أخبار السعودية | صحيفة عكاظ - author

https://cdnx.premiumread.com/?url=https://www.okaz.com.sa/uploads/authors/1255.jpg&w=220&q=100&f=webp

خالد بن عبدالعزيز أبا الخيل

السعودية ليست وطناً نسكنه بل أمانة نُسأل عنها

يأتي يوم التأسيس لا ليوقظ في الذاكرة حدثاً تاريخياً فحسب، بل ليعيد تشكيل الوعي بمعنى الدولة، وبفكرة الاستقرار التي لم تكن في الجزيرة العربية أمراً بديهياً عبر التاريخ. فالتأسيس السعودي لم يكن نشوء كيانٍ سياسيٍ عابر، بل كان تحوّلاً في منطق المكان ذاته؛ انتقالاً من منطق التفرق إلى منطق الدولة، ومن هشاشة الاجتماع إلى رسوخ النظام.


في هذا اليوم، لا نستحضر الماضي بوصفه زمناً منقضياً، بل بوصفه لحظةً مؤسسةً لمعنى الاستمرار. فالدول العظيمة لا تُقاس ببداياتها فقط، بل بقدرتها على البقاء، وعلى إعادة إنتاج ذاتها عبر التحولات، وعلى حماية فكرتها المركزية: فكرة الاستقرار.


لقد كان التأسيس السعودي فعلاً تاريخياً نادراً في بيئةٍ اعتادت الاضطراب، إذ أُعيد تعريف العلاقة بين الإنسان والمكان، وبين السلطة والمجتمع، وبين الأمن والحياة اليومية. لم يكن الأمر مجرد قيام حكم، بل قيام نسقٍ جديدٍ للحياة، تُصبح فيه الدولة إطاراً جامعاً، لا حدثاً طارئاً.


السعودية، منذ لحظة تأسيسها، لم تكن مشروع لحظة، بل مشروع زمن. ولهذا بقيت، بينما تبدلت حولها خرائط، وسقطت كيانات، وتغيرت معادلات. سرّ هذا البقاء لا يكمن في القوة وحدها، بل في الفكرة التي قامت عليها: فكرة الدولة بوصفها ضرورة وجودية لا ترفاً سياسياً.


ومن هنا يتجاوز يوم التأسيس حدود الاحتفاء الرمزي إلى مساحةٍ أعمق من التأمل والمسؤولية. فالوطن ليس جغرافيا تُسكن، بل معنى يُحمل. والدولة ليست مؤسسةً خارج الإنسان، بل امتدادٌ لوعيه وسلوكه وانتمائه.


السعودية ليست مكاناً نعيش فيه فقط، بل أمانة نعيش لها. أمانة الاستقرار، وأمانة الوحدة، وأمانة التاريخ الممتد الذي لم يُكتب بسهولة. فكل دولةٍ باقيةٍ تحمل في داخلها تضحياتٍ صامتة، وجهوداً متراكمة، ووعياً جماعياً أدرك مبكراً أن الفوضى ليست خياراً قابلاً للحياة.


ويظل البعد الأعمق في قصة التأسيس السعودية ماثلاً في الأساس الذي قامت عليه هذه البلاد: عقيدة التوحيد. فهي لم تكن مجرد مرجعية دينية، بل كانت الإطار الجامع الذي أعاد صياغة الاجتماع، ووحّد الاتجاه، وصنع وحدة المعنى قبل وحدة الجغرافيا. لقد كانت عقيدة التوحيد هي سر الاجتماع، ومنبع الوحدة، وأصل القوة التي منحت هذا الكيان رسوخه واستقراره واستمراره.


يوم التأسيس يذكّرنا بأن الدولة التي نراها اليوم لم تكن نتيجة ظرفٍ عابر، بل نتيجة إرادةٍ تاريخيةٍ طويلةٍ اختارت البناء حيث كان الانقسام ممكناً، واختارت النظام حيث كانت الفوضى أقرب، واختارت الاستمرار حيث كان الزوال مصيراً مألوفاً لكثيرٍ من الكيانات.


في هذا اليوم، يتجدد الإدراك بأن الانتماء ليس شعوراً عاطفياً مؤقتاً، بل وعيٌ دائمٌ بمعنى الوطن. وأن الحفاظ على الدولة ليس خطاباً احتفالياً، بل سلوكاً يومياً، ومسؤوليةً أخلاقيةً وفكريةً تتجاوز اللحظة.


السعودية ليست وطناً نسكن إليه...


بل أمانة نُسأل عنها، وتاريخ نُسأل عن الوفاء له، ومستقبل نُسأل عن الإسهام في صناعته.


Khaled4321@gmail.com

00:25 | 20-02-2026

أثر رؤية 2030 على الهوية المجتمعية السعودية..

تحولات الفكر والهوية والتنمية ونهاية الوصايات لم تكن رؤية المملكة العربية السعودية 2030 مجرد برنامج تنموي أو وثيقة تخطيط اقتصادي، بل مثلت تحولاً بنيوياً في طريقة نظر الدولة إلى المجتمع، وفي طريقة نظر المجتمع إلى ذاته وإلى مستقبله. اشتغلت الرؤية في العمق لا على السطح، فأعادت ترتيب العلاقة بين الفرد والدولة، وبين الهوية الوطنية وبقية الهويات الفرعية، وبين الدين بوصفه قيمة حضارية جامعة، والتدين المؤدلج بوصفه أداة وصاية وانقسام. ولذلك فإن ما تغير بعد الرؤية لا يمكن اختزاله في مشاريع أو أرقام، بل في نمط التفكير، وشكل الوعي، وحدود الانتماء، ومجال الممكن الوطني. على المستوى الفكري، أسهمت الرؤية في تفكيك منظومة الوصايات التي تراكمت على المجتمع لعقود. وهي وصايات لم تكن قانونية ولا مؤسسية، بل رمزية ومعنوية، تمارس باسم الدين أو الأخلاق أو المحافظة، وتحتكر حق تعريف الصواب والخطأ، والانتماء والضلال. ومع انطلاق الرؤية، انتقلت الدولة من موقع التعايش مع هذه الوصايات إلى موقع المبادِرة بإعادة تعريف المجال العام، مؤكدة أن المرجعية الوحيدة المنظمة لحياة الناس هي الشريعة السمحة ثم الدولة بقوانينها ومؤسساتها وخياراتها الوطنية. .هذا التحول حرر الفرد، ولا سيما الشباب، من ازدواجية قاتلة كانت تحكم وعيه: دولة رسمية، وسلطة موازية غير معلنة. ومع زوال هذه الازدواجية، استعاد الشاب وعيه الواضح: لا وصاية عليه إلا وصاية الدولة، ولا مرجعية عملية إلا الدستور والنظام العام، ولا معيار للالتزام إلا المواطنة. وبهذا الانعتاق خرج الإبداع من الهامش، وتراجع الخوف من التجريب، وبدأت الطاقات المكبوتة في الظهور في الثقافة وريادة الأعمال والبحث العلمي والعمل التطوعي. وعلى المستوى الوطني، أعادت الرؤية الاعتبار الصريح لمفهوم الدولة الوطنية بوصفها الإطار الأعلى والنهائي للانتماء. لم تعد الدولة كياناً إدارياً فحسب، بل صارت مشروع معنى ومركز هوية ومرجعية ولاء. وشطبت الرؤية المنطقة الرمادية التي كانت تسمح بالوقوف بين الدولة وخصومها، أو الادعاء بالحياد بين المشروع الوطني ومشاريع عابرة للحدود. أصبحت المعادلة واضحة: إما أن تكون مع الدولة أو أن تكون مع غيرها. وهذا الوضوح لم يكن إقصائياً، بل كاشفاً، أنهى زمن الالتباس وفضح خطابيات التستر خلف عناوين عامة لا تعترف بالدولة إلا عند الحاجة. وعلى المستوى التنموي، لم تفصل الرؤية بين التنمية المادية والتنمية الفكرية، بل انطلقت من إدراك أن الاستثمار الحقيقي يبدأ من الإنسان. لذلك تزامن إطلاق المشاريع الكبرى مع تحديث التشريعات، وتمكين المرأة، وفتح مجالات العمل، وإعادة تعريف مفهوم العمل ذاته. ولم يكن هذا التمكين استجابة لضغوط خارجية، بل خياراً داخلياً يرى أن المجتمع لا يمكن أن يتقدم بنصف طاقته، ولا أن ينافس عالمياً بعقل محاصر أو بوعي خائف.


وفي هذا السياق، تلاشت حواضن التطرف تلاشياً شبه كامل. لم يعد الخطاب المتطرف يجد بيئة حاضنة، ولا مساحات عامة يتكئ عليها، وصار حالة نشاز معزولة. ولم يكن ذلك نتاج الإجراءات الأمنية وحدها، بل نتيجة تغير عميق في المزاج العام، حيث لم يعد يرى بعض أفراد المجتمع في التطرف بطولة، ولا في الصدام مع الدولة معنى أخلاقياً.


