أخبار السعودية | صحيفة عكاظ - author

https://cdnx.premiumread.com/?url=https://www.okaz.com.sa/uploads/authors/1235.jpg&w=220&q=100&f=webp

علي محمد الحازمي

هنا تبدأ الحكاية!

لم تكن المملكة العربية السعودية يومًا دولة هامشية في معادلات السياسة والاقتصاد، فقد ظل حضورها مؤثرًا في محيطها الإقليمي والدولي، وامتد تأثيرها إلى قضايا تتجاوز حدود الشرق الأوسط. هذا الحضور لم يكن محل خلاف في الماضي أو الحاضر، كما أن المؤشرات تؤكد استمراره في المستقبل. الجديد اليوم هو اتساع مجالات هذا التأثير وتنوع أدواته. ارتبطت صورة المملكة طويلًا بالنفط وأسواق الطاقة، ثم أخذت تتشكّل إلى جانبها صورة اقتصاد يبني مصادر جديدة للقوة والإنتاج والنفوذ.

هنا تبدأ الحكاية. صعود الدول يتجاوز تغيّر أوضاعها الداخلية، ليمتد لإعادة ترتيب حسابات القوى الإقليمية والدولية. كلما تقدّمت دولة في مجالات الاستثمار والصناعة والتقنية والسياحة والخدمات، اتسعت قدرتها على المنافسة، وتغيّرت معها خريطة المصالح الاقتصادية. في عالم لا تتوزع فيه الفرص بالتساوي، قد يكون نجاح طرف مصدر قلق لطرف آخر اعتاد أن يحتفظ بموقعه دون منافسة.

لم تعد السعودية تكتفي بأن تكون سوقًا كبيرة تستقبل المنتجات والاستثمارات، فقد أصبحت تعمل على ترسيخ مكانتها كمركز لإنتاج القيمة، واستقطاب رؤوس الأموال والمواهب، وتوطين المعرفة والتقنيات. حتى أن أثر هذا التحوّل امتد إلى سلاسل الإمداد والتجارة وتدفقات الاستثمار في المنطقة. على ضوء ذلك، تشكّلت فرص اقتصادية جديدة، وتغيّرت معها حسابات المنافسة ومراكز الجذب.

التاريخ الاقتصادي يخبرنا أن التحوّلات الكبرى لا تمر دون مقاومة من جهات خارجية، خاصة عندما تتقاطع الطموحات الجديدة مع مصالح قوى اعتادت على موازين اقتصادية وسياسية مستقرة لعقود. ونتيجة لذلك، حين تتغيّر مراكز الثقل الاقتصادي، تتغيّر معها المصالح والتوقعات والتحالفات، وتصبح المواقع التقليدية أمام واقع جديد يفرض إعادة الحسابات. قد يزعج البعض تغيّر موازين الاقتصاد، وقد لا يروق لآخرين أن تظهر مراكز جديدة للثقل والاستثمار والتأثير، لكن التاريخ لا يتوقف عند رغبات من يخشون التغيير، كما أن التقدم الاقتصادي لا يتطلب موافقة الدول الأخرى عليه ولا تحتاج إلى أن يتفق الجميع مع طموحها.

إن ما يجري في المملكة ليس سباقًا لبناء المشروعات الكبرى وحدها، وإنما محاولة لإعادة صياغة العلاقة بين الموارد الطبيعية والقدرة الإنتاجية، وبين الإنفاق الحكومي والاستثمار الخاص، وبين الحاضر الذي صنعته عوائد النفط والمستقبل الذي ينبغي أن تصنعه المعرفة والكفاءة والابتكار، وهذا حق مشروع للمملكة في رسم مستقبلها الاقتصادي، بصرف النظر عمن يروق له هذا التحوّل أو يضيق به.

منذ 15 ساعة

عملة تليق باقتصاد الخليج!

قبل سنوات، دار بيني وبين أحد المسؤولين النقديين في دول الخليج حديث عن العملة الخليجية الموحدة. كان يرى أنه لا حاجة إلى عملة موحدة ما دامت العملات الخليجية مرتبطة بالدولار، وتتمتع فيما بينها بدرجة عالية من الاستقرار. ظلت هذه الجملة حاضرة في ذهني منذ ذلك الوقت. اليوم، تعود هذه الجملة إلى الواجهة، لكن بحدة أكبر من أي وقت مضى، وخاصة في ظل التحوّلات التي يشهدها الاقتصاد الخليجي والنظام الاقتصادي العالمي.

