أخبار السعودية | صحيفة عكاظ - author

https://cdnx.premiumread.com/?url=https://www.okaz.com.sa/uploads/authors/1235.jpg&w=220&q=100&f=webp

علي محمد الحازمي

القطاع غير الربحي والتنمية المستدامة

في الاقتصادات الحديثة يعد القطاع غير الربحي قطاعاً اقتصادياً ثالثاً مهماً يعمل إلى جانب القطاعين العام والخاص، وليس مجرد مساحة للعمل الخيري أو النشاط المجتمعي التطوعي. هذا التحوّل يأتي نتيجة إدراك متزايد من الدول بأن القيمة الاقتصادية لا تُختزل في الربحية المباشرة، وأن الإنتاج الاجتماعي المنظم يمكن أن يشكّل رافعة تنموية حقيقية.

العديد من الدراسات أثبتت أن المنظمات غير الربحية لها دور محوري في تعزيز الكفاءة الاقتصادية، وذلك عبر معالجة أوجه القصور في السوق. علاوة على ذلك، تشير النظرية الاقتصادية التقليدية إلى أن الأسواق الخاصة لا توفر دائماً الخدمات الأساسية بشكل عادل، لا سيما في مجالات الرعاية الصحية والتعليم والخدمات الاجتماعية. ووفقاً لذلك، تسد المنظمات غير الربحية هذه الثغرات، ضامنةً وصول الخدمات إلى الفئات السكانية الأكثر ضعفاً، ومحفزةً الاقتصادات المحلية. تُظهر الأبحاث أيضاً أن كل دولار يُستثمر في المنظمات غير الربحية غالباً ما يُحدث أثراً مضاعفاً، دافعاً المزيد من النشاط الاقتصادي من خلال عقود الخدمات والإنفاق المحلي وتوسيع نطاق القوى العاملة.

يساهم القطاع غير الربحي في العديد من الدول المتقدمة بنسبة تتراوح بين 4% و10% من الناتج المحلي الإجمالي، ويخلق وظائف مستدامة في عدة مجالات. هذه الأرقام تعكس طبيعة الخدمات التي يقدّمها القطاع في مجالات التعليم، والصحة، والرعاية الاجتماعية، والثقافة، وتمكين الفئات ذات الدخل المحدود. في كثير من الحالات، يقوم القطاع غير الربحي بتقديم خدمات عامة بكفاءة ومرونة أعلى، مستفيداً من قربه من المجتمع وقدرته على الاستجابة السريعة للاحتياجات المحلية. وهذا يثبت دورها في الاستجابة السريعة خلال الأزمات الاقتصادية في العديد من الدول العالمية، كونها تُعدّ جهات استقرار حيوية، إذ تُقدم خدمات أساسية للمتضررين من فقدان الوظائف وانعدام الأمن المالي.

الأهمية الاقتصادية للقطاع غير الربحي لا تتوقف عند مساهمته المباشرة في الناتج أو التوظيف. فهناك بُعد آخر أقل وضوحاً وأكثر عمقاً، يتمثل في تعزيز «رأس المال الاجتماعي» أي الثقة والتعاون والشبكات المجتمعية. هذه العناصر تلعب دوراً جوهرياً في تقليل تكاليف التعاملات الاقتصادية، وتحسين بيئة الأعمال، وتعزيز الاستقرار الاجتماعي، وهي جميعها عوامل داعمة للنمو طويل الأجل بما يعزز جودة الحياة ويرفع كفاءة توزيع الموارد.

مع توسع هذا الدور، تتعزز أهمية بناء قدرات مؤسسية متقدمة، وتطوير أدوات قياس الأداء والأثر، بما يرسّخ مكانة القطاع كجزء فاعل من المنظومة الاقتصادية. الاستثمار في الحوكمة، والشفافية، ورفع كفاءة الإدارة المالية، لم يعد خياراً، وإنما ضرورة من أجل تعميق الثقة، وتعزيز قدرة القطاع على جذب الموارد وتوسيع أثره التنموي. يتطلب فهم الأثر الاقتصادي للمنظمات غير الربحية دراسة مساهماتها في التوظيف وكفاءة السوق والاستثمار المجتمعي وريادة الأعمال الاجتماعية.

في المملكة العربية السعودية، يكتسب القطاع غير الربحي أهمية إستراتيجية ضمن مستهدفات رؤية 2030، التي تسعى إلى تنويع القاعدة الاقتصادية وتعزيز مشاركة المجتمع في مسار التنمية. ويعكس النمو المتسارع في عدد الكيانات غير الربحية والبرامج المجتمعية حراكاً تنموياً لافتاً، يتواكب مع تطور البيئة التنظيمية وتوسع أدوات الدعم والتمكين. إدراج القطاع غير الربحي كركيزة ضمن مستهدفات رؤية 2030 يعكس انتقالاً من النظر إليه كقطاع داعم، إلى اعتباره شريكاً في تحقيق النمو.

منذ يومين

استقلالية الفيدرالي على المحك..!

لم يكن الجدل حول استقلالية البنك المركزي الأمريكي يومًا نقاشًا مطروحًا على الطاولة، لكنه اليوم يقترب أكثر من أي وقت مضى. مع تصاعد الحديث عن احتمال تعيين كيفين وورش رئيسًا للاحتياطي الفيدرالي، يعود سؤال قديم بملامح جديدة؛ هل نحن أمام لحظة تعيد فيها أمريكا تعريف استقلالية الاحتياطي الفيدرالي بما يتناسب مع عالم أكثر اضطرابًا وأقل صبرًا؟ ربما ستُظهر لنا قادم الأيام الإجابة من خلال سلوك السياسة النقدية في السنوات المقبلة، وأيضًا في قدرة الأسواق على الثقة بأن سعر الفائدة ما زال يُدار بعقلية اقتصادية ومالية، عوضًا عن الحسابات السياسية الساخنة.