لقد أعادت الرؤية تعريف التدين بوصفه قيمة شخصية وأخلاقية، لا أداة صراع سياسي، وفصلت بين الدين كمرجعية روحية جامعة، والتوظيف الأيديولوجي الذي مزق المجتمعات باسم المقدس. وبهذا الفصل استعاد المجتمع توازنه، وتحرر الدين من الاحتكار، وتحرر الناس من الابتزاز المعنوي. في المحصلة، يمكن القول إن رؤية 2030 لم تغير وجه السعودية فحسب، بل أعادت بناء علاقتها بنفسها؛ نقلتها من مجتمع تشتغل فيه الوصايات غير المرئية إلى مجتمع تحكمه الدولة بمؤسساتها، ومن هوية فضفاضة إلى هوية وطنية جامعة، ومن بيئة قابلة للاختراق الفكري إلى فضاء صلب لا يحتضن التطرف ولا يصغي له. وهو تحول تأسيسي يرسم ملامح دولة تعرف ما تريد، ومجتمع يعرف أين يقف وإلى أين يتجه.


@AKdupj

00:02 | 15-02-2026

وصلنا ونحن نظن أننا نقترب أكثر.. !

ما أربكني في الخمسين ليس الرقم ذاته، بل الاكتشاف المتأخر أنني عشت سنوات طويلة وأنا أظن أن الحياة لم تبدأ بعد. كنت أؤجل الفرح والجرأة والاختيار، مرة باسم الحكمة، ومرة باسم الظروف، حتى وجدتني فجأة في منتصف الطريق، بلا مقدمات ولا إنذارات. كأن الزمن مر صامتاً لا يطرق باباً، ولا يوقظ أحداً. لم تكن هناك إشارات جسدية واضحة تبرر هذا الوصول، ولا حكمة مكتملة كما وعدونا. كان هناك فقط شعور داخلي غامض: دهشة ممزوجة بالارتباك. أين ذهبت المسافة الطويلة بين البدايات وهذا الموضع؟ متى تحول لاحقاً إلى الآن؟. وأنا أتأمل هذا العمر من شرفته، لم يلفتني ما فقدته من قوة، ولا ما كسبته من معرفة، بل كثرة الذين تركتهم خلفي، وقلة الذين أراهم أمامي. في الخلف وجوه كثيرة: أصدقاء طريق، رفقاء مرحلة، أحلام مشتركة تفرقت بلا خصومة. وفي الأمام عدد قليل جداً، لكنه حقيقي. تعلمت متأخراً أن كثرة الناس ليست ثراءً، وأن القلة الصادقة وحدها هي الرصيد الذي لا يفقد قيمته مع الزمن. مضى العمر سريعاً؛ لأنه كان متنوعاً: بين تجربة خائبة ومغامرة ناجحة، بين قرار نادم وآخر منقذ. وأكثر ما آلمني لم يكن الفشل، بل ما لم أحاوله أصلاً. استنزفت كثيراً من عمري بالخوف من أشياء لم تقع، وبالتحفظ أمام فرص كانت تستحق المجازفة. ومع هذا الوعي، تكشفت حقيقة أشد قسوة: أكثر ما يجلب التعاسة ليس الخسارة، بل الارتهان لأحلام لا تشبهنا. أحلام بعيدة تستنزفنا بصمت، وتسرق متعة الحاضر، وتغرس فينا شعوراً دائماً بالنقص، كأننا لم نكن على الكفاية دوماً. فكرة الموت، على عكس ما كنت أظن، لم تجعل الحياة أكثر بؤساً، بل أكثر معنى. حين تدرك أن الوقت ليس مفتوحاً، يصبح الفعل ضرورة أخلاقية، لا ترفاً، وتتوقف تلقائياً عن استنزاف روحك في التفاصيل الصغيرة والخصومات الهشة. في الخمسين، تكتشف أن الحياة في غاية الغرور والهوان معاً. تغرك حين تتسع أمامك، وتهينك حين تتضاءل فجأة وهي بين يديك. كلما كبرت الدنيا في عيوننا، كبرت حسراتنا؛ لأن التوقعات العالية تصنع خيبات عالية. وكلما صغرت الدنيا في نظرك، خف وزنك الداخلي -فكان الارتطام أقل وقعاً-، وخف ألمك؛ لأنه ليس هناك ما يستحق كل هذا الألم، ليست المشكلة في ما نعيشه، بل في الصورة التي نرسمها لما يجب أن نعيشه. على هذه الضفة من العمر، لا أكتب ندماً ولا حزناً، بل وعياً، لأقول إن العمر لا يقاس بما مضى فقط، بل بما تبقى، وبالطريقة التي سنعيش بها ما تبقى. ليست هذه نهاية، لكنها يقظة متأخرة. وما دام في العمر بقية، فهو لا يزال يستحق أن يعاش بصدق وامتلاء، وقبل أن نصل مرة أخرى، إلى ضفة أخرى، وبلا أي فرصة للعودة.

00:03 | 3-02-2026

من يطفئ الأزمات ومن يعيش عليها: التجربة السعودية في مواجهة خطاب التطرف..

لم يعد التطرف خطاباً هامشياً أو ظاهرة طارئة يمكن احتواؤها بإجراءات أمنية عابرة، بل غدا بنية فكرية عابرة للحدود، قادرة على إعادة إنتاج نفسها عبر أدوات رقمية مرنة، وسرديات عاطفية مكثفة، وتأويلات انتقائية للنصوص الدينية، وتتضاعف خطورته حين لا يعمل بوصفه انحرافاً فكرياً معزولاً، بل حين يعاد إدراجه ضمن صراعات إقليمية، ويستثمر كأداة نفوذ سياسي، عبر تغذية الانقسامات، وإدامة النزاعات، وإضعاف الدول الوطنية، بما يجعل العنف -عند سدنته- مبرراً، والصراع مؤدلجاً، والاختلاف مجالاً للإقصاء لا للتعدد، في سياق يهدد السلم الدولي والاستقرار الإقليمي.

في هذا المشهد المركب، برز الدور السعودي بوصفه تجربة مختلفة في مقاربة خطاب التطرف؛ تجربة لا تختزل المواجهة في بعدها الأمني، ولا تتعامل مع الظاهرة باعتبارها خللاً طارئاً، بل تنظر إليها بوصفها إشكالاً معرفياً وبنيوياً، يتغذى -في بعض سياقاته- على سياسات إقليمية انتهازية ترى في الصراع مورداً دائماً، وفي الانقسام أداة إدارة، وفي النزاع حالة قابلة للاستثمار لا أزمة تستوجب الحل. ومن ثم سعت المقاربة السعودية إلى تفكيك المرجعيات التي يقوم عليها الخطاب المتطرف، وإعادة بناء العلاقة بين الدين والواقع، وبين النص وسياقه، وبين الهوية ووظيفتها الحضارية، بعيداً عن منطق التسييس والصراع الصفري.

تنطلق هذه المقاربة من مرجعية دينية واضحة، تقوم على الفهم المقاصدي للنصوص الشرعية، واحترام النسق العلمي في الاستدلال، ورفض القراءة التجزيئية التي تفصل الجزئي عن الكلي، والوسيلة عن الغاية. فالتطرف -في جوهره- لا يمثل تعبيراً عن التزام ديني عميق، بقدر ما هو نتيجة لانحراف في الفهم، وسوء في التنزيل، وتوظيف أيديولوجي للنصوص خارج أطرها العلمية المنضبطة. ويزداد هذا التوظيف خطورة حين يجد بيئات سياسية حاضنة، أو دعماً غير مباشر من قوى إقليمية ترى في اضطراب المجتمعات، وانقسامها، وإضعاف دولها الوطنية مدخلاً لتعظيم نفوذها وتحقيق مصالحها البراغماتية، كما يحصل في اليمن اليوم، وفي مقابل هذا المسار، جاء التركيز السعودي على ضبط المجال الديني، وإعادة الاعتبار للعلماء الراسخين، ومحاصرة الفوضى الخطابية التي ربما تشكل بيئة خصبة لتمدد الخطاب المتطرف، سواء عبر المنابر التقليدية أو المنصات الرقمية، انطلاقاً من تصور يجعل الاجتماع قيمة عليا، والوحدة مقصداً ثابتاً، وإطفاء النزاعات مسؤولية أخلاقية وسياسية.