المؤكد أن دول مجلس التعاون الخليجي قريبة من حالة «شبه اتحاد نقدي»، نتيجة استقرار أسعار الصرف البينية وارتباط معظم عملاتها بالدولار. بمعنى آخر، قطعت دول الخليج بالفعل جزءًا من الطريق نحو الاتحاد النقدي، دون أن تصل إلى مرحلته الأخيرة. الاقتصادات الخليجية تتجه اليوم إلى مزيد من التنويع، وأسواقها المالية تتوسع، واستثماراتها العابرة للحدود تتزايد، وطموحها لأن تصبح مراكز عالمية لرأس المال والتجارة والتقنية يكبر، فقد حان الوقت لاستكمال هذه الرحلة، وتحويل التشابه النقدي القائم إلى قوة اقتصادية ومالية مشتركة.

أهمية العملة الخليجية اليوم لا ينبغي أن تُقاس فقط بسعر الصرف أو السياسة النقدية. دول الخليج نفسها لم تعد الاقتصادات التي كانت عليها عندما طُرحت فكرة العملة الموحدة قبل عقود. الرؤى الاقتصادية الخليجية الحالية تستهدف جميعها، بدرجات مختلفة، تنويع مصادر النمو، وتعميق الأسواق المالية، وزيادة دور القطاع الخاص، وجذب الاستثمار الأجنبي، وتطوير الخدمات المالية واللوجستية والتقنية، وتقليل الاعتماد على النفط. هنا تصبح العملة الموحدة جزءًا من بنية اقتصادية أكبر، وليست مجرد وسيلة موحدة للدفع.

مكاسب الاتحاد النقدي الخليجي تتجاوز فكرة إزالة مخاطر تقلب أسعار الصرف بين دول المجلس، لتمتد إلى تعميق التكامل بين أسواق الأسهم والسندات والنقد، ورفع كفاءة الخدمات المالية، والمساهمة في تطوير القطاعات غير النفطية. هنا تحديدًا، تزداد أهمية هذا التحرك في المرحلة الراهنة أكثر من أي وقت مضى.

تخيل سوقًا مالية خليجية تتحرك داخل فضاء نقدي واحد، تستطيع فيه الشركات والحكومات إصدار أدوات الدين بعملة مشتركة، ويتعامل المستثمر مع سوق أوسع وأكثر سيولة، وتنخفض فيه بعض تكاليف المعاملات والمخاطر المرتبطة بتعدد العملات، عندها لا تعود العملة مجرد رمز للتكامل الخليجي، بل بنية تحتية مالية يمكن أن تخدم التحوّل الاقتصادي الذي تنفق دول الخليج مئات المليارات لتحقيقه.

لا يقف الأمر عند حدود الخليج. التوترات الجيوسياسية، وتزايد استخدام الأدوات المالية في الصراعات الدولية، وتراكم الذهب لدى البنوك المركزية، ومحاولات تطوير أنظمة دفع وتسوية جديدة، أعادت جميعها إلى الواجهة العلاقة بين العملة والسيادة الاقتصادية، وخاصة في عالم أصبحت فيه العملة جزءًا من أدوات القوة الاقتصادية. امتلاك دول الخليج لثقل اقتصادي ومالي متزايد يتمثل في رأس المال وأسواق والطاقة والاستثمارات العالمية، يستدعي أيضًا بناء قوة نقدية تعكس هذا الثقل.

00:05 | 8-10-2026

عودة سلطة سوق السندات!

«حراس سوق السندات» مصطلح ظهر لنا في وول ستريت في ثمانينيات القرن الماضي. بشكل بسيط يتمثل في قدرة الجهات الإقراضية على محاسبة الحكومات، وذلك من خلال بيع سندات تلك الحكومات أو المطالبة بعائد أعلى لشرائها. متى يتم ذلك؟ إذا رأوا حكومة ما توسعت في الإنفاق والاقتراض، أو أن سياساتها قد تقود إلى تضخم أعلى. هنا تكمن قوة سوق السندات. الحكومة تستطيع أن تقرر حجم إنفاقها وضرائبها، لكنها لا تستطيع دائمًا أن تقرر السعر الذي ستطلبه «الجهات التمويلية» لتمويلها. ظل «حراس السندات» قوة حاضرة في الأسواق خلال الثمانينيات والتسعينيات. كان ارتفاع العوائد قادرًا على إرباك الخطط المالية للحكومات ودفعها إلى إعادة النظر في مسار الإنفاق والعجز، لكن حدث تغيّر بعد الأزمة المالية العالمية في 2008.

دخل الاقتصاد العالمي عصر المال الرخيص إبان الأزمة المالية 2007-2008. على ضوء ذلك، خفّضت البنوك المركزية أسعار الفائدة إلى مستويات غير مسبوقة، وأطلقت برامج التيسير الكمي، وأصبحت مشتريًا ضخمًا للسندات الحكومية. ونتيجة لذلك، استطاعت حكومات الاقتصادات الكبرى الاقتراض بتكاليف منخفضة لأكثر من عقد، لدرجة أن بعض السندات الحكومية تداولت بعوائد سالبة.