منذ عقود، أُرسِيت استقلالية الاحتياطي الفيدرالي بوصفها حجر الزاوية في استقرار الاقتصاد الأمريكي، من أجل ضبط معدلات التضخم، وتثبيت توقعات الأسواق، وحماية السياسة النقدية من تقلبات الأهواء الانتخابية. وقد أثبت التاريخ أن أي مساس بهذه القاعدة يُترجم سريعًا إلى ارتفاع في علاوات المخاطر، وتقلب في الدولار، وتآكل في مصداقية التوجيه المستقبلي وهذا ما نشاهده اليوم على أرض الواقع.

لا أحد ينكر أن المعطيات وقواعد اللعبة العالمية قد تغيّرت سواء على مستوى السياسات النقدية أو المالية. الولايات المتحدة اليوم تواجه دَيْنًا سياديًا تجاوز 120% من ناتجها المحلي، واستقطابًا سياسيًا غير مسبوق، ومنافسة جيوسياسية ونقدية شرسة مع قوى صاعدة في مقدّمتها الصين. ووفقًا لتلك الرؤية، أصبحت السياسة النقدية جزءًا من أدوات إدارة الدولة لقوتها لا شأنًا تقنيًا بحتًا.

هنا لا يبدو اسم كيفين وورش هو القضية بحد ذاته، إنما ما يمثّله كإشارة لمن هم بالداخل والخارج. فالرجل معروف بمواقفه الأكثر تشدّدًا تجاه التيسير النقدي، وبقربه الفكري من دوائر سياسية ترى أن الفيدرالي بالغ في استقلاليته خلال العقدين الماضيين. الكل يعلم أن صنع القرار داخل لجنة السوق المفتوحة تمنع السيطرة المباشرة على أسعار الفائدة من قبل السلطة التنفيذية، لكن قد يبعث برسائل مباشرة وغير مباشرة مختلفة للداخل والخارج الأمريكي فحواها أن الأعراف القديمة قابلة للكسر، وأن سقف الضغط السياسي على البنك المركزي لم يعد من المحظورات.

الخطر الحقيقي، حين تُستدعى السياسة النقدية لخدمة أهداف قصيرة الأجل سواء لتمويل الدَيْن بكلفة أقل أو لدعم نمو سريع قبيل استحقاق انتخابي حينها تدخل الأسواق في مرحلة إعادة تسعير جارفة، وتفقد العملة جزءًا من مكانتها الرمزية قبل قيمتها الفعلية. وهنا يأتي الانحراف عن المسار في التحوّل التدريجي لوظيفة البنك المركزي من «مرساة استقرار» إلى «أداة مواءمة سياسية». التجارب الدولية واضحة في هذا السياق، فكلما انخفضت حدود الاستقلالية، ارتفعت كلفة التمويل، وتراجع الاستثمار طويل الأجل، وازدادت هشاشة الاقتصاد أمام الصدمات. الولايات المتحدة ليست استثناءً من قوانين الاقتصاد، مهما بلغت قوة مؤسساتها. فالأسواق لا تقيس النوايا، لذلك أي خلط بين السياسة والفائدة سرعان ما يدفع ثمنه الجميع.

23:56 | 11-02-2026

من العُلا إلى العالم.. السعودية منصة دولية لرسم مستقبل اقتصادات الأسواق الناشئة

ينطلق مؤتمر العلا لاقتصادات الأسواق الناشئة 2026 ليجمع صُنّاع القرار الاقتصادي، ومحافظي البنوك المركزية، ووزراء المالية، وخبراء السياسات، في لحظة دولية مشحونة بالتحولات وعدم اليقين. يشهد الاقتصاد العالمي مرحلة دقيقة تتسم بتزايد التحديات المشتركة، بما في ذلك التوترات الجيوسياسية، وتقلبات الأسواق المالية، واتساع فجوات عدم المساواة. وفي هذا السياق، تضطلع الاقتصادات الرائدة والمؤسسات المالية الدولية بدور محوري في دعم الاقتصادات الناشئة، من خلال تعزيز المرونة الاقتصادية، ودعم الإصلاحات الهيكلية، وتمكين هذه الاقتصادات من مواصلة مساهمتها في تحقيق الازدهار العالمي.

استضافة المملكة لهذا المؤتمر، بالشراكة مع صندوق النقد الدولي، تعكس نهجاً سعودياً واضحاً في التعاطي مع القضايا الاقتصادية الدولية وهي الانفتاح على العالم، والالتزام بالتعددية، وتعزيز الحوار المبني على المصالح المشتركة. فالمملكة تسعى إلى تهيئة بيئة تتيح تبادل الخبرات، وتقريب وجهات النظر بين الاقتصادات المتقدمة والناشئة. يأتي هذا المؤتمر في توقيت حساس، كون الاقتصاد العالمي يقف عند مفترق طرق من حيث تباطؤ النمو في الاقتصادات المتقدمة، تشدد الأوضاع المالية، تصاعد الحمائية التجارية، وتزايد المخاطر الجيوسياسية. في المقابل، تتحمل الأسواق الناشئة عبئاً مزدوجاً كقيادة النمو العالمي من جهة، وامتصاص الصدمات من جهة أخرى. هنا تحديداً تتقدم العلا كفكرة تطرح سؤالاً جوهرياً: كيف يمكن للأسواق الناشئة أن تحوّل المخاطر إلى فرص؟

محاور المؤتمر تعكس هذا التوجه. فمناقشة تحولات التجارة العالمية وتغيرات النظام المالي الدولي تأتي في وقت تشهد فيه سلاسل الإمداد إعادة تشكيل، وتواجه التجارة الدولية ضغوطاً متزايدة. وهنا، تبرز أهمية التعاون الدولي لضمان انسيابية التجارة، وتعزيز استقرار النظام المالي، بما يخدم النمو العالمي الشامل.