وقد تميزت التجربة السعودية بانتقالها المبكر من منطق «الاستجابة» إلى منطق «الهندسة الفكرية»، أي بناء منظومة مؤسسية تتعامل مع التطرف بوصفه ظاهرة مركبة متعددة المستويات، تتداخل فيها الأبعاد الدينية والسياسية والإقليمية. فلم تعد المواجهة محصورة في الردع أو المعالجة الأمنية المباشرة، بل شملت تحليل الخطاب المتطرف، وفهم بنيته اللغوية والرمزية، وتفكيك سردياته المركزية، وكشف علاقته ببيئات صراع مدارة، وبشبكات دعم تستفيد من إبقاء الأزمات في حالة سيولة دائمة. وفي هذا الإطار -وعلى سبيل المثال- مثلت برامج الإصلاح وإعادة التأهيل -في رئاسة أمن الدولة- نموذجاً تطبيقياً متقدماً، حيث جرى التعامل مع المتأثرين بالفكر المتطرف باعتبارهم حالات فكرية قابلة للمراجعة والتصحيح، لا مجرد ملفات أمنية مغلقة.

ولم يقتصر هذا الجهد على المجال الداخلي، بل امتد إلى الفضاء الدولي، حيث اضطلعت المملكة بدور فاعل في إعادة تشكيل السردية العالمية حول التطرف، عبر التأكيد المستمر على التمييز المفاهيمي بين الإسلام بوصفه ديناً ذا منظومة أخلاقية وإنسانية فذة، والتطرف بوصفه أيديولوجيا منحرفة، كثيراً ما تستثمر في صراعات النفوذ وتغذى ضمن حسابات إقليمية قصيرة النظر. وقد برز هذا الدور بوضوح في مشاركات المملكة داخل الأمم المتحدة، وفي المؤتمرات الدولية المعنية بمكافحة الإرهاب، حيث جرى التنبيه إلى خطورة تجاهل الأدوار غير المباشرة لبعض الدول في تغذية التطرف عبر إذكاء الانقسامات وإدامة النزاعات، بما يسهم في إعادة إنتاج التطرف بدل محاصرته.

كما مثل تأسيس التحالف الإسلامي العسكري لمحاربة الإرهاب نقلة نوعية في التعامل مع الظاهرة، إذ عكس قناعة استراتيجية مفادها أن مواجهة التطرف لا يمكن أن تدار بمعزل عن فهم السياقات الإقليمية التي يستثمر فيها، وأن تفكيك الخطاب المتطرف من الداخل، وتجفيف بيئاته الحاضنة، أكثر فاعلية من استيراد نماذج جاهزة لا تراعي الخصوصيات الحضارية والمعرفية، ولا تكشف البعد السياسي الكامن خلف كثير من مظاهره.

وعلى مستوى أعمق، تعاملت المملكة مع التعليم والثقافة بوصفهما خط الدفاع الأول في تحصين الوعي الجمعي، في مواجهة خطابات تسعى إلى تمزيق المجتمعات من الداخل عبر استدعاء الهويات الصراعية. وقد تجسد ذلك في مراجعة المناهج التعليمية، وتعزيز قيم التفكير النقدي، والانتماء الوطني، واحترام التعدد، بما يقلل من قابلية الأجيال الجديدة للانجذاب إلى سرديات تقوم على التبسيط الحاد للواقع، وتقسيم العالم إلى ثنائيات صراعية مغلقة تخدم أجندات خارجية. كما أسهمت المبادرات الثقافية والحوارية في إعادة تعريف العلاقة مع العالم، على أساس الانفتاح الواعي لا الذوبان، والاعتزاز بالهوية دون تحويلها إلى أداة صدام.

ويأتي هذا كله ضمن الإطار الأشمل لرؤية المملكة 2030، التي أعادت صياغة مفهوم الاعتدال بوصفه خياراً استراتيجياً طويل المدى، لا موقفاً ظرفياً أو استجابة ضاغطة. فالرؤية تنظر إلى التطرف باعتباره عائقاً بنيوياً أمام التنمية المستدامة، والاستقرار الاجتماعي، وجودة الحياة، وتربط بين الأمن الفكري والنهضة الحضارية في علاقة تلازم لا انفصال، في مواجهة مشاريع فوضوية مقنعة تتغذى على الأزمات وتعيش عليها.

وتكشف هذه التجربة، في مجموعها، عن نموذج متقدم في الانتقال من المواجهة الانفعالية إلى الاشتغال العميق على مستوى المعنى؛ تجربة تستند إلى مرجعية دينية منضبطة، وبنية مؤسسية فاعلة، ورؤية استراتيجية بعيدة المدى، وتضع في اعتبارها أن التطرف لا ينمو في الفراغ، بل يزدهر حين تتلاقى الانتهازية السياسية مع هشاشة الوعي. وفي عالم تتغير فيه أشكال التطرف باستمرار، تظل المقاربة السعودية نموذجاً يجعل من الاجتماع أصلاً، ومن الوحدة مقصداً، ومن إطفاء النزاعات خياراً ثابتاً، ويسهم بفاعلية في بناء استجابة عالمية أكثر عقلانية وتوازناً.

00:00 | 11-01-2026

العدل في السعودية.. قيمة مطلقة

قبل سنوات كُلفت من قبل إحدى الجامعات بالإشراف على طالبة ماجستير من طالبات المنح الدوليين، وفجأة انقطعت الطالبة عن العمل فأرسلت إليها على الإيميل مستفسراً عن سبب هذا الانقطاع والوقت المخصص لإنجاز الرسالة قارب على الانتهاء؟ فأفادت بأن أخاها الأكبر مفقود من شهور وهي وأهلها لا يعرفون عنه شيئاً! المهم بعد مدة ليست باليسيرة تواصلت الطالبة معي وأخبرتني بأنها ستعود للعمل وأنهم علموا بوجود أخيهم على قيد الحياة، ثم أردفت: بأنهم اكتشفوا وجوده في سجون تلك الدولة بطريقة لا تخطر على بال، فدعاني الفضول إلى سؤالها، فقالت: كانت أمي تسكن معي في هذا البلد، وكانت تحضّر للماجستير فلما حان موعد المناقشة سافرت أمي لإجراء المناقشة، وبعد أن بدأت اللجنة في عملها لاحظت أمي أن الوجوه متجهّمة واللغة التي تخاطب بها في غاية الخشونة، وفي نهاية المناقشة تم إعلان النتيجة بحرمانها من الدرجة وشطب الرسالة! في تلك اللحظة نزلت أمي من المنصة وسجدت لله شكراً وبكت من الفرح لأنها عرفت أن ولدها ما زال على قيد الحياة، وأن حرمانها من الدرجة كان عقوبة لها على فعل ولدها! وبالفعل كان ذلك حيث تتبعوا أمره ووجدوه مسجوناً في قضية تتعلق بأمن الدولة!

هذه الصورة الحالكة السواد يقابلها في وطني صورة ناصعة البياض: كان زميلي في الجامعة يشارك في لجان الإصلاح التابع لرئاسة أمن الدولة ويزاول مهنته بكل حرية داخل السجن، وفي ذات الوقت يذهب بعد انتهاء نوبته ليدخل من باب الزائرين فيزور أخاه الموقوف على ذمة قضية تتعلق بأمن الدولة، وهي قضية من العيار الثقيل! ومثلها صور كثيرة تكشف حجم قيمة العدل ومركزيته في وطني، وآخرها قبل أيام حينما أقامت إدارة السجن في منطقة القصيم حفل تخريج الدفعة الأولى من طلاب برامج الماجستير في الدراسات العليا في الجامعة (جامعة القصيم) في حفل أخوي بهيج، من يشاهده لا يكاد يفرق بين جندي ونزيل من متانة الأواصر بينهما!

إن العدل حينما يكون نهجاً راسخاً للدولة وقيمة مطلقة في كل تصرفاتها وتدبيراتها لا تسل حينها عن قوة الدولة ورسوخها، لأن الجميع سيشعر أن بقاء هذا الكيان/الدولة هو بقاء لأمنه ومستقبله ومستقبل أولاده من بعده، وبالتالي فكل واحد سيبذل الغالي والنفيس في حماية هذه الدولة والذب عن قيادتها، كما هو الحال في وطني ولله الحمد والمنة.

وفي ذات الوقت حينما يغيب العدل في أي دولة بغياب النظام الذي يكفل تحقيقه والمنظومة التي تتأكد من تطبيقه وترسيخه سيشعر الجميع أنهم مستهدفون في أي لحظة، وأن من خارج السجن من الناس يمكن -في أي ساعة من ليل أو نهار- أن يكونوا داخله بحسب مزاج المسؤول ورجل الأمن، حينها يسود الجميع حالة من الانتقام والتشفّي من الدولة ورجالها، وتكون مجالس الناس فيما بينهم مادة للسخط والتعبئة انتظاراً لضعف قبضة الدولة وهشاشة أجهزتها، وهذه لحظة تاريخية لابد أن تحين ما دام العدل غائباً والظلم فاشياً، إذ هي سنّة لا تتخلّف وقانون لا يتحول «وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَٰكِن كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ»، والعدل بين الناس هو من أعظم أمارات التقوى وظلمهم والبغي عليهم هو عنوان التكذيب والجحود. ولهذا يشتغل المارقون المستأجرون على إفساد أمزجة الناس وتصوراتهم تجاه الدولة، فيعملون بكل وسيلة ممكنة في توظيف اللقطات والصور والتصريحات والأخطاء لصناعة السخط في عيون الشباب وفي قلوبهم ابتغاء للحظة المنشودة. إن قيمة العدل في أي دولة لا يحكم بوجوده أو نفيه من خلال تصرف أو موقف أو حالة، بل معياره ثابت في الشريعة ومؤشراته بينة واضحة، وهي تحقق الضرورات الخمس، فإذا كانت محفوظة ومصونة -في أي بلد- فهذا هو العدل بعينه وإذا كانت مهدرة مسلوبة فهو الظلم بعينه، ونحن بحمد الله في هذا الوطن الشامخ حفظت لنا قيادتنا هذه الضرورات وعظمتها وسنت التدابير والأنظمة التي تحمي كل ضرورة وتعلي من شأنها، فالدين معظّم والعقل مصان والنفس معصومة والمال محفوظ والعرض محمي. فلله الحمد أولاً وآخراً على وطن يفيض بالعدل والرحمة، وعلى قيادة رشيدة ترجو الله والدار الآخرة.