ثم جاءت جائحة كورونا ليستمر على إثرها مسار الفائدة المنخفضة القريبة من الصفر. ارتفع الإنفاق الحكومي والعجز والدين، لكن أسواق السندات استوعبت جزءًا كبيرًا من ذلك في بيئة ظلت فيها أسعار الفائدة مغرية. من هذا المنطلق، بدا لبعض الوقت أن الحكومات أصبحت تمتلك مساحة مالية أوسع بكثير مما كان يُعتقد سابقًا.

غير أن التضخم أعاد كتابة المعادلة. مع موجة التضخم التي أعقبت الجائحة، اضطرت البنوك المركزية إلى رفع أسعار الفائدة، ثم بدأت بالتراجع عن جزء من السياسات الاستثنائية التي اتبعتها خلال السنوات السابقة. فجأة، وجد العالم نفسه أمام إرث ضخم من الديون التي تراكمت في زمن المال الرخيص، لكنها تحتاج اليوم إلى إعادة التمويل في زمن أصبح فيه المال أكثر تكلفة.

القضية ليست فقط كم اقترضت الحكومات، وإنما بأي سعر ستعيد تمويل ما اقترضته سابقًا هذه ربما هي المشكلة الأهم التي تواجه أسواق الدّيْن اليوم. بلغ حجم الدين السيادي القائم على دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية نحو 65 تريليون دولار، وذلك وفق تقرير الدين العالمي الصادر عن المنظمة نفسها. يستحق جزء كبير من السندات القائمة خلال السنوات القليلة المقبلة. تشير المنظمة إلى أن 80% من اقتراض حكومات دولها خلال هذا العام يذهب إلى إعادة تمويل ديون قائمة، لا إلى تمويل إنفاق جديد. أي أن سندًا صدر قبل سنوات في بيئة فائدة شديدة الانخفاض قد يستحق اليوم، فتضطر الحكومة إلى استبداله بسند جديد بعائد أعلى. مع تكرار هذه العملية، تنتقل أسعار الفائدة المرتفعة تدريجيًا إلى الموازنة العامة من خلال ارتفاع فاتورة خدمة الدّيْن. هنا بدأ «حراس سوق السندات» بالعودة للمشهد من جديد.

التحدي أن الطلب على الاقتراض لن يكون قليلًا خلال السنوات المقبلة. الحكومات تحتاج إلى تمويل الدفاع والبنية التحتية والتحوّل في الطاقة وتكاليف الشيخوخة السكانية، بينما تحتاج الشركات إلى تمويل استثمارات ضخمة في التقنية ومراكز البيانات والطاقة. هنا تعود واحدة من أقدم قواعد الاقتصاد إلى الواجهة: لا يوجد تمويل بلا سعر. إذن ما يحدث أكبر من تحرك مؤقت في أسعار السندات.

00:01 | 1-10-2026

الحلقة الخفية في سلاسل الإمداد!

يبلغ حجم الفجوة العالمية في تمويل التجارة 2.5 ترليون دولار، وذلك وفق أحدث تقديرات بنك التنمية الآسيوي لعام 2025، أي بما يعادل قرابة 8% من حجم التجارة العالمية. 80% من البنوك التي شملها المسح تتوقع ارتفاع الطلب على التمويل في المستقبل القريب. يترافق هذا الارتفاع في وقت تعيد فيه الشركات بناء سلاسل إمدادها وتنويع مورديها وأسواقها، مع عالم أضحت فيه التجارة العالمية أكثر تعقيدًا وأقل يقينًا. خلف هذا الرقم تحدٍ تمويلي جوهري. إتمام عملية البيع لا يعني بالضرورة تدفق السيولة في الوقت نفسه، إذ قد يفصل بين تسليم المورد لسلعته وتحصيل مستحقاته أسابيع أو حتى أشهر. هذه الفترة تمثل احتياجًا حقيقيًا إلى رأس المال العامل. هنا تظهر معادلة في عالم التجارة تحتاج إلى أداة لفكها. قد تتعثر شركة ليس لأنها تفتقر إلى المبيعات، بل لأنها تنمو أسرع من قدرتها على تمويل نموها.

هنا مربط الفرس في أهمية تمويل سلاسل الإمداد. إذا كانت منشأة صغيرة تمتلك فاتورة معتمدة على شركة كبيرة ذات ملاءة مالية قوية، يمكن للممول أن يدفع للمورد مبكرًا، ثم يحصل على مستحقاته من المشتري عند حلول موعد السداد، بذلك تتحوّل الجدارة الائتمانية للمشتري الكبير إلى فرصة تمويل للمورد الأصغر.