كما يناقش المؤتمر تحديات السياسات النقدية والتضخم والاستقرار المالي، وهي قضايا تمس مختلف الاقتصادات، وإن اختلفت حدتها من دولة إلى أخرى. وتؤكد المملكة، من خلال استضافة هذا الحوار، أهمية تبادل التجارب بين الدول، واحترام خصوصية كل اقتصاد، بعيداً عن الحلول الموحدة التي قد لا تلائم الجميع.

وفي محور تدفقات رأس المال والاستثمار ودور الأسواق الناشئة عالمياً، يسلط المؤتمر الضوء على الفرص الكبيرة التي تمتلكها هذه الاقتصادات في دعم النمو العالمي، شريطة توافر بيئة استثمارية مستقرة، وأطر تنظيمية واضحة، وسياسات مالية ونقدية متوازنة. وتقدم التجربة السعودية في هذا المجال نموذجاً على كيفية الجمع بين الاستقرار المالي، والإصلاحات الهيكلية، وجذب الاستثمار طويل الأجل.

أما محور استدامة الدين العام والحيز المالي واحتياجات التمويل فيعكس إدراكاً مشتركاً لأهمية الإدارة الحكيمة للموارد العامة، وتعزيز كفاءة الإنفاق، وربط الاقتراض بأهداف تنموية واضحة. وهو نقاش يتقاطع مع جهود المملكة في تعزيز الاستدامة المالية ضمن رؤية السعودية 2030.

ويختتم المؤتمر نقاشاته بمحور تعزيز المرونة الاقتصادية عبر تنسيق السياسات والتعاون الدولي، وهو محور يعكس قناعة متزايدة بأن التحديات العابرة للحدود لا يمكن معالجتها إلا من خلال العمل المشترك، وتبادل المعلومات، وبناء الثقة بين الدول والمؤسسات الدولية.

المؤكد أن هذا المؤتمر يأتي في لحظة تعيد فيها الأسواق الناشئة طرح سؤال السيادة الاقتصادية ليس بمعناها الشعبوي، بل بمعناها المؤسسي المتمثل في تنويع مصادر التمويل، تعميق الأسواق المحلية، تعزيز الشفافية، وبناء أدوات فعّالة لإدارة المخاطر. هذه ليست شعارات؛ إنها شروط بقاء في نظام عالمي سريع التقلب. العلا، بتاريخها العميق، وجغرافيتها التي تربط طرق التجارة القديمة، تتحول اليوم إلى نقطة التقاء لأفكار المستقبل.

إن استضافة المملكة لهذا المؤتمر تحمل رسالة واضحة للعالم أن السعودية شريك موثوق في دعم الاستقرار الاقتصادي العالمي، وجسر تواصل بين مختلف الأطراف، ومنصة للحوار البنّاء في عالم تتزايد فيه الانقسامات. فالمملكة، وهي تمضي قدماً في مسيرتها التنموية، تؤكد في الوقت ذاته التزامها بدورها الدولي، وإسهامها في صياغة مستقبل اقتصادي أكثر توازناً وشمولاً.

22:14 | 7-02-2026

دافوس.. الحقيقة المؤلمة!

من تابع منتدى دافوس الأخير سيكتشف أنه كان مرآة مكشوفة لحالة الانقسام العالمي، وانعكاساً صريحاً لتآكل الثقة في النظام الدولي الذي تشكّل بعد الحرب العالمية الثانية. في المنتديات السابقة لدافوس كانت الانقسامات تأخذ حيّز اللغة الدبلوماسية المغلفة، عوضاً عن الخطابات العلنية. الملاحظ هذا العام، أن دولاً تتحدث بمنطق السيادة المطلقة، وأخرى بمنطق القيم، وثالثة بمنطق المصالح الصرفة، دون وجود أرضية قانونية أو أخلاقية جامعة. هذا التباين ليس بمعزل عن صميم النقاش الاقتصادي. تمثلت الانقسامات في عدة تساؤلات؛ من يقود النظام العالمي؟ ومن يلتزم به؟ ومن يملك حق خَرْقِه دون مساءلة؟

أحد أبرز ملامح دافوس الأخير كان تراجع وزن المنظمات الدولية، ونستطيع قراءة ذلك من خلال قراراتها التي لم تعد مُلزمة ولا محترمة. القوانين الدولية التي شكّلت أساس الاستقرار التجاري والمالي لعقود، بات يتم تجاوزها بالعقوبات الأحادية، أو بتسييس التجارة، أو باستخدام أدوات الاقتصاد كسلاح جيوسياسي. هذا التآكل في المصداقية أصبح كلفة اقتصادية مباشرة من حيث ارتفاع علاوة المخاطر، وتآكل الاستثمار طويل الأجل، واضطراب سلاسل الإمداد، وتضخم تكلفة التمويل. نستنتج من ذلك، أن هناك معاناة من غياب الثقة في قواعد النظام العالمي.