00:07 | 1-12-2025

نعم السعودية لا تكون معكم.. ولا وإياكم !

في مقطع من محاضرة ألقاها الإخواني المعروف عبد المنعم العزي والملقب بأحمد محمد الراشد صرّح بقوله: «السعودية أبد الآبدين لا تكون معنا، لازم نفهم هذا» وأنه «لن تكون السعودية معنا أبداً» وأنهم «ما يصيرون وإيانا»، وكان ذلك في سياق حديثه عن قضية فلسطين، ثم ساق – مدللاً على أن السعودية لا تكون معهم – وثيقة مزورة يقول إنه أخرجها المندوب البريطاني، وفيها أن الملك عبد العزيز رحمه الله صرح بأنه مع حقوق «اليهود المساكين» في إقامة دولتهم على تراب فلسطين، وأنه على هذا العهد حتى «تصيح الساعة» ! ثم قال متهكماً بالملك عبد العزيز – رحمه الله - وأنه عبّر بقوله (تصيح) بدلاً من (تقوم) جرياً على اللهجة البدوية، وهذا مما يؤكد بزعمه صحة الوثيقة ! وقبل أن أعلق على هذا الكلام ألفت النظر إلى أن محمد أحمد الراشد هو إخواني عراقي توفي قبل شهور معدودة ألّف أهم وأخطر كتب الفكر الحركي، وهي: «الرقائق» و«العوائق» و«المنطلق»، و«المسار»، وهي - في تقديري - أخطر من كتب سيد قطب، من جهة حجم التقية الحركية فيها؛ لأن سيد كان واضحاً في أفكاره من جهة تكفيره للدول والأنظمة والمجتمعات، إذ لا يماري أحد قرأ كتبه أن يشك بأن سيد مكفر من الطراز الأول، لكنه كان يمرر أفكاره الخشنة باللغة الأدبية الناعمة. أما محمد أحمد الراشد فلا تكاد تراه يصرح بالتكفير في كتبه التي أشرت إليها لكنها في الأخير تؤسس لشاب ينتمي للحركة، ولا ينتمي للدولة بحال، ولهذا فهو يسمي الشباب الذين يخاطبهم في كتبه بأبناء الحركة الإسلامية ! وهذا التأسيس الحركي تجعل الشاب يستقبل أي فكرة متطرفة ضد الدولة الحديثة من التكفير والتخوين بل وتمهد إلى العنف ضد الدولة تحت مسمى «الجهاد في سبيل الله»، وفي المقابل تجعله يتوجس من أي فكرة تصدر من الدولة، والسبب في ذلك أن العزي في عامة كتبه ينفي وجود دولة قائمة بالإسلام ويقول بالحرف الواحد في «العوائق ص 308» وجيل المسلمين الحاضر يعيش فترة تراجع شديد بانقضاء عمر الدولة العثمانية، تولد عنه فراغ، بانتظار قيام دولة جديدة تمثل الإسلام، لا بد أنها آتية إن شاء الله «وهذا هو سر الخطورة، إذ لا يمكن لشاب قرأ هذا الكلام وآمن به أن يعيش في كنف الدولة الحديثة، بل سيبقى في غربة مستمرة بانتظار حلم الخلافة الذي يدغدغ به العزي وأصحابه أحلامهم ! وفي مقطع الفيديو الذي أشرت إليه تحدث العزي عن مباينة السعودية لهم، يعني الإخوان المسلمين، وأن ذلك لم يكن أمراً جديداً، بل من عهد الملك عبد العزيز رحمه الله، وأن هذه الوثيقة تثبت خيانة الدولة السعودية للقضية الفلسطينية، ووصف العزي الأسرة المالكة بكل نقيصة معتمداً على هذه الوثيقة، والحقيقة التي لا ينقضي منها العجب أن بائعي الإفك من العزي وأمثاله لا يخجلون – حتى من أتباعهم- من ترويج إفكهم بهذا الغباء المستحكم، فقد جمعوا بين الغباء والحقد، وهي خلطة تودي بصاحبها إلى الدرك الأسفل من البذاءة والانحطاط، فكيف لرجل مثل العزي يصدّر نفسه على أنه الرمز العلمي لكل أبناء ما يسمونهم بالحركة (الإسلامية) ثم يتفوه بمثل هذا الجهل وهذه البذاءة دون حياء من الله أو خجل من الناس ؟ ثم - وهذا الأمر الأعجب: لماذا صمت أولئك الذين يتظاهرون بالاعتدال والوسطية عن هذا التجني وهذا الإفك ؟ لقد كان هذا التجني فرصة لهم ليثبتوا لنا كسعوديين حسن نيتهم، أو تحولهم واعتدالهم عبر نقد هذا الإفك ورد هذا الزور لكنهم لم يفعلوا ذلك، وأنى لهم أن يفعلوه؛ لأن الحركي – ببساطة - لا يترك أخلاقه! وقد تتبعت موقع هذا العزي بين أتباعه فوجدتهم لا يكادون ينفكون عن الاستشهاد بتنظيراته وكلامه وتحليله، بل إن د. طارق السويدان عندما أبّنه بعد وفاته قال عنه بالحرف الواحد: «شيخي وأستاذي وقدوتي الذي رباني وعلمني» وأنه «ألّف أعظم وأعمق كتابات في الفكر الحركي الإسلامي» ثم أوصى الشباب بقراءة كتبه. ومع ذلك لم ينبس د. طارق ببنت شفه في رد هذا الإفك والعدوان؟!

أما الوثيقة المذكورة فهي باطلة سنداً ومتناً، أما سندها فلم تكن هذه الوثيقة موجودة تاريخياً ولم يذكرها أحد، ولم تظهر إلا في السنوات المتأخرة، أما متنها فهو متن منكر لا يماري مؤرخ منصف في ردها وتوهينها، ويكفي أن يعلم القارئ أن اجتماع العقير المنعقد بتاريخ 1922م، والذي أشارت إليه هذه الوثيقة فقد كان موضوعه - تاريخياً - ترسيم الحدود بين العراق والسعودية، وكان ذلك بحضور السير بيرسي كوكس والميجور مور المعتمد السياسي البريطاني ووزير المواصلات العراقي صبيح بك والذي كان فيما بعد ممثلاً للعراق، والملك عبد العزيز بوصفه سلطاناً لنجد وملحقاتها، واستمرت الاجتماعات خمسة أيام، وانتهت بترسيم الحدود بين البلدين، هذا كان موضوعها، ولا علاقة لها بموضوع فلسطين، ثم إن خطابات الملك عبد العزيز للرئيس الأمريكي روزفلت – في عام 1945 - كانت – كما يقول المؤرخ الصديق الدكتور خليفة المسعود- صريحة وقوية بمعارضة حق اليهود في فلسطين وتهجير الفلسطينيين وكانت لغة الخطابات في غاية القوة والصرامة ولم يعترض عليه أحد بأنه وافق من قبل في حق اليهود في فلسطين! ثم كيف يمنح الملك عبد العزيز فلسطين لليهود وهي في الأصل كانت تحت الانتداب البريطاني وقتها؟! فلا يحتاج البريطانيون إلى اعتراف الملك رحمه الله ليمنحوا فلسطين لليهود ! ومما يؤكد وهاء هذه الوثيقة أن رحلات الاستيطان لفلسطين من قبل اليهود كانت قبل اجتماع العقير المشار إليه بأكثر من ثمانين سنة! وقبل ولادة الملك عبد العزيز بخمس وعشرين سنة! إذ إنه بدأت الهجرات اليهودية إلى فلسطين عام 1840 واستمرت حتى 1881م، وكانت الدولة العثمانية لا تمانع أبداً من قدوم اليهود وتعتبر وجودهم مفيداً للأوضاع الاقتصادية من جهة استثمار الأراضي الزراعية وتنشيط الحركة الاقتصادية ! وعلى هذا فكلام السير بيرسي كوكس عن استجداء الملك عبد العزيز ليعترف بحق اليهود لا معنى له وهم قد استوطنوا قبل هذا الاجتماع كل هذه المدة الطويلة ! هذه الملاحظات الموضوعية على الوثيقة كافية -في تقديري- لبيان زيفها فضلاً عن وجود الكثير من الملاحظات الفنية التي تؤكد أنها وثيقة مخترعة من جهة نوع الختم واختلافه عن الختم المعروف للملك، وكذلك عدم وجود تاريخ على الوثيقة واختلاف رسم الكلمات في الوثيقة عن المعهود في خطابات الملك رحمه الله. وليس القصد من هذه المقالة نقض هذه الوثيقة فحسب إذ هي من الوهاء والضعف ما يمكن معه لأي منصف أن يكتشف أنها وثقة مزيفة، إنما المقصود -أيضاً -الإشارة إلى خطورة البراجماتية الحركية التي تتدثر بعباءة الدين وتتحدث باسم الشريعة! وكيف سمحوا لأنفسهم باقتراف كل هذه الكبائر المعرفية والخطايا التاريخية في سبيل ترويج أفكارهم ونشر أباطيلهم؟!، غير أنهم يراهنون في ذلك على تدني وعي أتباعهم وانقيادهم الأعمى إليهم دون وبصيرة، وإلا كيف لمثل شخص بحجم العزي (عندهم) أن يقبلوا منه هذا الكذب ويستقبلوا هذا التزوير دون أن يرف لهم جفن؟! إذ لم ينقل عن أحد منهم أنه رد أو ثرَّب عليه، بل بقي محل الحفاوة منهم جميعاً حتى مات قبل شهور معدودة، وأقاموا له حفلات التأبين دون أن يردوا هذا الإفك بكلمة واحدة !