تقدّم الهند تجربة مهمة في هذا النهج عبر «منظومة خصم المستحقات التجارية» التي أنشئت تحت إشراف بنك الاحتياطي الهندي لتمويل مستحقات المنشآت الصغيرة والمتوسطة إلكترونيًا. عندما تُعتمد الفاتورة، يستطيع عدد من الممولين التنافس على تمويلها، ويختار المورد العرض الأنسب. بذلك تنقلب العلاقة التمويلية التقليدية من مورد يطرق أبواب البنوك للحصول على السيولة إلى تمويل مستحقاته محل تنافس بين الممولين.

هذه الأدوات تكتسب أهمية أكبر مع التحوّل الذي تشهده سلاسل الإمداد العالمية خاصة بعد جائحة كورونا والتوترات الجيوسياسية واضطرابات الشحن والحروب التجارية. السبب كون الأولويات انتقلت تدريجيًا من كفاءة سلاسل الإمداد إلى كفاءتها ومرونتها معًا. المرونة التي نتحدث عنها ليست موانئ ومستودعات ومخزونًا فقط؛ هناك عنصر أقل ظهورًا لا يقل أهمية يتمثل في مرونة السيولة. المؤكد أن سلسلة الإمداد لا تكون أقوى من أضعف حلقاتها، قد تكون هذه الحلقة موردًا صغيرًا لديه عقود وطلبات، لكنه لا يستطيع تمويل الفترة بين الإنتاج والتحصيل.

من هذه الزاوية يمكن قراءة إطلاق صندوق الاستثمارات العامة لشركة «توريد للحلول التمويلية»، كمنصة رقمية لربط المشترين والموردين والجهات التمويلية، والتي تتيح من بين منتجاتها السداد المبكر للمستحقات الصادرة بموجب فواتير معتمدة. تأتي الخطوة في مرحلة مهمة للاقتصاد السعودي كون التوسع في المشاريع الكبرى، وتوطين الصناعات وسلاسل الإمداد، ونمو القطاعات الجديدة وزيادة مشاركة القطاع الخاص، كلها تعني توسع شبكة المقاولين، والموردين، والمنشآت الصغيرة، والمتوسطة. كما هو معروف، كلما زاد حجم الاستثمار، تزيد معه فكرة تمويل رأس المال العامل للشركات التي تنفذ هذه الاستثمارات.

هذه التوجه يأتي إيماناً من الصندوق بحقيقة أن المشاريع الكبرى لا تبني وحدها قطاعًا خاصًا قويًا؛ القوة الحقيقية تظهر عندما تنتقل الفرص والسيولة التي تولدها تلك الشركات الكبرى إلى الشركات المحيطة بها. تقليص المسافة بين لحظة إنتاج القيمة ولحظة الحصول على ثمنها يعني شركات أكثر قدرة على النمو، وسلاسل إمداد أكثر مرونة، ورأس مال داخل الاقتصاد أكثر كفاءة، وبذلك تتحوّل الفاتورة من مستحق ينتظر السداد إلى أصل قابل للتمويل مما يقود لحركة أكبر داخل الاقتصاد.

00:02 | 24-09-2026

الاقتصاد كلغة دبلوماسية!

ارتبطت صورة الدبلوماسية لعقود طويلة بالسياسة أكثر من الاقتصاد. سفارات، ومفاوضات، ومعاهدات، وتحالفات، ومحاولات لتقريب وجهات النظر أو إدارة الخلافات بين الدول. اليوم هذه الصورة، وإن بقيت صحيحة، إلا أنها لم تعد مكتملة. في عالم تتشابك فيه المصالح الاقتصادية، تتجاوز الدبلوماسية إدارة العلاقات السياسية بين الدول، لتصبح أداة لتحقيق المصالح الاقتصادية، من خلال فتح الأسواق وجذب الاستثمارات إلى نقل التقنية وتعزيز حضور الشركات الوطنية في الخارج. المؤكد أن الجانب الاقتصادي اليوم يُعدّ جزءًا أساسيًا من لغة العلاقات الدولية. الفرق بين الدول لم يعد يقتصر على عدد العلاقات التي تستطيع بناءها، وإنما في قدرتها على تحويل تلك العلاقات إلى قيمة اقتصادية مستدامة.

يشير ستيفن وولكوك ونيكولاس باين في كتاب «دليل أكسفورد للدبلوماسية الحديثة» إلى أن أهمية الدبلوماسية الاقتصادية ازدادت مع تزايد الاعتماد الاقتصادي المتبادل بين الدول، فهناك أهداف داخلية لم يعد بالإمكان تحقيقها بالسياسات المحلية وحدها. الاستقرار المالي، وانفتاح التجارة والاستثمار، وحتى التعامل مع تغير المناخ، أصبحت جميعها تتطلب تعاونًا وتفاوضًا يتجاوز الحدود الوطنية. وبذلك، تغيرت وظيفة السياسة الخارجية نفسها.