ما عكسه دافوس بوضوح هو الانتقال من اقتصاد عالمي متجزئ نوعاً ما إلى اقتصاد مجزأ كلياً تقوده التكتلات والتحالفات ومرات كثيرة أحادية الجانب. ووفقاً لتك الرؤية، أصبحت الدول تعمل منفردة باحثة عن إجابات لهذين السؤالين؛ مع من نتاجر؟ وبأي شروط سياسية؟ حتى ملفات المستقبل كالتحوّل للطاقة المتجدّدة، والذكاء الاصطناعي نُوقشت بوصفها مساحات صراع على النفوذ والمعايير لا أكثر.

الأزمات الاقتصادية، مهما كانت قاسية، يمكن إدارتها حين تكون القواعد واضحة، لكن ما يعيشه العالم اليوم هو ضريبة الغموض العالمي؛ غموض القوانين، والالتزامات، وخطوط الردع. وهذا أخطر من الركود نفسه، لأنه يعطّل القرار، ويجمّد الاستثمار، ويقوّض التخطيط بعيد المدى.

منتدى دافوس الأخير لم يقدّم حلولاً بقدر ما قدّم تشخيصاً صارخاً لنظام اقتصادي عالمي يعيش مرحلة إعادة تعريف، لا إصلاح. ومع غياب احترام القانون الدولي، وتراجع مصداقية المؤسسات متعددة الأطراف، فإن الاقتصاد العالمي سيدخل مرحلة تُقاس فيها قوة الدول بقدرتها على الصمود، لا بالنمو فقط.

دافوس كشف حقيقة مؤلمة مفادها أن العالم مختلف على القواعد وما لم يُستعاد الحد الأدنى من الثقة والالتزام بالقانون الدولي، فإن المشهد الاقتصادي القادم سيكون أكثر تقلباً، وأعلى كلفة، وأقل عدالة.

00:02 | 29-01-2026

السياسات الصحيحة في الزمن الخطأ!

في قراءتي الأخيرة لكتاب سادة المال «Lords of Finance»، شدتني فكرة لطالما تكررت في تجارب الأزمات الاقتصادية الكبرى كالكساد العظيم، وأزمة ولستريت، وأزمة النمور الآسيوية، والأزمة المالية العالمية 2007 وغيرها من الأزمات المالية والاقتصادية التي تكررت عبر التاريخ. تتمثل الفكرة في كون أن ليست كل السياسات الخاطئة وليدة نوايا سيئة، فكثير من الإخفاقات الاقتصادية الكبرى نشأت من سياسات صُمّمت أصلاً لحماية الاستقرار، لكنها أُديرت بعقلية جامدة، أو طُبقت في توقيت غير مناسب، أو فُصلت لواقع اقتصادي غير حقيقي. ومن هذا المبدأ، فالخطر يكمن في طريقة تطبيق تلك السياسات، وتوقيتها، وقدرتها على التكيّف مع المتغيّرات. وبناء على ذلك، تأتي هذه القراءة بوصفها تأملاً في العلاقة المعقدة بين الانضباط والمرونة في صنع القرار الاقتصادي، وكيف يمكن للسياسات «الصحيحة نظرياً» أن تتحوّل، في غياب التكيّف ومحاكاة الواقع، إلى قرارات مكلفة على الاقتصاد.

المشكلة تبدأ حين تتحول السياسة الاقتصادية إلى «عقيدة» وكأن عليها قدسية لا يمكن المساس بها. عندها تصبح المؤشرات المالية جميلة على الورق، فيما يدفع الاقتصاد الثمن على شكل بطالة أعلى، واستثمارات مؤجلة، أو ضغوط اجتماعية.

أحد أخطر الأوهام في إدارة الاقتصاد هو الاعتقاد بأن السياسات النقدية محايدة سياسياً واجتماعياً، ولكن الحقيقة أن كل قرار نقدي أو مالي يعيد توزيع المخاطر والدخول والفرص داخل المجتمع. فعلى سبيل المثال، رفع تكلفة التمويل، أو التشديد النقدي، أو التركيز الأحادي على مؤشرات معينة، قد يبدو منطقياً من زاوية ضيقة، لكنه قد يُحدث آثاراً ممتدة تتجاوز الأسواق إلى حياة الناس واستقرار الأعمال.

الأزمات التاريخية أثبتت لنا أن الجمود المؤسسي غالباً ما يكون أكثر كلفة من الخطأ نفسه. فالتأخر في تعديل المسار، أو الإصرار على سياسة أثبت الواقع محدودية فعاليتها، يحوّل التحديات المؤقتة إلى أزمات طويلة المدى. وبناء على هذا التصور، مرات كثيرة نحتاج إلى المرونة وامتلاك الشجاعة المؤسسية للاعتراف بأن الظروف تغيّرت، وأن الأدوات لم تعد صالحة لهذه الحقبة وتحتاج إلى تحديث.

نعم نؤمن أن لكل دولة سيادتها في تحديد سياستها النقدية والمالية والاقتصادية، ولكن علينا أيضاً أن نعترف أن غياب التنسيق بين صانعي السياسات سواء داخل الدولة الواحدة أو على المستوى الدولي يزيد من حدة الصدمات ويزيد من طول أمدها. فالاقتصاد المعاصر مترابط بطبيعته، وما يبدو قراراً داخلياً بحتاً، غالباً ما تكون له انعكاسات خارج الحدود. ومن هنا، فإن الانكفاء على منظور ضيق قد يمنح شعوراً زائفاً بالسيطرة، بينما تتراكم المخاطر في الحديقة الخلفية.

