يستمر الجدل منذ عقود في تحديد الموقف لكل من السياسة والاقتصاد؛ هل هما مجالان منفصلان، أي طريقين متوازيين لا يلتقيان، لكل منهما منطقه وأدواته، أم أنهما في الحقيقة وجهان لعملة واحدة؟ وإذا كان الأمر كذلك من يقود من! هناك من يرى أن الاقتصاد علم حسابي يُعنى بالكفاءة وتخصيص الموارد، بينما السياسة ساحة صراع على السلطة والنفوذ. الحقيقة التاريخية تخبرنا أن هذا الفصل أقرب إلى تبسيط نظري منه إلى وصف دقيق للواقع.
إذا عدنا لأهم كتب علماء الاقتصاد كأدم سميث، وديفيد ريكارد، وجون ستيوارت مل يتأكد لنا أن الاقتصاد لم يكن علماً مستقلاً، بل كان جزءاً مما عُرف بـ«الاقتصاد السياسي». لم يكن السؤال آنذاك يدور فقط حول الثروة، بل حول الدولة، والسلطة، والقانون، وطبيعة النظام الاجتماعي الذي تنتج فيه تلك الثروة.
حتى وقت قريب نسبياً، كانت الجامعات تدرّس السياسة والاقتصاد ضمن كلية واحدة انعكاساً لإدراك معرفي بأن المجالين يتعاملان مع نفس الظاهرة من زاويتين مختلفتين. السياسة تحدد الأهداف وتوزيع القوة، والاقتصاد يدرس تخصيص الموارد والقيود. الفصل المؤسسي الذي حدث لاحقاً، خصوصاً مع صعود النمذجة الرياضية في القرن العشرين، خلق انطباعاً بأن الاقتصاد أصبح علماً تقنياً خالصاً، مستقلاً عن الصراعات القيمية.
الاقتصاد، في جوهره، يتعامل مع الندرة وتوزيع الموارد. غير أن توزيع الموارد ليس مسألة تقنية خالصة؛ بل هو قرار يتضمّن تفضيلات اجتماعية من حيث، من يتحمّل التكلفة؟ من يحصل على المنفعة؟ ما الأولوية بين النمو والعدالة؟ حين تُصمّم السياسات الضريبية، أو يُحدد مستوى الإنفاق العام، أو تُرسم السياسات النقدية، فإنها لا تعكس معادلات رياضية فحسب، إنما تعكس رؤية سياسية لدور الدولة ولطبيعة العقد الاجتماعي.
من زاوية أخرى، لا يمكن للسياسة أن تتحرك بمعزل عن الاقتصاد. شرعية الأنظمة السياسية واستقرارها يرتبطان بالأداء الاقتصادي المتمثل في النمو الاقتصادي، وفرص العمل، واستقرار الأسعار، ومستوى المعيشة. علاوة على ذلك، أزمات الديون، والانكماش، والتضخم تعتبر تحوّلات سياسية بامتياز تعيد تشكيل موازين القوى داخل الدولة. هنا يتأكد لنا أن الاقتصاد كأنه يقود السياسة، فارضاً عليها قيوداً صارمة لا يمكن تجاوزها بالشعارات.
يتجلى هذا الترابط بوضوح أكبر في العلاقات الدولية. فالقوة في النظام العالمي المعاصر أصبحت مالية وتجارية وتكنولوجية متجاوزة الجانب العسكري الذي كان يهيمن وحيداً على موازين القوة العالمية. لا أحد يستطيع أن ينكر أن العقوبات الاقتصادية أداة سياسية بامتياز والاتفاقيات التجارية تعبير عن تحالفات إستراتيجية. إضافة لذلك، التحكم في سلاسل الإمداد وفي التقنيات المتقدّمة يعتبر رهاناً على النفوذ طويل المدى.
شهدت العقود الماضية مرحلة بدا فيها أن الاقتصاد يقود السياسة من خلال العولمة وتحرير الأسواق، حيث فُرض منطق التكامل والكفاءة على الاعتبارات الجيوسياسية. في ذات الوقت، تصاعد التوترات الدولية أعاد المعادلة إلى مسار أكثر تعقيداً، حيث أعادت الدول هندسة سلاسل التوريد بدوافع أمنية، وفرضت قيوداً على الاستثمار والتكنولوجيا، وقبلت تكاليف اقتصادية أعلى مقابل استقلال إستراتيجي أكبر. هنا تقود السياسة الاقتصاد، وتعيد تعريف أولوياته.
إذن، ليست العلاقة خطاً مستقيماً، بل ديناميكية متغيّرة. في بعض اللحظات التاريخية، تفرض الحقائق الاقتصادية نفسها فتقيّد القرار السياسي وفي لحظات أخرى، تتقدّم الاعتبارات الإستراتيجية فتُعيد تشكيل القواعد الاقتصادية. الفصل بين المجالين قد يكون مفيداً تحليلياً في قاعات الكليات، لكنه يصبح مضللاً في عالم تتداخل فيه الأسواق مع السيادة، ورأس المال مع النفوذ، والتكنولوجيا مع الأمن القومي.
الاستنتاج الأهم ليس أن السياسة والاقتصاد شيء واحد، بل أنهما لا يعملان في عزلة. الاقتصاد يوفر الأدوات ويكشف القيود، والسياسة تحدد الاتجاه والأولويات. وحين يُفترض أن أحدهما يعمل بمعزل عن الآخر، تظهر اختلالات في قرارات اقتصادية «عقلانية» لكنها ساذجة إستراتيجياً، أو قرارات سياسية قوية الخطاب لكنها مكلفة اقتصادياً إلى حد لا يمكن تحمّله.