العلاقة الجيدة بين دولتين تتجاوز الغاية ذاتها، لتصل إلى سوق جديدة، أو استثمار، أو مصنع، أو عقد تصدير، أو نقل معرفة وتقنية. في الاتجاه المقابل، قد تتحول العلاقة الاقتصادية القوية إلى مصدر نفوذ سياسي طويل الأجل. لم يعد غريبًا أن تضم الزيارات الرسمية اليوم وزراء الاقتصاد والاستثمار والطاقة ورؤساء الشركات والمستثمرين، إلى جانب المسؤولين السياسيين. كما لم تعد السفارة مجرد قناة اتصال سياسي، بل أصبحت في كثير من الدول جزءًا من منظومة دعم الشركات الوطنية وجذب المستثمرين ورصد الفرص الاقتصادية والتغيّرات التنظيمية في الدولة المضيفة.

أستراليا، على سبيل المثال، صاغت دبلوماسيتها الاقتصادية حول أربعة محاور واضحة تتمثل في التجارة، والنمو، والاستثمار، ودعم الأعمال. الفكرة هنا بسيطة؛ الأصول الدبلوماسية للدولة ينبغي أن تعمل أيضًا لخدمة النمو الاقتصادي وخلق الفرص للشركات والمستثمرين. في ذات الوقت، الدبلوماسية الاقتصادية تتجاوز مجرد مساعدة شركة على دخول سوق جديدة، ليمتد التفاوض إلى «قواعد اللعبة» نفسها المتمثل في اتفاقيات التجارة، وشروط الاستثمار، والمعايير الفنية، والضرائب، والتمويل، وسلاسل الإمداد. من ينجح في التأثير في هذه القواعد قد يحصل على ميزة اقتصادية تتجاوز بكثير قيمة صفقة تجارية واحدة.

تقدم كوريا الجنوبية أيضا مثالًا واضحًا على تحويل الدبلوماسية الاقتصادية إلى عمل مؤسسي. لا تقتصر مهمة بعثاتها الخارجية على العلاقات السياسية، بل تُستخدم لدعم صادرات الشركات الكورية ومساعدتها على المنافسة على العقود والمشروعات في الخارج. تتكامل معها وكالة ترويج التجارة والاستثمار الكورية «KOTRA» عبر شبكة واسعة من المكاتب الخارجية تبحث عن المشترين والفرص والأسواق وتدعم الشركات في توسعها الدولي. هكذا لا تنتهي الدبلوماسية عند فتح الأبواب سياسيًا، بل تبدأ بعدها مهمة تحويل تلك العلاقات إلى صادرات واستثمارات وعقود فعلية.

أصبحت هذه المسألة أكثر أهمية مع عودة الجغرافيا السياسية بقوة إلى الاقتصاد العالمي. أشباه الموصلات، والمعادن الحرجة، والطاقة، والذكاء الاصطناعي، والموانئ، وسلاسل الإمداد، لم تعد مجرد ملفات تجارية، كلها أصبحت جزءًا من حسابات الأمن والنفوذ والعلاقات بين الدول. من هذا المنطلق، تغدو الدبلوماسية الاقتصادية طريقًا ذا اتجاهين. الاتجاه الأول استخدام الدولة لنفوذها السياسي لتحقيق مصالح اقتصادية، والاتجاه الثاني تستخدم ثقلها الاقتصادي لتعزيز مكانتها السياسية.

00:07 | 17-09-2026

الرأسمالية التي لا تنام!

من بين الدراسات العلمية التي قرأتها مؤخرًا، دراسة قامت بها وكالة مشاريع الأبحاث الدفاعية المتقدّمة الأمريكية وموّلتها بمليارات الدولارات بالتعاون مع جامعة أركانسس الأمريكية. تتمحور الدراسة حول ملاحظة طائر صغير يعرف بـ«طائر التاج الأبيض». يهاجر هذا الطائر سنويًا لمسافات طويلة، وخلال موسم الهجرة يستطيع تقليص نومه بدرجة كبيرة مع المحافظة على قدر كبير من تركيزه وأدائه. هذه الخاصية جذبت اهتمام وكالة مشاريع الأبحاث الدفاعية لفهم الآليات التي تسمح لهذا الطائر بتحمّل فقدان النوم، وما إذا كان من الممكن الاستفادة منها في تعزيز قدرة الإنسان على البقاء يقظًا وأداء مهامه لفترات أطول.

من منظور عسكري ربما يكون الأمر مبررًا، كون الحروب تحتاج إلى جنود يقظين لأطول فترة ممكنة. الفكرة المقلقة هنا هو دخول العديد من الشركات العالمية في دعم هذا البحث بمئات الملايين وأصبح يُنظر له من منظور اقتصادي بحت. الهدف يتمثل في إطالة الزمن المتاح للنشاط البشري، وهنا تصبح المسألة اقتصادية.