اليوم، في عالم تتسارع فيه الصدمات وتتشابك فيه المخاطر، يصبح التحدي الأكبر أمام صناع القرار هو تجنب الوقوع في فخ السياسات الصحيحة في الزمن الخطأ فالتاريخ يحاسب على النتائج. والاقتصاد، في نهاية المطاف، اختبار للحكمة والتوقيت والقدرة على رؤية الصورة الكاملة. الدرس الأهم الذي يجب أن يكون نُصب صناعي السياسات هو أن الاستقرار الحقيقي يحتاج إلى توازن ذكي بين الانضباط والمرونة، وبين حماية المؤشرات المالية ودعم الاقتصاد الحقيقي، وبين الالتزام بالقواعد والقدرة على مراجعتها عندما تستدعى الضرورة. فالسياسة الاقتصادية الناجحة ليس بالضرورة أن تظل في المسار الصحيح دائماً، ولكن لا بأس أن تتعثر بين الفينة والأخرى وريثما تعاود النهوض وتتعلم بسرعة وتعدّل مسارها قبل أن تتضخم الكلفة.

00:00 | 22-01-2026

البنك الوقفي كرافعة لاستدامة القطاع غير الربحي (2-2)

في السياق السعودي، لا يمكن تناول البنك الوقفي بوصفه امتداداً تقليدياً لمفهوم الوقف، بل باعتباره أداة مؤسسية حديثة تتسق بعمق مع منطق رؤية السعودية 2030، التي أعادت تعريف أدوار الدولة، والسوق، والقطاع غير الربحي ضمن نموذج تنموي أكثر كفاءة واستدامة.

رؤية 2030 لم تنظر إلى القطاع غير الربحي كقطاع هامشي أو نشاط تكميلي، بل كركيزة ثالثة في الاقتصاد الوطني، لها مستهدفات كمية واضحة، وحوكمة، وقدرة على توليد الأثر الاجتماعي والاقتصادي. هذا التحوّل الطموح كشف فجوة حقيقية فالطموحات توسعية، لكن أدوات التمويل السائدة في القطاع غير الربحي ما زالت تقليدية، تعتمد في الغالب على التبرعات الموسمية، والمنح غير المستقرة، والإنفاق المباشر. من هذا المبدأ، تعد هذه الأدوات لا تتماشى مع منطق الاستدامة ولا مع متطلبات التوسع المؤسسي.

من هنا، تبرز أهمية البنك الوقفي كحل هيكلي، لا كشكل خيري. فجوهر البنك الوقفي يتمثّل في تحويل الأصول الوقفية من أصول ساكنة إلى رؤوس أموال عاملة، تُدار وفق مبادئ مالية احترافية، وتُستثمر بعقلية طويلة الأجل، مع الحفاظ على الغاية الاجتماعية للأصل الوقفي. هذا التحول ينسجم مع توجه السعودية نحو تعظيم كفاءة استخدام الموارد، سواء كانت عامة أو خاصة.

تكمن أهمية البنك الوقفي في التحوّلات الجارية للقطاع غير الربحي في ثلاثة مسارات رئيسية. المسار الأول هو الاستدامة المالية؛ إذ يوفر البنك الوقفي مصدر تمويل غير مرتبط بتقلبات التبرعات، ما يسمح للمنظمات غير الربحية بالتخطيط بعيد المدى بدل إدارة الأزمات قصيرة الأجل. المسار الثاني هو الحوكمة والشفافية؛ فإدارة الأصول الوقفية ضمن إطار مصرفي أو شبه مصرفي تفرض معايير أعلى من الإفصاح، وإدارة المخاطر، وقياس العائد، والأثر. أما المسار الثالث فهو تعظيم الأثر؛ حيث ينتقل العمل غير الربحي من منطق «الصرف» إلى منطق «التمويل المبني على النتائج».

اقتصادياً، يمثل البنك الوقفي أداة ذكية لتخفيف الضغط عن المالية العامة دون تحميل المواطن أو الدولة أعباء إضافية. فتمويل التعليم، أو الصحة، أو الإسكان الاجتماعي عبر عوائد وقفية مستثمرة يقلل الحاجة إلى الإنفاق الحكومي المباشر، ويخلق شراكة مستدامة بين الدولة والقطاع غير الربحي، دون أن تفقد الدولة دورها التنظيمي أو الرقابي.

غير أن التحدي الحقيقي لم يعد في الفكرة ذاتها، بل في سرعة الانتقال من القناعة إلى التنفيذ. فالتباطؤ في تصميم نموذج حوكمة واضح للبنك الوقفي، أو الاستمرار في إخضاعه لمنطق الصرف قصير الأجل بدل الاستثمار طويل الأجل، يعني عملياً إهدار فرصة تنموية تتسع فجوتها مع الزمن. نجاح التجربة السعودية يتطلب تحركاً مؤسسياً عاجلاً لبناء نموذج متوازن منذ البداية؛ نموذج يرسخ الانضباط المالي، ويحمي مقاصد الوقف، ويواكب مستهدفات التنمية الوطنية، قبل أن تتحول الحاجة إلى عبء، والطموح إلى تكلفة مؤجلة. في المحصلة، البنك الوقفي ليس ترفاً مؤسسياً، بل استجابة اقتصادية ناضجة لمرحلة تحول كبرى. وهو أحد المفاتيح التي يمكن أن تنقل القطاع غير الربحي في السعودية من الاعتماد إلى الاستدامة، ومن العمل الخيري إلى العمل التنموي المؤثر.

