبلوماسية اقتصادية وفنية تشمل إعادة الإعمار والتعاون المشترك، في حين يركز الوفد العسكري على الجوانب الأمنية بشكل ضيق، وهو ما يلقى قبولًا أكبر من حزب الله. هذا التمييز يفتح المجال لنقاشات أوسع، لكنه لا يعالج الخلافات الجوهرية، حيث يرى المدنيون إمكانية لاحتواء الوضع عبر الضغط الاقتصادي مقابل التنازل الإسرائيلي.

بناءً على مصادر سياسية رفيعة، تجري هذه المفاوضات في سياق إقليمي حساس، مع إمكانية إطالة الجانب اللبناني بانتظار تطوّرات مثل محاكمة نتنياهو في قضايا الفساد أو تقدّم المفاوضات الأمريكية-الإيرانية حول النووي.

يظل المآل النهائي لهذه المفاوضات لم يتضح بعد، إذ تواجه ضغوطًا أمريكية وإسرائيلية متزايدة لتسريع نزع سلاح حزب الله مقابل الانسحاب من الأراضي المحتلة، مع تهديدات بتصعيد عسكري من تل أبيب في حال عدم تحقيق تقدم ملموس. ستوضح النتائج القادمة ما إذا كانت هذه الخطوة المدنية ستنجح في تفادي نزاع جديد في لبنان أو ستزيد من حدة التوتر في المنطقة.

23:56 | 18-12-2025

الفصل السابع.. وحلٌّ بقيادة سعودية لسلام لبنان

يرى الكثير من اللبنانيين أن الشعب اللبناني قد تعب من الفساد المستشري، الذي أكل مؤسسات الدولة من الداخل، سلاحٌ خارج الشرعية عطّل سيادتها وقراراتها، وحروبٌ متلاحقة دفعت بالأجيال إلى الهجرة واليأس. بات اللبنانيون اليوم يقفون على حافة الانهيار الكامل، بعدما فقدوا الثقة بالطبقة السياسية وبقدرة الداخل على إنقاذ ما تبقى من وطن أنهكته الصراعات.

لقد آن الأوان للاعتراف بالحقيقة كما هي: الشعب اللبناني تعب؛ تعب من الفوضى، من انهيار الاقتصاد، من غياب الدولة، ومن كل من يجرّه إلى صراعات لا تشبهه ولا تُعبّر عن تطلعاته في العيش الكريم والحرية والازدهار. وفي ظل هذا العجز الداخلي، تتزايد الأصوات المطالِبة بتدخّل دولي مُنظَّم يضع لبنان على مسار الإنقاذ الحقيقي.

من هنا تبرز دعوة شريحة واسعة من اللبنانيين إلى وضع لبنان تحت الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، بما يضمن حماية الشعب، وتثبيت السلم الأهلي، وإعادة بناء مؤسسات الدولة على أسس من الشفافية والحوكمة والاستقلالية عن أي سلاح أو نفوذ خارجي. فالفصل السابع، رغم صعوبته، قد يكون الخيار الوحيد القادر على إنهاء الفوضى وإعادة فرض سلطة الدولة كاملة على أراضيها.

وفي هذا السياق، يرى كثيرون أنّ وجود قوات دولية بمرجعية عربية واضحة يمكن أن يمنح هذا التدخّل بعداً أكثر قبولاً لدى اللبنانيين. وهنا تبرز المملكة العربية السعودية، بقيادة ولي عهدها الأمير محمد بن سلمان، قوة سلام واستقرار في المنطقة، أثبتت خلال السنوات الماضية أنّ رؤيتها ترتكز على التنمية، ومحاربة الفساد، واحترام سيادة الدول، دون أطماع استعمارية أو هيمنة، قد يمثّل خياراً يؤمل منه أن يحقق التهدئة ويضمن احترام سيادة لبنان ووحدته.

إنّ رؤية السعودية 2030، التي تسعى إلى نشر نموذج الاستقرار والتنمية في المنطقة، قد تشكّل فرصة تاريخية للبنان للخروج من أزمته، بدلاً من اللجوء للحروب، وذلك من خلال قوة دبلوماسية وعسكرية معتدلة ومسؤولة.

تطبيق هذه الرؤية في لبنان من خلال قيادة قوات دولية لم تكن طموحاً بعيداً، بل يمكن أن تكون خطوة استراتيجية نحو استعادة الأمن والاستقرار في بلد يعاني من الفوضى والانسداد السياسي. فالسعودية، برؤيتها القائمة على دعم السلام والازدهار، يمكن أن تساعد لبنان في نزع سلاح المليشيات، مكافحة الفساد، وإعادة بناء مؤسسات الدولة وتعزيز الحكم الرشيد.