وحتى نكون منصفين في نقدنا للعزي فقد صدق في كلامه حينما قال: «السعودية لا تكون معنا أبد الآبدين» «فهذا كلام صحيح، فالسعودية لا تكون معكم، ولا «وإياكم»، فهي أبداً لا تكون معكم على عبثكم بالشرع ومتاجرتكم بالشعارات، ولا لعبكم على الجماهير، ولا تكون معكم على سفك الدماء وانتهاك الحرمات تحت ذرائع مناصرة قضايا الأمة، نعم لن تكون معكم في انتهازيتكم ونفعيتكم، بل ستبقى دوماً منحازة إلى الشرع والعدل والحكمة والرشد، عينها دائماً على مصالح المسلمين وصيانة حرماتهم وحفظ ذمتهم، أما رأسها فسيبقى – بإذن الله - دوماً مرفوعاً لا يخفضه كيد حاسد ولا مكر باغٍ.
00:08 | 8-11-2024

أرواحنا تنزف: حديث من وحي العزلة

الليلة هي المكملة لثلاثين يوماً من غير جوال.. شيء لا يكاد يصدق ما عشته طيلة هذه الثلاثين يوماً، لا أستطيع أن أكتب في هذا المقال كل ذلك لكن سأدونه في كتاب بإذن الله، لأنه يستحق بالفعل كتاباً مخصصاً لهذه التجربة. أول ما خرجت من هذه العزلة الاختيارية وفتحت الجوال اتصل بي صديق فسألني عن التجربة، فقلت له - مازحاً -: يكفي أن تعلم أني سأذهب من الغد مبكراً لفرع الأحوال المدنية لأستخرج شهادة ميلاد !

قبل أن أعزم على هذه العزلة أو الخلوة تذكرت كلاماً لأبي سليمان الخطابي، صدر به كتابه (العزلة) لما خشي أن يذمه ذام على دعوته للعزلة، فخشيت مما خشي منه أبوسليمان فذهبت أقرأ فيه، ومما وجدت فيه قوله: «إن النصوص التي تنهى عن العزلة لا يعترض شيء منها على المذهب الذي نذهبه في العزلة ولا يناقض تفصيلها جملته، بل إنها تجري معه على سنن الوفاق وقضية الائتلاف والاتساق؛ إذ الجماعة جماعتان: جماعة هي الأئمة والأمراء، وجماعة هي العامة والدهماء. فأما الافتراق في الأولى فإنه محظور في العقول محرم في قضايا الأصول لأنه داعية الضلال وسبب التعطيل والإهمال، وأما عزلة الأبدان ومفارقة العوام فهي تجري مع المصلحة والحاجة، فإن كان لا يترتب على ذلك تعطيل مصلحة أو فوات حاجة فالاختيار له في هذا الزمان اعتزال الناس ومفارقة عوامهم؛ فإن السلامة في مجانبتهم والراحة في التباعد منهم»، ثم حدد معنى العزلة التي يريد فقال: «إنما نريد بالعزلة ترك فضول الصحبة ونبذ الزيادة منها فإن من جرى في صحبة الناس والاستكثار من معرفتهم وترك الاقتصاد فيها والاقتصار الذي تدعوه الحاجة إليه كان جديراً ألا يحمده غبه وأن تستوخم عاقبته وكان سبيله في ذلك سبيل من يتناول الطعام في غير أوان جوعه ويأخذ منه فوق قدر حاجته فإن ذلك لا يلبثه أن يقع في أمراض مدنفة وأسقام متلفة» انتهى كلامه. المهم: بعد تقرير أبي سليمان استخرت الله وذهبت مذهبه حذو القذة بالقذة، فقط الفرق بيننا أن أبا سليمان يريدها عزلة حقيقية وأنا أردتها عزلة افتراضية! وأتصور أن عزلتي أشد من عزلته! لأني أعتقد أنه لو كان عند أبي سليمان (واتس) فيه عشرات المجموعات، وفي سجل هاتفه ألف صديق يستطيع كل واحد منهم أن يصل إليه في لمح البصر.. ولديه حساب في تويتر يتابع فيه المئات من (باعة الكلام)، أعتقد لو كان الأمر كذلك لقال كلاماً أشد مما قال! بل ربما أوجب هذه العزلة!

المهم مضى اليوم الأول والثاني في (المعتزل) دونما أي شعور: لا سلبي ولا إيجابي، خلا فقط من الإحساس ببعض الأعراض الانسحابية المزعجة من فرط الجوال! في اليوم الثالث أحسست بالهدوء والسلام في داخلي، وأحسست كذلك بعودة قوية لشهية المعرفة التي أطفأتها الخلطة! فطفقت أقرأ في بعض الكتب التي حملتها معي، من بين هذه الكتب كتاب (الرسالة) للشافعي، بدأت به لأنه كان الكتاب الوحيد الذي يشعرني دوماً بالحسرة على ضياع الوقت والعمر دون أن أقرأه! وأكثر ما يثير اللهفة لقراءته أنني قرأت أكثر الكتب المتقدمة التي ترجمت للكاتب والكتاب، - ككتاب البيهقي وابن أبي حاتم والفخر الرازيين - ومع ذلك لم أقرأ شيئاً مما كتبه! وبالفعل شرعت في قراءة (الرسالة)، وهي في أصلها رسالة خطية كتبها للناقد الكبير عبد الرحمن بن مهدي، ولم أستفق حتى فرغت منها في ليلة وضحاها! الله.. يا له من إمام.. فعلاً: كان كالعافية للبدن والشمس للدنيا كما قال أحمد.. وكان لعلماء الشريعة كما كان الخليل بن أحمد للشعراء وأرسطاطاليس لأهل المنطق كما يقول الفخر الرازي، المهم مضت الأيام الأولى بهدوء نسبي، لكن في اليوم الخامس انتابني شعور غريب ! شعرت بالفعل أن تنوراً من اللهب - في داخلي - قد انطفأ! أحسست بسلام يخفق في داخلي لم أحس به من قبل.. الغريب وهذا المثير فعلاً أنني لم أكن أشعر بهذا اللهب من قبل.. فقط شعرت به عندما انطفأ! وهذا يعني – وهنا الخطورة – أننا بتنا متعايشين مع الألم دون أن نشعر! تعودنا على الضجيج والصخب والقلق والانتظار والترقب دون أن نحس.. لقد فقدنا - مع هذه الوسائل - نعيم الصفاء وفردوس السكينة وجنة الاستقرار.. أسوأ ما في وسائل الاتصال أنها جعلت إيقاع حياتنا سريعاً ومرعباً في الوقت نفسه.. لا نكاد نلاحقه.. في السابق حينما يريد أن يصل إلينا أحد أو يكلمنا كان يمضي أياماً حتى يصل إلينا، ولهذا كانت طاقتنا تستوعب هذا الاتصال المقسط... أما اليوم فيصل إلينا كل من فكر أن يصل ويتواصل معنا بالساعة والدقيقة التي يحددها هو وليس نحن! هذا الاتصال المتواصل يستنزف طاقتنا وأرواحنا.. لم يعد لدينا قدرة على التحمل.. إنه فوق طاقتنا الافتراضية.. إننا – ما لم نضع حداً لذلك – سنذبل كل ساعة، ونتلاشى يوماً فيوم، ولن نعرف أننا نتلاشى حتى نتوقف طوعاً أو كرهاً.. لا يجوز أبداً أن نستمر في هذا العناء.. فعلاً: حرام هذا الذي نصنعه بأنفسنا، تصوروا بالله كيف ستكون أمزجتنا ونفوسنا ونحن نستقبل - بفعل هذه الوسائل - في (اليوم الواحد) كل الأخبار الحزينة والصور الموجعة والكوارث المرعبة، وقد كنا - قبل - نستقبلها في (سنتين أو ثلاث)؟!.. نستقبلها ونمررها - بسهولة - لدواخلنا دون أن نكترث أو نفكر.. نعتقد أنها مشاهدة عابرة ستمر وتعبر وكأن لم تكن.. والحقيقة أننا خبأنا في دواخلنا قنابل ولكن من غير فتيل! وإذا أردتم أن تكتشفوا أثرها وما خلفته لاحظوا كيف تضاءلت قدرتنا على الاحتمال والصبر! لقد وصلنا إلى مستويات مرعبة من الضجر والتوتر والضيق! نفقد سيطرتنا على نفوسنا عند أدنى لحظة غضب! ولدينا استعداد هائل للتوتر والقلق، وفي المقابل لم يعد لدينا الاستعداد النفسي الكافي للجلوس مع أولادنا والحوار معهم، وحتى لو فكرنا بالجلوس معهم فهم أيضاً ليس لديهم أدنى استعداد لهذه الحوارات، لقد نمطت هذه الأجهزة والبرامج عقولهم، وعودتهم على الإيقاع السريع، وضيقت مساحة الاحتمال عندهم إلى أدنى درجة.. المهم لا بد أن ندرك أن كل ما مررناه لدواخلنا من هذه المشاهدات السلبية والمناظر المروعة والأخبار المحبطة سيرتد علينا إن آجلاً أو عاجلاً.. سيرتد أحياناً عبر نوبة حزن لا ندري سببها، أو عبر اكتئاب صباحي يسد باب الحياة في وجوهنا، وأحياناً عبر انطفاء للفرح في دواخلنا.. المهم أن ندرك أننا لا يمكن أن ننجو ما لم نضع حداً لهذا النزيف.. إن أخطر ما في نزيف الروح أننا لا نشاهدها وهي تنزف! بخلاف نزيف الجسد! وبالتالي نستمر في النزيف حتى النهاية ونحن لا نشعر! مهما يكن: لا بد أن نتوقف، لكن لا يمكن أن نتوقف ونعود إلى الفطرة حتى نجرب - ولو لأيام يسيرة - العيش بعيداً عن سلطة هذه الأجهزة، عندها سندرك الفرق بين ما كنا وما صرنا!، وبعدها ستكون لدينا إرادة فولاذية نستطيع من خلالها أن نوقف كل شيء!