00:06 | 15-01-2026

البنك الوقفي كأداة تنموية (2-1)

لأكثر من قرون، كان الوقف أحد أكثر الأدوات الاقتصادية فاعلية في تمويل التعليم والصحة والبنية الاجتماعية في الحضارة الإسلامية. غير أن ما خسرناه عبر الزمن ليس الوقف ذاته، بل المؤسسة المالية التي كانت تديره. اليوم، ومع تعقّد الاقتصادات وتحوّل العمل الخيري إلى قطاع منظم، لم يعد الوقف التقليدي قادراً وحده على تعظيم الأثر أو الاستدامة. هنا يظهر مفهوم البنك الوقفي، لا بوصفه كياناً خيرياً، بل كمؤسسة مالية تنموية ذات منطق اقتصادي فاعل.

البنك الوقفي لا يعني «بنك صدقات»، بل هو إطار مصرفي يستثمر أصول الأوقاف وفق حوكمة مالية، ويعيد توجيه العوائد إلى أغراض اجتماعية محددة مسبقاً كالتعليم، والصحة، والإسكان، والبحث العلمي، وتمكين القطاع غير الربحي بشكل عام. الفارق الجوهري أن رأس المال الوقفي لا يُستهلك، بل يُدار ويُنمّى، فيتحول من أصل جامد إلى محرك اقتصادي دائم ومستدام.

الاقتصاد الحديث يفرّق بوضوح بين الإنفاق الجاري والتمويل المستدام. كثير من المبادرات الخيرية تفشل ليس لسوء النية، بل لأنها تعتمد على تدفقات تبرعية متقلبة. البنك الوقفي، في المقابل، يعالج هذه المعضلة عبر فصل مصدر التمويل عن دورة التبرع الموسمي، وربط الأثر الاجتماعي بعوائد استثمارية طويلة الأجل. هذا التحول ليس أخلاقياً فقط، بل محاسبياً واقتصادياً.

من منظور الاقتصاد المؤسسي، يمثّل البنك الوقفي حالة نادرة تجمع بين ثلاثة قطاعات هي: المالي، وغير الربحي، والتنمية الاجتماعية. لكنه يختلف عن البنوك التجارية في غاية الربح، ويختلف عن الجمعيات الخيرية في أدوات العمل. الربح هنا ليس غاية، بل وسيلة لضمان الاستمرارية. وهذه النقطة تحديداً هي التي يساء فهمها في النقاش العام إذ يُنظر لأي ربح مرتبط بالوقف وكأنه انحراف، بينما هو في الحقيقة شرط بقاء.

التجارب الدولية أثبتت أن إدارة الأصول الوقفية بأسلوب مصرفي محترف ترفع كفاءة استخدام الموارد وتقلل الهدر وتزيد الشفافية. الأوقاف الجامعية الكبرى في العالم، على سبيل المثال، لا تُدار بعقلية «الصرف»، بل بعقلية «المحفظة الاستثمارية»، حيث تُقاس المخاطر والعوائد والأثر.

السؤال الحقيقي إذن ليس: هل نحتاج بنكاً وقفياً، بل: هل يمكن لاقتصاد حديث أن يستمر في إدارة أصول وقفية ضخمة خارج إطار مالي مؤسسي؟ في ظل تصاعد التحديات الاجتماعية، وتنامي الطلب على الخدمات غير الربحية، يصبح البنك الوقفي ليس ترفاً فكرياً، بل استجابة اقتصادية عقلانية لتحويل العمل الخيري من ردّة فعل إلى سياسة تنموية.

00:05 | 14-01-2026

قراءة في خطة الاقتراض للعام 2026

تشهد المالية العامة في المملكة العربية السعودية مرحلة لافتة من التطوّر، من حيث طريقة إدارة الموارد والالتزامات المالية بما يتناسب مع طبيعة التحوّل الاقتصادي الجاري. فالمملكة اليوم لا تنظر إلى الدَيْن العام باعتباره ظرفاً استثنائياً، بقدر ما تتعامل معه كإحدى الأدوات المالية التي يمكن توظيفها لدعم التنمية ضمن إطار مدروس ومتوازن.

تشير الأرقام إلى أن حجم الدَيْن العام بلغ بنهاية عام 2025 نحو 1.52 تريليون ريال، أي ما يعادل قرابة 33% من الناتج المحلي الإجمالي، وهي نسبة لا تزال ضمن الحدود الآمنة المعتمدة مالياً، وأقل من متوسطات كثير من الاقتصادات الكبرى. ويلاحظ كذلك أن الدَيْن المحلي يشكّل نحو 62% من الإجمالي مقابل 38% للدَيْن الدولي، فيما تمثّل العوائد الثابتة النسبة الأكبر من هيكل المحفظة.

أما على مستوى الميزانية، فتشير تقديرات عام 2026 إلى تسجيل عجز يقارب 165 مليار ريال، إضافة إلى استحقاقات أصل دين بنحو 52 مليار ريال، ليصل إجمالي الاحتياج التمويلي المتوقع إلى حوالى 217 مليار ريال.

هذه المعطيات لا تعكس مجرد توسع في حجم الدَيْن، بقدر ما تشير إلى تبني نهج مالي أكثر مرونة، يقوم على تحقيق توازن صعب بين تمويل مشاريع التحول الاقتصادي والمحافظة على متانة المركز المالي للدولة. المملكة تنتقل تدريجياً إلى نموذج مالي حديث يعتمد على تنويع مصادر التمويل وإدارة المخاطر بصورة مؤسسية، في وقت لا تزال فيه مستويات الدَيْن تحت السيطرة.

اللافت في التجربة السعودية أن إدارة الدَيْن العام أصبحت جزءاً من رؤية أشمل لتطوير أسواق الدَيْن المحلية وتعزيز ثقة المستثمرين، مع توزيع مدروس لآجال الاستحقاق وتقليل مخاطر التمويل. كما أن عمليات إعادة الشراء المبكر لجزء من أدوات الدَيْن خلال عام 2025 تعطي إشارة واضحة على تبني نهج استباقي في إدارة الالتزامات الحكومية.