إضافة إلى ذلك، الدعم السعودي للبنان يمكن أن يشمل مشروعات تنموية لتحسين الاقتصاد وخلق فرص عمل، حيث تركّز الرؤية السعودية على الاستثمار في القطاعات الحيوية مثل السياحة، الطاقة المتجدّدة، والخدمات، ما يوفر نموذجاً قابلاً للتكيّف في لبنان لمواجهة أزماته الاقتصادية والاجتماعية.

في الأخير، الشعب اللبناني يريد أن يرى بلاده تعود إلى عهد السلام والتنمية بعيداً عن الأزمات المزمنة. وهذا يتطلب قبولاً بمبادرات دولية جذرية من قبيل إدراج لبنان تحت الفصل السابع ووجود قوات دولية برئاسة المملكة العربية السعودية التي يسعى ولي عهدها للسلام والاستقرار والازدهار، بعيداً عن الصراعات والحروب في جميع الدول دون أي أطماع.

00:26 | 28-11-2025

السياسة السعودية.. الموقف الرسمي فقط..!

في الآونة الأخيرة، شهدت الساحة الإعلامية والسياسية تداولاً واسعاً لتصريحات وتغريدات تؤكد بأن السياسة السعودية تجاه حزب الله وسلاحه قد تغيّرت وحتماً أن هذه التغريدات الفردية لا تمثّل توجه المملكة العربية السعودية ولا تمثّل أي سياسي سعودي، وأن السياسة السعودية لا يُمثّلها سوى المسؤولين الرسميين المعتمدين من قبل الدولة.

حيث إن السعودية دولة مؤسساتية عريقة في تنظيم عملها السياسي والدبلوماسي، حيث تتولى القيادة العليا للمملكة، ممثلة في خادم الحرمين الشريفين وولي العهد، والوزارات المختصة وعلى رأسها وزارة الخارجية، رسم السياسة الخارجية والإقليمية بناءً على مصلحة المملكة العليا ومبادئها الثابتة.

التصريحات الفردية التي قد يصدرها أشخاص لا تعبّر بالضرورة عن مواقف المملكة الرسمية. هذه الآراء الذاتية لا تعكس السياسات المعتمدة ولا الاتجاهات الرسمية التي تتبناها الدولة في التعامل مع مختلف القضايا، وخاصة الحسّاسة منها كملف حزب الله في لبنان.

السياسة السعودية تجاه حزب الله وسلاحه واضحة وثابتة وتعتمد على المبادئ التي تم التأكيد عليها في اتفاق الطائف. فقد أشارت المملكة منذ بداية الأزمة اللبنانية إلى ضرورة التزام الدولة اللبنانية بسيادتها على كامل أراضيها، ورفض السياسات التي تؤدي إلى زعزعة الأمن والاستقرار، بما في ذلك استخدام السلاح خارج إطار الدولة. اتفاق الطائف يُعتبر المرجعية الأساسية التي تؤكد ضرورة نزع سلاح المليشيات والالتزام بالدولة كونه الضامن الوحيد لسلطة القانون. وفي هذا السياق، توضح السياسة السعودية موقفها الثابت بضرورة احترام سيادة لبنان وعدم السماح لأي طرف بتحدي هذا المبدأ، مع التأكيد على دعم الحوار الوطني والنهج الرسمي اللبناني الذي يحترم هذا الاتفاق.

يُضاف إلى ذلك أن بعض الإعلام اللبناني يركّز بشكل ملحوظ على هذه التصريحات والتغريدات، مما يسهم في زيادة الالتباس لدى الجمهور اللبناني ويخلق تصوّراً خاطئاً عن تحوّلات في الموقف السعودي. وهذا يفرض مسؤولية إضافية على الفاعلين الإعلاميين والسياسيين لتفكيك هذا الالتباس والتمييز بوضوح بين المواقف الرسمية والتصريحات الشخصية والتفاهم الصحيح لهذه الفروق يعزز من الثقة بين الشعبين اللبناني والسعودي ويؤكد حرص المملكة على استقرار لبنان وازدهاره دون أن يكون هناك أي تغيير في المبادئ التي تحكم سياساتها.