أما أثر هذا الاتصال المستمر على قراراتنا واختياراتنا فهو خطير ومدمر، لأنه يصهرنا في السواد الأعظم، ويفقدنا القدرة على الفرادة والاختلاف، بل حتى على مستوى الانتماء الثقافي، فهو مؤثر بشكل خطير، إذ الإنسان المعزول - كما يقول شايغان - يكون فرداً مثقفاً، بينما يتحول بمجرد انتمائه - إلى ثقافة المجموع - إلى إنسان غريزي متوحش، وتنمحي عنده القدرات التفكيرية النقدية، وهذا التحليل - في تقديري - يفسر ما نلاحظه من ضراوتنا تجاه بعضنا البعض، وترصّد كل واحد منا للآخر، ويفسر سباقنا المحموم للحظوظ الشخصية العاجلة حتى ولو كانت على حساب الآخرين. ما هو الحل؟ العودة إلى الفطرة ولا شيء غيرها، ولا سبيل إلى ذلك إلا بالاقتصاد في الاتصال، وتغذية الروح وتعاهدها بهذه الخلوات التي توقف نزيفها وتسترد معها إنسانيتها، حتى تعود نفوسنا أكثر بياضاً وأرواحنا أكثر ألقاً، وقلوبنا أزكى طوية، وألسنتنا أكثر عذوبة، ونعمر هذا الكوكب بالمحبة والسلام، يجب أن نتعاهد منسوب الرحمة في قلوبنا ومعيار الحب في أرواحنا، لا خيار لنا - إذا أردنا السكينة - إلا أن نعلو ونتسامى ونحلق في عالم الروح، وإلا فالانحطاط والهمجية إذا تركنا الأمر للجسد، يجب أن نحارب التوحش في كل اتجاه، وعلى كل المستويات، وفي مختلف الأصعدة، بصدق: إني لا أخاف على الإنسان من ذئب يفترسه ولا من موج يغرقه، ولا من زلزال يهز الأرض من تحته، ولكني أخاف عليه من أخيه الإنسان! إذ الإنسان ذئب الإنسان! كما يقول هوبز في نصه الشهير. والله يتولانا ويرعانا.
00:00 | 15-08-2023

الشكلانيون ومحاولة البقاء على قيد الرؤية!

بعد أن دشن سمو ولي العهد -حفظه الله- رؤيته الكريمة 2030 ظن البعض أن فكرة الرؤية ليست سوى امتداد لكثير من الخطط الاستراتيجية الحكومية، ولهذا كان الاستقبال متبايناً من جهة التناغم مع الرؤية والتفاعل مع مشاريعها أو من جهة التعاطي الإعلامي معها، فذهبت طائفة من المسؤولين (الشكلانيين) إلى اعتبارها مشروعاً إعلامياً، فطفقوا يضعون شعار الرؤية في كل عمل أو مناسبة تقوم به مؤسساتهم التي يتسنمون قيادتها، حتى ولو كان المنشط أو المشروع متواضعاً أو هزيلاً، بل حتى لو كان المشروع يناقض مشروع الرؤية برمته من جهة خلوه من التخطيط والأهداف، فليس ثمة مؤشرات ولا قياسات تكشف جدواه ومدى نجاحه وقوة مخرجاته، ولأن هذه الطائفة لا تملك مقومات البقاء ذهبوا إلى الترويج الإعلامي لأنفسهم وذواتهم عبر خطاباتهم وتصريحاتهم التي يلقونها في كل مناسبة بإقحام الرؤية في كل شيء دون أدنى توافر على أهم شروط الرؤية، وهو التخطيط والوعي والتركيز، وما زلت أتذكر في بداية الرؤية حجم استماتة هؤلاء عبر محاولات ترويجية أقل ما يمكن وصفها بأنها محاولات عبثية! وكل ذلك لأجل البقاء على قيد الرؤية! لكن بعد أن تحركت رحى الرؤية ودارت عجلتها وأعلن فارسها سمو الأمير أنه (لا عذر لأحد منا في أن نبقى في مكاننا، أو أن نتراجع لا قدر الله) تساقط الكثير من هؤلاء! وبقيت طائفة لم تفقه - بعد - جوهر الرؤية ولم تعِ مقاصدها، وأعتقد أن الزمن كفيل بإزاحة هؤلاء مهما حاولوا البقاء؛ لأن استحقاقات الرؤية ضخمة وتحتاج إلى الكثير من القدرات والمهارات، وهي لا تتوافر لدى الكثير من هؤلاء (الشكلانيين). ما يعنيني هنا هو البعد الفكري والوطني في الرؤية، لقد أسّست الرؤية لجوهر المواطنة ونزعت العامل الأيديولوجي (الحركي) من الجميع، فلا يبغي أحد على أحد تحت أي شعار أو أي وصاية، فلا سلطة على أحد سوى سلطة الدولة، وصارت المواطنة الصالحة هي مناط الحقوق والواجبات، وشطبت المنطقة الفاصلة بين الحركة والدولة، فإما أن تنتمي للدولة أو تنتمي للحركة، وعاد الناس – بفعل ذلك – إلى شخصياتهم الحقيقية دون زيف أو تزييف، فتضاءل (التدين الاجتماعي) وبرز (التدين الفطري الصحيح) واضمحل (تدين المظهر دون المخبر) وعاد (تدين الجوهر)، وتلاشت الانتماءات المناطقية والمذهبية والقبلية وشعر الجميع أنهم متساوون في كل شيء يتعلق بحقوق المواطنة؛ لا فرق بينهم إلا بالمهارات والكفاءات، وهذه هي أهم قيم الرؤية وجوهرها، غير أنه - في تقديري- ما زال عالقاً في رحى الرؤية طائفتان من هؤلاء (الشكلانيين): طائفة لا تحمل أي رؤية ولا يهمها أي شيء سوى بقائها في المشهد، والخطورة في الأمر أن الواحد من هؤلاء إذا أدرك أنه في مأمن من المحاسبة وأنه يستطيع أن يخفي أثره فعل كل ما يمكن فعله حتى لو كانت الضحية هي المواطنة والانتماء الصحيح، مثل تولية غير الأكفاء ومن لا يوثق بفكرهم وأمانتهم في مواقع حساسة لا لشيء إلا لأنهم قابلون للتسخير والتوظيف، والمهم عندهم في مسألة المواطنة إذا اعتقدوا أن التخلي عنها سيعرضهم للمحاسبة أو توهموا – حالمين- أن التغني بها سيبقيهم في أماكنهم ويثبتهم فيها! في هذه الحالة فقط ستكون من أولوياتهم وعلى رأس قائمة اهتماماتهم!