في المقابل، لا يمكن تجاهل أن تنفيذ المشاريع التحولية الكبرى يحتاج إلى درجة أعلى من المرونة في إدارة المالية العامة، وهو ما يجري التعامل معه بروح واقعية تأخذ في الحسبان تقلبات أسعار الفائدة والنفط وتغيرات الاقتصاد العالمي. وتبقى قوة المركز المالي للمملكة، والتصنيف الائتماني المرتفع، ووجود احتياطيات داعمة، عوامل رئيسية في تعزيز الاطمئنان تجاه الاستدامة المالية.

صحيح أن ارتفاع مستويات الدَيْن العام أصبح سمة عالمية، إلا أن جوهر التحدي لا يكمن في الرقم ذاته، بل في كيفية استخدام الدَيْن. فالدَيْن الذي يذهب إلى استثمارات منتجة تعزز النمو غير النفطي وتوسع قاعدة الاقتصاد، يبقى أداة تنموية لا عبئاً مالياً، وهذا هو الاتجاه الذي تظهره السياسات الاقتصادية في المملكة خلال المرحلة الحالية.

على المدى المتوسط، فإن متابعة تطوّرات النشاط الاقتصادي واتساع قاعدة القطاعات غير النفطية ستظل عاملاً حاسماً في تقييم تجربة إدارة الدَيْن العام، ومدى قدرتها على دعم مسار التنمية دون الإخلال بالتوازن المالي. وربما يمكن القول إن ما يميّز التجربة السعودية اليوم هو ذلك المزيج بين الانضباط المالي من جهة، والطموح التنموي من جهة أخرى، وهو توازن ليس سهلاً، لكنه ضروري لبناء اقتصاد متنوع وأكثر قدرة على مواجهة متغيّرات المستقبل.

00:01 | 8-01-2026

الدَّيْن العام في زمن الهشاشة!

ارتفاع معدلات الديون العالمية ينذر بدخول النظام المالي العالمي مرحلة جديدة، وخاصة في الاقتصادات الكبرى والتي ترافق معها زيادة الاعتماد على مؤسسات مالية غير مصرفية في تمويل السندات الحكومية. هذا التحوّل يشكّل مصدرًا متناميًا للهشاشة المالية يمكن أن يضاعف آثار الصدمات الاقتصادية مستقبلاً. ومن هذا المنطلق، يدخل الدين العام العالمي مرحلة أكثر تعقيدًا وقصةً كبيرة ترسم ملامح النظام المالي العالمي. يعود السبب في ذلك، إلى ارتفاع أسعار الفائدة، وتزايد الحاجات التمويلية، وتقلّص المساحة المريحة التي طالما تحركت داخلها السياسات المالية.

العالم يواجه اليوم واقعًا جديدًا لا مفر منه يتمثل في شيخوخة السكان التي تزيد عبء التقاعد والرعاية الصحية، وارتفاع الإنفاق على الأمن والدفاع في ظل توترات جيوسياسية متزايدة، ومتطلبات استثمارية ضخمة للتحوّل نحو الطاقة النظيفة ربما تمتد عبر عقود. هذا كله يؤكد أن الحكومات ستكون في حالة اقتراض مستمر لفترة أطول، في زمن قد يكون المال الرخيص قد انتهى عصره في ظل مخاطر أعلى وتوقعات أكثر حذرًا.

كيفية ومن يمول هذا الدَّيْن هو السؤال المهم المُلح في هذا التوقيت! فبدلًا من الاعتماد التقليدي على البنوك، أصبح جزء متزايد من السندات الحكومية يمول عبر مؤسسات مالية غير مصرفية كصناديق التقاعد، وصناديق التحوط، ومديري أصول يبحثون عن العائد في بيئة متقلّبة. الخطر يكمن أن هذه الجهات كثيرًا ما تعتمد على أدوات تمويل قصيرة الأجل، وأساليب رفع مالي تجعلها حسّاسة جدًا لأي تغيّر في السيولة أو أسعار الفائدة.

ما يزيد المشهد ربكة، تحول الأسواق من مستثمر هادئ إلى بائع شرس، حيث تُجبر هذه المؤسسات على تصفية مراكزها لتغطية نداءات الهامش مع أول هزة اقتصادية أو مالية مفاجئة كارتفاع مفاجئ في العوائد أو تشديد للسيولة. هنا تبدأ السبحة في الانفراط فترتفع العوائد أكثر، وتتراجع الأسعار، وتزداد الضغوط عبر قنوات متشابكة تمتد إلى أسواق التمويل وأسواق إعادة الشراء. وفي لحظاتٍ كهذه، تصبح السندات الحكومية التي كانت تُوصف يومًا بأنها الملاذ الآمن جزءًا من مصدر الخطر نفسه.

وهنا يطل علينا السؤال الحاد كمقدمة السهم: هل لا تزال قواعد تحليل الاستدامة المالية المعتمدة على معادلة الفائدة والنمو والعجز كافية لفهم المخاطر الحديثة؟ حتمًا الإجابة المؤكدة لا. فالأسواق الآن لم تعد مجرد مرآة للاقتصاد، بل أصبحت قوةً مؤثرة قادرة على إعادة تسعير المخاطر بسرعة تفوق قدرة الحكومات على الاستجابة. وكلما ارتفع الدَّيْن، ارتفعت حساسية المالية العامة لهذه التحركات.