إن الاعتقاد بأن مواقف شخصية لفرد معيّن، مهما كان مؤثراً، يمكنها أن تعبّر عن سياسة دولة، هو حكم خاطئ. السياسة السعودية تسير وفق خطة واضحة موحدة، وتُعلن عنها من خلال قنواتها الرسمية التي لا تحتمل اللبس أو التفسير الخاطئ. هذا الوضوح يعزز دور المملكة كركيزة أساسية للسلام والاستقرار في المنطقة، ويوضح أن الحديث عن السياسة السعودية يحتاج إلى العودة إلى مصادرها الرسمية وعدم الاكتفاء بالآراء والتصريحات الفردية التي قد تضفي بُعداً شخصياً لا يعبر عن حقيقة المواقف.

00:01 | 4-11-2025

السعودية ودورها في توحيد الموقف السنّي في لبنان..!

لطالما شكّلت المملكة العربية السعودية أحد أبرز الداعمين للبنان في مختلف المراحل السياسية والاقتصادية، مستندةً إلى روابط تاريخية وثقافية عميقة مع الشعب اللبناني. ويبرز دورها بشكل خاص في دعم الطائفة السنّية التي تربطها بالمملكة علاقات وثيقة قائمة على القيم المشتركة والاعتدال الديني والسياسي. ومع تفاقم الأزمات السياسية في لبنان، برزت جهود المملكة لتوحيد الموقف السنّي والحفاظ على دوره الوطني ضمن الصيغة اللبنانية القائمة على التوازن والتعايش.

المملكة العربية السعودية تلعب دورًا محوريًا وجهودًا بارزة في تهدئة الأوضاع السياسية في لبنان، مع اهتمام خاص بالتهيئة لحوار وطني بين جميع الفرقاء السياسيين، وبالأخص بين السياسيين السنّة في لبنان. يرتكز الدور السعودي في هذا السياق على تحفيز تيارات سياسية سنّية لبنانية على التعاون والابتعاد عن التأثيرات التي قد تزيد من الانقسامات، مع دعم تحالفات سياسية تعزز من الاستقرار الوطني.

تأتي هذه الجهود ضمن إستراتيجية سعودية شاملة تتمثل في دفع السياسيين السنّة نحو تكوين تحالفات تدعم الاستقرار وتمثّل مصالح الطائفة بطريقة توازن القوى في لبنان، بعيدًا عن تدخلات خارجية أو هيمنة غير دستورية، مع التشديد على تطبيق اتفاق الطائف وحصر السلاح بيد الدولة. السعودية أيضًا تؤكد أهمية استمرار التنسيق مع لبنان في القضايا الإقليمية والدولية، وتدعو إلى ضبط أي مواقف سياسية تؤدي إلى تأزيم الوضع اللبناني. هذه الجهود السعودية تشمل دعم السلطات اللبنانية في مواجهة محاولات العبث بأمن المواطنين، وتعزيز التعاون بين القوى السياسية داخل لبنان لإقامة بيئة سياسية مستقرة وآمنة.

تسعى الرياض بهدوء ودون ضجيج إعلامي إلى رأب الصدع داخل البيت السنّي من خلال تشجيع الحوار، واستقبال الشخصيات اللبنانية في المملكة، ودعم المبادرات التي تعيد ترتيب العلاقة بين القيادات السياسية والدينية. وهي تحاول من خلال ذلك إعادة التوازن إلى الساحة اللبنانية، لأن غياب الصوت السنّي الموحد أضعف حضور الطائفة في المعادلة الوطنية وفتح المجال أمام قوى أخرى لتملأ الفراغ.

كما تولي السعودية اهتمامًا خاصًا بدار الفتوى في بيروت، باعتبارها المرجعية الجامعة لكل المسلمين السنّة في لبنان، وتشجع على الالتفاف حولها بعيدًا عن الصراعات السياسية الضيقة. فالمملكة تدرك أن استقرار لبنان يبدأ من وحدة مكوّناته، وأن الطائفة السنّية المعتدلة تشكّل عنصر توازن ضروري في مواجهة التطرف والانقسام.

إن الدور السعودي يبقى أساسيًا في حماية التوازن اللبناني، وفي دعم أي مبادرة تصب في مصلحة الدولة ومؤسساتها. فالسعودية لا تبحث عن نفوذ بقدر ما تسعى إلى استقرار بلد عربي شقيق، له مكانة خاصة في وجدانها وتاريخه المشترك معها.

من الواضح أن المملكة العربية السعودية تتحرك اليوم في لبنان بدافع الحرص أكثر من الطموح، وبأسلوب يختلف عن المراحل السابقة، حيث يتركز الجهد على إعادة بناء الثقة داخل الطائفة السنّية ومن ثم داخل الدولة اللبنانية ككل. هذه المقاربة الهادئة والعقلانية قد تكون الفرصة الأخيرة لإنقاذ التوازن السياسي في لبنان، شرط أن تجد تجاوبًا حقيقيًا من الداخل اللبناني، بعيدًا عن الحسابات الضيقة. فالمملكة تفتح الباب، لكن مسؤولية العبور تبقى على اللبنانيين أنفسهم.