أما الطائفة الأخرى فهي تحمل رؤية لكنها رؤية فكرية مشوهة تصادم جوهر الرؤية ومعناها الحقيقي بتحقيق العدالة وتكريس المواطنة الحقيقية والتعامل مع المواطنين في مسألة الحقوق والواجبات بمسافة واحدة، ولهذا فهي في ذات الوقت تنزع للذاتية والمصلحية ولا شيء سواها، لا يكترثون لسمعة الدولة ولا يهتمون لها، ولا يعنيهم التفاف الناس حول القيادة وجمع القلوب عليها، ولهذا فهي تستميت في إذكاء الصراع في مواقعها لكي تبقى في المشهد؛ لأنه لا مشروعية لها إلا من جذوة الصراع، ولهذا فهي تحاول جهدها أن تحتكر المواطنة وصدق الانتماء! توزعه كما تشاء، دون أدنى وعي أو اكتراث بما تخلفه هذه الممارسات العبثية على نسيجنا الوطني، لقد وضعوا معايير (مضروبة) للتقييم الفكري! لدرجة أنهم لو قيموا بها أنفسهم لكانوا هم أول ضحاياها، وفضلاً عن أن هذه الفئة لا يتوافرون على الحد الأدنى من الرؤية الفكرية العميقة فهم في ذات الوقت ينطلقون من منطلقات حزبية مقيتة لم تأتِ الرؤية إلا بهدمها وتفتيتها، ولهذا لم يسهموا في توجيه الرؤية -في مواقعهم- نحو صناعة خطاب يؤسس للاعتدال والوسطية ويكرس الوطنية، بل لم يقاربوا ذلك، وصار -نتيجة لهذا الجهل المروع بأدوات الاشتغال الفكري والمعارك المستعرة بينهم- بإمكان أصحاب الأجندة الحركية النفاذ إلى المجتمع – بكل حرية – عبر مناشط (توعوية) ومنصات مرخصة دون أن ينجح هؤلاء بكشفهم وتعرية خطابهم لا لشيء إلا لأنهم -مهما تباينوا معهم- فهم ينطلقون من فكرة أيديولوجية واحدة وهي الحزبية المقيتة!

إن هذا الوطن الكريم وهذه القيادة الرشيدة تستحق منا كل جهد وإخلاص، وهذه الرؤية التاريخية العظيمة تستحق من الجميع التكاتف والتعاضد لنجاحها وتفعيلها، وتحويلها إلى ثقافة وفلسفة حياة؛ لأنها - بإذن الله - طوق الأمان لجيل اليوم والغد، ويجب أن نكون جميعاً في مستوى طموح صانع هذه الرؤية حين قال: «من هذه الساعة سنبدأ العمل فوراً من أجل الغد، وذلك من أجلكم - أيها الإخوة والأخوات - ومن أجل أبنائكم وأجيالنا القادمة»، وما لم ننفصل من حظوظنا الشخصية ومصالحنا الآنية ونضع مصلحة الوطن والقيادة فوق كل اعتبار فإننا لن ننال شرف تحقيق هذه الرؤية ولن نساهم في صناعة وطن طموح.

وبعد، فأياً يكن، ومهما تكاثر هؤلاء (الشكلانيون) فإن أمدهم قصير وتأثيرهم محدود إذ الرؤية ماضية وربان سفينتها – حرسه الله – لا يقف عن المضي بالسفينة إلى بر الأمان رغم شدة العواصف وتصاعد الأمواج، وهو ماضٍ في طريقه لا يهين ولا يلين تحفّه عناية الله وترعاه ألطافه. والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
02:31 | 4-07-2023

حصاد البيعة

تصادف ليلة 27 رمضان من كل سنة ذكرى بيعة سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، ففي 26 رمضان 1438 تولى سمو الأمير محمد بن سلمان ولاية العهد، فيكون قد مضى على هذا الحدث أكثر من خمس سنوات.. صحيح أنها خمس سنوات في عمر الزمن لكنها في عمر التاريخ والنهضة والتطور تعادل عشرات السنين، بل لا أكون مبالغاً إذا قلت إنها تعادل مئات السنين في عمر الدول، وسأذكر مثالين مهمين دالين على حجم هذا التحول المدهش بالفعل..

الأول: موقف الأمير من البيروقراطية التي هي غول الدولة الحديثة، لقد صمد الأمير إلى غول البيروقراطية وحاصرها في كل منعطف وفي كل زاوية حتى خنقها.. ولم يشعر البيروقراطيون إلا أنهم أصبحوا - بين عشية وضحاها - خارج الزمن. وأهم مثال في هذا هو سن القوانين والأنظمة التي ضخت في شرايين الدولة ماء الحياة. لقد كانت القوانين والأنظمة تخرج تباعاً لدرجة أن المتخصصين بالقانون باتوا يعيشون في سباق مع الزمن ليبقوا على قيد القانون أمام هذه الثورة التشريعية الهائلة. وما زلت أتذكر حديث ذلك الصديق القانوني د. نايف المزيد وهو الأستاذ المميز في القانون التجاري يوم كان يقول لي: نحن أساتذة القانون في المملكة أصبحنا في تحد رهيب أمام هذه النهضة القانونية الكبيرة التي لم يكن يتوقعها أكثر المتفائلين.. وأي متخصص -كما يقول- يتخلى عن متابعة جديد الأنظمة واللوائح في تخصصه سيكتشف ذات يوم أن الأمير وضعه خارج الزمن!

والمثال الثاني: هو موقف الأمير من التطرف والإرهاب، وهو أكبر مهدد للدول في العصر الحديث.. وباختصار كانت استراتيجية الأمير في معالجة التطرف تقوم على ثلاث ركائز:

الأولى: في تشخيص مصدر الخلل بشكل دقيق. فقد كانت المعالجات من قبل تتجه فقط إلى محاسبة من يشعل عود الثقاب، أما اليوم فقد ذهبت إلى أبعد من هذا.. فذهبت إلى محاسبة من يملأ الغرفة بالغاز ويتوارى دون أن يعرفه أحد..

والركيزة الثانية: شطب المنطقة الفاصلة بين الدولة والتنظيم.. وذلك أنه كان فيما قبل توجد مساحة في غاية الخطورة يسكن بها أولئك الذين لا يؤمنون بالدولة، فيقولون نحن لسنا ضد الدولة ولسنا معها، وكانت توفر لهم هذه المنطقة الأمان الكافي، لأنها كانت تتكئ على ما تظنه حاضنة شعبية.. فجاء الأمير بكل شجاعة وشطب هذه المنطقة، وصار ليس أمام هؤلاء إلا أن يحددوا موقفهم: إما أن ينحازوا إلى دولتهم ويكونوا من رجالها، أو ينحازوا إلى هذه التنظيمات، وفي هذه الحالة عليهم أن يواجهوا الشرع والقانون.

الركيزة الثالثة: إلغاء الوصاية على الناس، فلا توجد وصاية على الناس إلا وصاية الدولة، فضلاً عن وصاية الشرع المطهر الذي هو دستور هذه البلاد ومادة وجودها. لكن المقصود التأكيد على أن فكرة تكوين الوصايات القبلية أو الاجتماعية أو المتلبسة بالدين هذه انتهت ولم يعد لها وجود.. كان في السابق يمكن لشاب قضى شطراً من عمره في تعاطي المخدرات ثم أقلع عنها أن يفرض وصايته الدينية على الناس ويشكل وعيهم وتصورهم.. وفي السابق كان يمكن لمتعالم جاهل أن ينجح -عبر فتوى جائرة- في خطف ابنك من بين يديك ويرسله لمحرقة الحرب في سوريا أو في العراق أو غيرها دون أن تعترض بكلمة. فقط عليك أن تستقبل (التهاني) بنبأ (استشهاده).

كل هذا اليوم انتهى ولله الحمد وأصبح الحديث عنه شيئاً من الماضي.

لست في مقام تعداد حصاد هذه البيعة المباركة لكن ما قيدته هنا جاء نتيجة الاهتمام والتخصص، وهو أيضاً طرف يسير، وأعتقد أن المتخصصين بالاقتصاد والسياسة سيكون حصادهم أكثر وأكبر.