قد تكون إدارة هذه المرحلة ممكنة إذا تحركت الدول من خلال عدة محاور تتمثل في تحسين إدارة المخاطر في المؤسسات المالية غير المصرفية عبر رفع مستويات الشفافية وتقليل الاعتماد على الرفع المالي قصير الأجل، ودعم استقلالية السياسة النقدية لضمان ثبات توقعات التضخم ومنع الأسواق من المبالغة في تسعير المخاطر، وتبنّي مسارات تصحيح مالي تدريجية وموثوقة تعزز ثقة المستثمرين في استدامة الدَّيْن العام دون الإضرار بالنمو الاقتصادي. اليوم، الخطر الحقيقي لا يكمن في حجم الدين وحده، بل في تآكل الثقة، كون اهتزاز الثقة في الغالب يترافق معه كلفة اقتراض أعلى، وتضيق الخيارات المتاحة أمام صنّاع القرار. وبناء على تلك المعطيات، يتأكد بما لا يدع مجال للشك أن النظام المالي العالمي اليوم يعيش مرحلة انتقالية، تُعاد فيها صياغة العلاقة بين الدولة والسوق، وبين السياسة المالية والقطاع المالي. والاقتصادات التي ستنجح هي تلك التي تفهم أن الانضباط المالي لم يعد ترفًا، وأن الاستدامة ليست شعارًا، وإنما ضرورة لحماية الاستقرار والنمو على المدى الطويل.

00:05 | 1-01-2026

الديموغرافيا والتخطيط الاقتصادي..!

أظهرت دراسة حديثة انخفاض معدل الخصوبة في المملكة العربية السعودية من مستويات مرتفعة تاريخيًا قاربت سبعة مواليد لكل امرأة، إلى نحو 2.1 مولود، وهو مستوى يقترب من حد الإحلال السكاني. ولا يختلف اثنان على أن هذه المرحلة تمثّل نقطة انتقالية مهمة على الصعيد الديموغرافي، تتزامن مع تحوّلات اقتصادية واجتماعية واسعة. ومن هنا، فإن هذه التطوّرات لا تستدعي القلق بقدر ما تستدعي قراءة استباقية واعية، بوصفها جزءًا طبيعيًا من مسار التنمية والتحديث الذي تمر به الاقتصادات الصاعدة والمتقدّمة على حد سواء.

لقد شهدت المملكة خلال السنوات الأخيرة تحوّلات اجتماعية واقتصادية جوهرية، من أبرزها ارتفاع مستويات التعليم، وزيادة مشاركة المرأة في سوق العمل، وتغيّر أنماط الحياة. وتمثّل هذه التحوّلات مكاسب تنموية حقيقية تعكس تقدّمًا في بنية الاقتصاد والمجتمع. غير أن هذه المكاسب، إذا لم تُواكب بسياسات موازنة ومدروسة، قد تفرز آثارًا جانبية ديموغرافية، من أبرزها انخفاض معدلات الخصوبة وتأخر تكوين الأسر.

وفي هذا السياق، لم تعد المتغيّرات السكانية شأنًا اجتماعيًا بحتًا كما كان يُنظر إليها في السابق، بل أصبحت ركيزة أساسية في التحليل الاقتصادي وصناعة السياسات العامة. فالديموغرافيا اليوم تمثّل أحد المحددات الرئيسة لقدرة الاقتصادات على تحقيق نمو مستدام، وقياس كفاءة أسواق العمل، وتقدير حجم الطلب المحلي، واستشراف الضغوط المستقبلية على المالية العامة.

اقتصاديًا، يرتبط النمو طويل الأجل بتوازن دقيق بين حجم السكان، وتركيبتهم العمرية، ومستوى إنتاجيتهم. ومع تحسّن مستويات التعليم، وارتفاع معدلات المشاركة في سوق العمل، وتغير أنماط المعيشة، تميل معدلات النمو السكاني في كثير من الدول إلى التباطؤ. ويُعد هذا الاتجاه قابلًا للإدارة متى ما جرى استيعابه ضمن نماذج التخطيط الاقتصادي بعيدة المدى، بما يضمن تحويله من تحدٍ محتمل إلى عنصر قابل للتكيّف.

يُعد توزيع السكان بحسب الفئات العمرية أحد الجوانب المحورية في هذا الإطار. فالحفاظ على نسبة متوازنة من السكان في سن العمل يظل عاملًا مهمًا لدعم التوسع الاقتصادي وتلبية احتياجات القطاعات الإنتاجية والخدمية. وفي المقابل، فإن أي تحوّل تدريجي في هذه التركيبة يتطلب استعدادًا مؤسسيًا مبكرًا، لا سيما فيما يتعلق بأنظمة التقاعد، والرعاية الصحية، وسياسات سوق العمل.

ترتبط هذه الاعتبارات ارتباطًا مباشرًا بمستهدفات التنويع الاقتصادي ورفع تنافسية الاقتصاد الوطني. فمواءمة الاستثمارات مع الخصائص الديموغرافية المستقبلية تُعد شرطًا أساسيًا لتعظيم العائد الاقتصادي والاجتماعي، وضمان استدامة مكتسبات التنمية. وعليه، تمثّل الديموغرافيا اليوم متغيّرًا اقتصاديًا لا يقل أهمية عن الاستثمار أو الإنتاجية، وإدماج هذا البعد ضمن منظومة التخطيط الإستراتيجي يعزز من قدرة الاقتصاد السعودي على التكيف مع المتغيّرات، ويسهم في بناء مسار تنموي متوازن ومستدام يخدم الأجيال الحالية والمستقبلية.

00:02 | 25-12-2025