00:04 | 24-10-2025

الأحزاب اللبنانية بين الأزمة والإصلاح..!

تُسجل الأحزاب في لبنان تحت إطار «الجمعيات»، وليس بموجب قانون خاص بالأحزاب، حيث يُطبق عليها قانون الجمعيات العثماني الصادر عام 1909. ينظم هذا القانون تأسيس الجمعيات، بما في ذلك الأحزاب السياسية، ويشترط على هذه الكيانات تقديم «العلم والخبر» للحكومة، مما يعني إعلامها بتأسيسها. إلا أن هذا القانون لا يمنح تراخيص بمفهومها الحديث، مما يضع الأحزاب في وضع قانوني غير واضح.

تعتبر معظم الأحزاب اللبنانية مسجلة كجمعيات سياسية وفقًا لهذا القانون القديم، مما يخلق حالة من الغموض القانوني ويعوق تطوّر العمل السياسي. فالقانون لا يتماشى مع التشريعات الحديثة التي تتطلب الشفافية المالية ومصادر التمويل. بالإضافة إلى ذلك، تنشط العديد من الأحزاب دون وجود أوراق رسمية معروفة، مما يعرضها لاحتمالية اعتبارها جمعيات سرية إذا لم تلتزم بالتسجيل والإفصاح الدوري عن الموازنة وأسماء الأعضاء.

مرّ لبنان بتجارب مريرة من الحروب الأهلية التي مزّقت نسيجه الوطني وألحقت به أضرارًا كبيرة على مستويي المجتمع والدولة. خلال هذه النزاعات، لعبت الأحزاب السياسية الفاعلة دورًا مركزيًا، حيث كانت جزءًا من الأزمة بدلاً من أن تكون جزءًا من الحل. بعد انتهاء هذه الحروب، تم التوصل إلى اتفاق الطائف في عام 1989، الذي كان يُفترض أن يمثل بداية حقيقية لإنهاء الصراعات الداخلية وتنظيم عملية حكم أكثر شفافية ونزاهة. لكن، وللأسف، لم تُنفذ بنود هذا الاتفاق بشكل كامل حتى اليوم بسبب تواطؤ الأحزاب السياسية التي ما زالت تضع مصالحها الحزبية فوق مصلحة الوطن.

تتشارك هذه الأحزاب في تقاسم السلطة، حيث تملك تأثيرًا مباشرًا على رئاسة الجمهورية والحكومة والمجلس النيابي. هذه السيطرة الحزبية المتبادلة أدّت إلى توزيع المناصب والقرارات بعيدًا عن مصالح الشعب، مما أعاق إجراء الإصلاحات الضرورية لإنقاذ لبنان من أزماته العميقة. إن استمرار هذه الأحزاب في حكم لبنان من خلال تقسيم المناصب وتحصيل المصالح الضيقة يمنع البلاد من تحقيق الاستقرار والتنمية.

تتداخل أدوار الأحزاب مع الدولة نفسها، حيث تتولى تقديم الخدمات الأساسية للمواطنين مثل التوظيف، والتعليم، والرعاية الصحية. هذا الوضع يجعل المواطن تحت رحمتها ويزيد من تبعيته لهذه الأحزاب، مما يعزز من نفوذها ويقوي سيطرتها. من خلال هذا الدور، تفرض الأحزاب نفسها وتوجه قرارات الدولة، وتقترح سياسات تخدم مصالحها، مما يعزز من وجودها على الساحة السياسية.

لذا، يُعتبر من الضروري أن تتخذ الدولة قرارًا جريئًا بحل هذه الأحزاب وإعادة تشكيلها، مع إقرار قانون جديد يحدد معايير واضحة للتمويل والشفافية والمساءلة. هذا القانون يجب أن يضمن أن تعمل الأحزاب بما يتماشى مع متطلبات العصر. إن إعادة بناء المشهد السياسي على أسس جديدة، تضمن مشاركة حقيقية للشعب وترسّخ دولة القانون والمؤسسات، هي خطوة حاسمة لا بد منها.

إن إعادة بناء نظام سياسي جديد ومعالمه واضحة تُعد السبيل الوحيد لإحياء الحياة السياسية وضمان مستقبل أفضل للبنان وشعبه، كما تمثّل خطوة أساسية لإنقاذ البلاد من أزمتها المستمرة.
00:03 | 3-10-2025

شيعة لبنان ليسوا «حزب وأمل» فقط..!