حفظ الله خادم الحرمين وسمو ولي العهد الأمين ونسأ في آثارهم وبارك في أعمارهم.. وحفظ هذا الشعب الوفي وحرس هذا البلد الكريم وظلله بالأمن والأمان.
23:44 | 20-04-2023

إنما يؤتى الناس من قبل «راياتهم»

عقد الإمام البخاري -رحمه الله- باباً في صحيحه فقال (باب ما قيل في لواء النبي صلى الله عليه وسلم) ثم أورد فيه ثلاثة أحاديث عن لواء النبي صلى الله عليه وسلم، وهي حديث (لأعطين الراية غداً رجلاً يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله)، فدفعها إلى علي بن أبي طالب رضي الله، وحديث أن قيس بن سعد الأنصاري رضي الله عنه كان صاحب لواء رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد الحج، وحديث العباس أنه كان يقول للزبير رضي الله عنهما: «ها هنا أمرك النبي صلى الله عليه وسلم أن تركز الراية». وقد علق الحافظ بن حجر -رحمه الله- على الأحاديث الثلاثة بقوله: «اللواء -بكسر اللام والمد- وهي الراية وتسمى أيضاً العلَم». والمقصود من هذا بيان موقع الراية أو العلم في تاريخنا الإسلامي، وأنها كانت من الأهمية بمكان، ولها عدة دلالات، منها: أن ارتفاع العلم دال على الرمزية المعنوية بالصمود والحضور وقوة الهيبة للدولة وجيشها، ولهذا كان ارتفاع الراية في الحروب علامة على قوة الصمود وسقوطها يعني الهزيمة والانكسار، ولأجل هذا كان القادة يعظّمون الراية ويستبسلون للدفاع عنها، وفي خبر غزوة مؤتة لما نعى النبي صلى الله عليه وسلم زيداً، وجعفراً، وابن رواحة للناس قبل أن يأتيهم خبرهم، فقال: «أخذ الراية زيد فأصيب، ثم أخذها جعفر فأصيب، ثم أخذها ابن رواحة فأصيب» وعيناه تذرفان ثم قال «حتى أخذ الراية سيف من سيوف الله، حتى فتح الله عليهم»، وفي طبقات ابن سعد أن ابن أم مكتوم رضي الله عنه كان يقول: «ادفعوا إلي اللواء فإني أعمى لا أستطيع أن أفر وأقيموني بين الصفين»، وفي معركة أحد يذكر ابن هشام قصة مهمة عن مركزية العلم في الحروب، فيذكر عن أبي سفيان أنه كان يقول في معركة أحد ولم يكن مسلماً آنذاك: «يا بني عبد الدار، إنكم قد وليتم لواءنا يوم بدر، فأصابنا ما قد رأيتم، وإنما يؤتى الناس من قبل راياتهم إذا زالت زالوا، فإما أن تكفونا لواءنا، وإما أن تخلوا بيننا وبينه فنكفيكموه»، فهموا به وتواعدوه، وقالوا: «نحن نسلم إليك لواءنا! ستعلم غداً إذا التقينا كيف نصنع»! وذلك أراد أبو سفيان. فلما حضرت المعركة استبسل بنو عبد الدار بالدفاع عن العلم حتى قتل منهم -دون العلم- ثلاثة عشر، آخرهم غلام حبشي فقاتل حتى قطعت يداه ثم نزل عليه واحتضن العلم بصدره وعنقه حتى قتل وهو يقول: اللهم هل أعذرت، ثم ترك اللواء مطروحاً حتى أتت امرأة يقال لها: عمرة بنت علقمة الحارثية، فاجتمعت حوله قريش فعيرهم بذلك حسان بن ثابت حيث قال: فلولا لواء الحارثية أصبحوا.. يباعون في الأسواق بيع الجلائب.

وهذا يدل بالتأكيد على ما قلنا من الأهمية الرمزية للعلم في الحروب، ولأجل هذه الرمزية كان صلى الله عليه وسلم يعتني بموقع الراية غاية العناية من جهة مكان وضعها، ففي حديث العباس أنه كان يقول للزبير رضي الله عنهما: «ها هنا أمرك النبي صلى الله عليه وسلم أن تركز الراية» وقد علق الإمام المهلب بن أبي صفرة على ذلك بقوله: «إن الراية لا تركز إلا بإذن الإمام؛ لأنها علامة على مكانه فلا يتصرف فيها إلا بأمره». والدلالة الثانية: الرمزية المعنوية على الاتحاد والاجتماع والتآلف وفي هذا يقول أحد المؤرخين: «إذا اجتمع قوم تحت لواء واحد يحصل بينهم الاتحاد، بمعنى أن هذا اللواء يكون علامة على اجتماع كلمتهم ودلالة على اتحاد قلوبهم فيكونون كالجسد الواحد، ويألف بعضهم بعضاً أشد من ائتلاف ذوي الأرحام».

والثالثة: الرمزية الحسية بالتمايز عن الدول الأخرى أو الجيش الآخر، ولهذا كان صلى الله عليه وسلم لا يعقد جيشاً إلا حدّد من يحمل الراية، وكانت لدولته عليه الصلاة والسلام راية وعلماً تعرف من خلاله كتائب المسلمين وقوافلهم، وقد وقع الاختلاف في لون لواء النبي صلى الله عليه وسلم، فقد جاء في الترمذي أنه صلى الله عليه وسلم دخل مكة ولواؤه أبيض، وفي حديث آخر أنه أسود، وفي حديث آخر أن أحدهم رأى النبي صلى الله عليه وسلم ورايته صفراء، وقيل في التوفيق بينها أن رايته وعلمه صلى الله عليه وسلم تختلف باختلاف الأوقات والأحوال والمقاصد. هذا باختصار عن رمزية العلم في التراث الإسلامي والعربي، وقد دعا إلى كتابة هذه التدوينة مناسبة الأمر الملكي الكريم بتحديد يوم (11) مارس من كل سنة يوماً رسمياً للعلم السعودي، وقد لفت نظري ما جاء في الأمر الملكي الكريم حيث جاء فيه: «وانطلاقاً من قيمة العلم الوطني الممتدة عبر تاريخ الدولة السعودية منذ تأسيسها في عام 1139هـ الموافق 1727م، والذي يرمز بشهادة التوحيد التي تتوسطه إلى رسالة السلام والإسلام التي قامت عليها هذه الدولة المباركة ويرمز بالسيف إلى القوة والأنفة وعلو الحكمة والمكانة، وعلى مدى نحو ثلاثة قرون كان هذا العلم شاهداً على حملات توحيد البلاد التي خاضتها الدولة السعودية، واتخذ منه مواطنو ومواطنات هذا الوطن راية للعز شامخة لا تُنكّس، وإيماناً بما يشكّله العلم من أهمية بالغة بوصفه مظهراً من مظاهر الدولة وقوتها وسيادتها ورمزاً للتلاحم والائتلاف والوحدة الوطنية»، وهذا يؤكد ما قلناه، وهو البعد التاريخي للعلم في ذاكرة التراث الإسلامي المجيد. وثمة معنى مهم في منزلة العلم في الدولة، وهو لماذا هذه المنزلة وهذا الاحترام للعلم وهو قطعة قماش بثمن زهيد؟ وذلك -في تقديري- أن الوطن لا يمكن اختصاره بمكون من مكوناته الكثيرة، فالمقدسات في هذا البلد وطن، والقيادة الكريمة وطن، والمساحة الجغرافية للدولة وطن، والمواطنون والمقيمون وطن، والمنشآت الحكومية والخاصة وطن، والمرفقات والخدمات وطن، ولهذا كان لا بد من (تركيز) كل هذه المكونات في شعار يرمز إليها ويومئ لها، فكان (العلم)، فمن احترم العلم فقد احترم كل هذه المكونات، ومن ضيعه ولم يرفع به رأساً فهو لما سواه من مكونات الوطن (أضيع). ولأجل هذا المعنى كان العلم في أدبيات جماعات التطرف محل تهمة وسخرية، وأن احترامه وتبجيله دلالة على لون من ألوان الاستعباد والذل، غير أنه لما قام تنظيمهم الدموي داعش وأعلن (دولته) أدركوا مركزية العلم وأهميته فمباشرة اتخذوا العلم الأسود شعاراً لهم ورفعوه فوق أبنيتهم وجعلوه علامة على عصابتهم وألّفوا رسائل عن مشروعية اتخاذ العلم، بل وضرورة رفعه ونصبه! ومن الطريف أن أحدهم كتب رسالة عن مشروع الراية في الإسلام، وثم ختم آخرها بقوله: «ونحن على يقين أن هذه الراية ستكون راية أهل العراق حينما يذهبون لنصرة عبد الله المهدي في بيت الله الحرام تحقيقاً لا تعليقاً»، فهذا هو قدر عقول القوم وتلك انتهازيتهم، والله غالب على أمره ولكن الغلاة لا يعلمون. حفظ الله قادتنا وحمى بلادنا وجعلها علمها -دوماً- شامخاً مرفوعاً، وأدام على شعبها الوفي الرخاء والاستقرار.
00:04 | 7-03-2023