منذ الثورة الصناعية، قامت قصة النمو الاقتصادي إلى حد كبير على محاولة الحصول على إنتاج أكبر قدر من الموارد المتاحة. على ضوء ذلك، أصبحت الآلة أسرع، والمصنع أكبر، والنقل أكثر كفاءة، وسلاسل الإمداد أكثر ترابطًا. ثم جاءت الكهرباء لتفصل الإنتاج عن ضوء النهار، وأصبح المصنع قادرًا على العمل ليلًا ونهارًا. فيما بعد، أصبحت الأسواق تنتقل من قارة إلى أخرى دون توقف، ثم جاءت التجارة الإلكترونية والمنصات الرقمية ومراكز البيانات التي لا تغلق أبوابها، حتى وصلنا إلى اقتصاد يستطيع العمل 24 ساعة في اليوم وسبعة أيام في الأسبوع (24/7).

اقتصاديًا، ألغت الرأسمالية جزءًا كبيرًا من معنى الليل. في المقابل، ظل هناك قيد يؤرق الرأسمالية لا يمكن للمصنع أو السوق التخلص منه بسهولة وهو بيولوجية الإنسان. الآلة تستطيع العمل طوال اليوم إذا توافرت لها الطاقة والصيانة. الخوارزمية لا تحتاج إلى النوم، والخوادم الإلكترونية لا تشعر بالإرهاق. أما الإنسان فيحتاج إلى التوقف عدة ساعات كل يوم، ليس اختيارًا، وإنما بحكم تكوينه البيولوجي.

من منظور الرأسمالية الحديثة، يشكّل النوم قيدًا على عرض العمل. إذا نام الإنسان ثماني ساعات يوميًا، فإنه يقضي ثلث يومه تقريبًا خارج النشاط الاقتصادي المباشر. وأي تقنية تستطيع تقليص ساعات النوم مع المحافظة على القدرات الجسدية والمعرفية تعني، نظريًا، زيادة الساعات المتاحة للعمل والاستهلاك والإنتاج. هنا تظهر إحدى أكثر صور الرأسمالية تطرّفًا. بعد أن أمضت قرنين في تعديل الآلة لزيادة الإنتاجية، تحاول أن تنتقل إلى داخل جسد الإنسان نفسه لزيادة الإنتاجية.

لم يعد الأمر مقتصرًا على تدريب العامل أو تعليمه أو تزويده بأدوات أفضل، وهي الصورة التقليدية للاستثمار في رأس المال البشري، بل يمتد نظريًا إلى التدخل في حدوده البيولوجية المتمثل في النوم، واليقظة، والتركيز، والقدرة على التحمّل. هذا ما يجعل هذه الأبحاث مقلقة من زاوية الاقتصاد السياسي، وليس من زاوية العلم وحده.

الرأسمالية بطبيعتها تبحث عن الموارد غير المستغلة وتحاول إدخالها في دائرة الإنتاج. دخلت الأرض، والوقت، والمعرفة، والبيانات، والانتباه البشري إلى هذه الدائرة تدريجيًا. الخطوة التالية، في صورتها الأكثر تطرفًا، هي أن تصبح بيولوجيا الإنسان نفسها مجالًا لرفع الكفاءة الاقتصادية. الرأسمالية نجحت في جعل رأس المال يعمل بلا توقف، ثم جعلت الأسواق تعمل بلا توقف، ثم بنت اقتصادًا رقميًا يعمل بلا توقف. المقلق أن السعي المستمر نحو مزيد من الإنتاجية قد يمتد إلى تغيير الإنسان نفسه كي يتلاءم مع اقتصاد لا يريد أن ينام.

00:00 | 10-09-2026

نفس النبوءة بعد 95 عامًا!

بينما كان العالم يدخل واحدة من أشد أزماته الاقتصادية في العام 1930، نشر الاقتصادي البريطاني جون ماينارد كينز مقالته الشهيرة «الإمكانات الاقتصادية لأحفادنا». على الرغم أن الكساد العظيم كان يضرب كبرى الاقتصادات حينها، إلا أن كينز كان يحاول النظر 100 عام إلى الأمام، متسائلًا عن شكل الحياة الاقتصادية في عام 2030.

كان كينز شديد التفاؤل بقدرة تراكم رأس المال والتقدم التقني على رفع الإنتاجية ومستويات المعيشة. نتيجة لذلك التفاؤل، توقع أن يصبح الإنسان قادرًا على إنتاج احتياجاته بجهد أقل، حيث قال: «ثلاث ساعات من العمل يوميًا تكفي تمامًا»، متصورًا أن أسبوع العمل قد ينخفض إلى نحو 15 ساعة فقط. رأى أن الإنسان سيظل يمارس قدرًا محدودًا من العمل كي يشعر بالرضا الذاتي فقط.