من الخطأ الوقوع في تبسيط مجتمع كامل عبر حصره في حزبين أو قائمتين سياسيتين فقط، كما هو الحال مع الطائفة الشيعية في لبنان التي يختزل كثيرون وجودها في حزب الله وحركة أمل.

في الحقيقة، هناك نسبة كبيرة من الشيعة تعبّر عن رفضها وتباعدها عن هذين الحزبين اللذين يسيطران على المشهد السياسي الشيعي منذ عقود. هذا الرفض لا يعني بالضرورة تقليلاً من دورهما أو تأثيرهما، لكن ما يؤكد وجود هذا الانقسام هو المشاركة المحدودة والانتقادات المتزايدة ضد هذه القوى، خصوصاً في الأحداث السياسية والاجتماعية الأخيرة.

أبرز دليل على ذلك كان في انتفاضة 17 تشرين الأول ٢٠١٩، حيث برزت خارطة جديدة لمطالب أهلية وشعبية كانت مناهضة للطريقة التقليدية في الحكم والسيطرة السياسية، وشهدنا مشاركة عدد كبير من الشباب والقطاعات الشيعية الذين عبّروا عن رفضهم للاحتكار السياسي والإقصاء الذي تفرضه هذه القوى. كما أن معدلات المشاركة في الانتخابات النيابية والبلدية التي حصلت مؤخرًا، لطالما كانت مؤشرًا واضحًا على حالة الاستياء وعدم الرضا، حيث اختار كثير من الشيعة عدم التصويت أو الانسحاب من العملية الانتخابية احتجاجًا على واقع الفساد والمحسوبية.

لا يمكن تجاهل الانتهاكات السياسية التي تعرّض لها معارضو الحزبين، والتي بلغت ذروتها في اغتيالات سياسية كان من أبرزها اغتيال الناشط لقمان سليم، الذي كان صوتًا معارضًا ومطالبًا بالشفافية والعدالة في لبنان. هذه الجرائم رسالة واضحة بأن الطريق نحو التغيير السياسي خارج سلطة هذه الحركات ليس سهلاً، وأن هناك محاولات ممنهجة لقمع أي صوت يخالف توجهات السلطة القائمة.

بالإضافة إلى ذلك، يُمنع أو يُعيق كثيرًا استعمال الميغا سنتر وآليات التصويت المتقدمة في الانتخابات البلدية والنيابية، ما يحد من شفافية ونزاهة العملية الانتخابية ويؤثرعلى تمثيل الكتل المعارضة. كما يتم عمدًا عدم إفساح المجال الكافي للمغتربين في الخارج للمشاركة بالتصويت في هذين الاستحقاقين.

من جهة أخرى، تشهد البيئة الشيعية هجرة واسعة النطاق، حيث غادر وهاجر العديد من أبناء الطائفة خلال السنوات الماضية بحثًا عن فرص عمل واستقرار أفضل في الخارج، بالإضافة إلى إحساسهم بالإحباط من الوضع القائم وعدم القدرة على التغيير ضمن النظام السياسي الحالي.

من الضروري أيضًا توضيح أن العقيدة الشيعية في لبنان ليست فارسية وليست مرتبطة إلحاقًا بأي هوية قومية أو ثقافية أخرى، بل هي جزء من الهوية الإسلامية اللبنانية العريقة. الشيعة اللبنانيون يجسّدون تقليدًا إسلاميًا أصيلاً يمتد عبر التاريخ، ويحتفظون بتنوعهم الثقافي والاجتماعي المحلي بعيدًا عن التعميمات التي تربطهم بثقافات أو أجندات خارجية بشكل مطلق.

الشيعة في لبنان هم أكثر من حزب الله وأمل فقط؛ توجد حركات مجتمع مدني وشخصيات سياسية مستقلة تنشط ضمن البيئة الشيعية، تستقطب اهتمام فئات واسعة من الطائفة.

في الختام، على الدولة اللبنانية أن تسعى لوضع قانون انتخابي عصري وشفّاف يضمن لكل اللبنانيين التعبير عن آرائهم بكل حرية ونزاهة، بعيدًا عن المحاصصة والاحتكار، ليس فقط داخل البيئة الشيعية، بل في كل الطوائف والمناطق، لكي يتحقق التمثيل الحقيقي ويُبنى لبنان على قواعد المشاركة الفعلية والمساواة السياسية.
00:02 | 12-09-2025