عاد إيلون ماسك بعد 95 عاما ليقدم رؤية قريبة الشبه برؤية كينز، لكن هذه المرة بلغة عصر الذكاء الاصطناعي والروبوتات. في المنتدى الاستثماري السعودي-الأمريكي عام 2025، قال ماسك: «توقعي أن يصبح العمل اختياريًا»، وأكد أن العمل ذاته قد يتحول إلى نشاط يشبه ممارسة الرياضة أو زراعة الخضراوات في المنزل؛ يفعله الإنسان لأنه يستمتع به، لا لأنه يحتاج إليه لكسب رزقه. تستند رؤية ماسك على قاعدة أن الذكاء الاصطناعي والروبوتات البشرية سيوفران كثيرا من السلع والخدمات خلال فترة تتراوح بين 10 و20 عامًا، إلى درجة قد تجعل المال نفسه أقل أهمية.

بين تلك الرؤيتين التاريخ يعيد وعوده. اعتقد كينز أن الآلات ستمنح الإنسان مزيدًا من الوقت. واليوم يعتقد ماسك أن الذكاء الاصطناعي قد يعفيه من العمل تمامًا. لكن التجربة منذ عام 1930 تقول إن التقنية وحدها لا تصنع عصر الفراغ؛ فهي تزيد ما يستطيع الاقتصاد إنتاجه، أما تحويل هذه الزيادة إلى وقت ورفاه مشتركين فيبقى قرارًا اقتصاديًا واجتماعيًا، وليس نتيجة تقنية حتمية.

إلى هذه اللحظة، لم تتحقق رؤية كينز، ولا تزال رؤية ماسك مجرد توقع للمستقبل. صحيح أن الإنتاجية ومستويات المعيشة ارتفعت بصورة كبيرة، وأن متوسط ساعات العمل انخفض في عدد من الدول، إلا أن العالم لم يقترب من أسبوع العمل المكون من 15 ساعة. تشير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى أن مكاسب الإنتاجية لم تتحول بالقدر الذي توقعه كينز إلى وقت فراغ إضافي للعاملين بدوام كامل؛ فقد اختار الناس، أو دفعتهم الأنظمة الاقتصادية، إلى الحصول على أجور واستهلاك أعلى بدلًا من خفض ساعات العمل جذريًا.

لم يكن خطأ كينز في تقدير قدرة التقنية على زيادة الإنتاج، فقد كان قريبًا من الصواب في ذلك، وإنما في افتراضه أن ارتفاع الإنتاجية سيقود تلقائيًا إلى تخفيض ساعات الأعمال والاكتفاء. الاحتياجات الأساسية قد تكون محدودة، لكن الرغبات النسبية لا تتوقف؛ كلما ارتفع مستوى المعيشة ظهرت سلع وخدمات جديدة وتحولت بعض الكماليات إلى ضروريات. هكذا استخدم المجتمع التقنية لإنتاج المزيد من السلع والخدمات، وليس فقط للعمل ساعات أقل.

كلنا نتذكر الثورة الصناعية في القرن التاسع عشر وما ترافق معها من طفرة إنتاجية للسلع، لكن المفارقة أن مكاسب تلك الإنتاجية تركزت في يد فئة محدودة، وحُرمت منها فئة أخرى. من هذا المنطلق، الآلة قد تنتج وفرة اقتصادية، لكن ملكية الآلة هي من تحدد من يحصل على عوائدها، وبذلك نستطيع القول إن نظرة إيلون ماسك إلى هذه اللحظة أغفلت التصور الخاص بمسألة توزيع مكاسب الإنتاجية. إذا تركزت تقنيات الذكاء الاصطناعي والروبوتات في أيدي عدد محدود من الشركات والأفراد، فقد يصبح العمل اختياريًا لمالكي تلك التقنيات، بينما يصبح فقدان الوظيفة تهديدًا لدخل بقية المجتمع. هنا تتضح لنا أن رؤية ماسك أكثر جرأة، لكنها ليست مكتملة اقتصاديًا. القول إن الروبوتات ستنتج كل ما نحتاج إليه، لا يشرح كيف سيحصل من لا يعمل على نصيبه من هذا الإنتاج. تحقق «العمل الاختياري» لا يحتاج إلى تقدم تقني فقط، بل إلى ترتيبات جديدة للدخل والضرائب والملكية وتوزيع عوائد رأس المال.

00:00 | 3-09-2026

الرياض وباريس.. تقاطع الرؤيتين

قد تبدو رؤية «السعودية 2030» و«فرنسا 2030» متشابهتين في الاسم والتاريخ المستهدف فقط، لكن بالنظر إلى ما وراء العنوان يكشف عن تقاطعات اقتصادية أعمق بكثير. السعودية تسعى من خلال رؤيتها إلى بناء اقتصاد أكثر تنوعًا، ورفع مساهمة القطاعات غير النفطية، وتطوير قطاعات جديدة، وجذب الاستثمار والتقنية والمعرفة. على الجانب الفرنسي، تهدف إلى إعادة بناء قدراتها الصناعية والتقنية، وتعزيز قدرتها على المنافسة في صناعات المستقبل، من الطاقة النظيفة إلى الذكاء الاصطناعي والتقنيات المتقدمة. إذن البلدان لا ينطلقان من النقطة نفسها، لكنهما يتحركان في اتجاهات تتقاطع بصورة واضحة. في تقديري، هذا هو المدخل الاقتصادي الأهم لفهم زيارة ولي العهد الأمير محمد بن سلمان الأخيرة إلى فرنسا. هناك سؤال حاضر بقوة في الرؤيتين حول من سيملك صناعات وتقنيات اقتصاد المستقبل؟ لذلك العلاقة بين الرياض وباريس تتجاوز فكرة التجارة والاستثمار بصورتهما التقليدية.

بعد عقود من توسع العولمة وانتقال أجزاء من الإنتاج الصناعي إلى آسيا، أصبحت الاقتصادات الكبرى أكثر اهتمامًا بالأمن الصناعي وسلاسل الإمداد والقدرة على إنتاج التقنيات الإستراتيجية محليًا. فرنسا 2030 تعكس هذا التحوّل بوضوح؛ فهي تستهدف دعم الصناعات المستقبلية، وخفض الانبعاثات الصناعية، وإنتاج المركبات الكهربائية والهجينة، وتطوير الطيران منخفض الكربون، إلى جانب الاستثمار في التقنيات الإستراتيجية. في ذات الوقت، تسير رؤية السعودية 2030 في اتجاه مختلف في نقطة البداية، لكنه متقارب في النتيجة، وذلك من خلال بناء قاعدة صناعية أكبر، وتوطين سلاسل القيمة، وزيادة المحتوى المحلي، وتحويل المملكة إلى مركز للصناعة والخدمات اللوجستية والاستثمار. هنا تصبح فرنسا شريكًا يمتلك معرفة صناعية وتكنولوجية تحتاج إليها قطاعات تستهدف المملكة بناءها محليًا بعيداً التبادل التجاري التقليدي.

فرنسا 2030 تراهن على مزيج يجمع الطاقة النووية والهيدروجين وإزالة الكربون من الصناعة، وهذا يتضح جلياً من خلال سعيها لتطوير مفاعلات نووية صغيرة ومبتكرة، والوصول إلى موقع ريادي في الهيدروجين الأخضر، وخفض الانبعاثات الصناعية. في الجانب الآخر السعودي، رغم موقعها كواحدة من أهم دول الطاقة التقليدية في العالم، إلا أنها تبني في الوقت نفسه قدرات كبيرة في الطاقة المتجدّدة والهيدروجين والتقنيات منخفضة الكربون ضمن توجهاتها في الحد من الكربون للعام 2060. هنا تظهر واحدة من أهم العلاقات التكاملية بين الرؤيتين، فرنسا تمتلك قاعدة تقنية وصناعية متقدّمة، بينما تمتلك المملكة الموارد ورأس المال والموقع الجغرافي والقدرة على إنتاج الطاقة على نطاق واسع. لذلك قد تكون الطاقة إحدى أهم المساحات التي تتحوّل فيها العلاقة من بيع وشراء إلى بناء سلاسل قيمة مشتركة.

علاوة على ذلك، فرنسا تنظر اليوم إلى الذكاء الاصطناعي باعتباره جزءًا من سيادتها الاقتصادية والتكنولوجية، وتسعى إلى زيادة قدراتها في مراكز البيانات، والحوسبة، والبحث، والتطوير. في المقابل، أصبحت المملكة تنظر إلى الذكاء الاصطناعي والبيانات والبنية التحتية الرقمية باعتبارها محركات للنمو الاقتصادي الجديد. على الرغم من أن عناصر القوة مختلفة لدى الطرفين، كون فرنسا تمتلك الجامعات والباحثين والشركات والخبرة التقنية والوصول إلى السوق الأوروبية، إلا أن السعودية تمتلك قدرة استثمارية كبيرة، وطاقة تنافسية، وسوقًا سريع التحوّل، وطموحًا لبناء بنية تحتية رقمية ضخمة، هذه الاختلافات، هي ما يجعل الشراكة الاقتصادية أكثر منطقية.

لا نستطيع إغفال الجانب الثقافي، فرنسا تمتلك واحدة من أقدم وأقوى الصناعات السياحية والثقافية في العالم، بينما تعمل المملكة على بناء قطاع سياحي وثقافي وترفيهي كان حضوره الاقتصادي محدودًا قبل سنوات قليلة. التعاون في العلا مثال واضح على أن العلاقة يمكن أن تتجاوز الاستثمار المالي إلى نقل الخبرة في إدارة الوجهات، وحماية التراث، وبناء المنتجات الثقافية والسياحية. الجدير بالذكر، في الزيارة الأخيرة الاتجاه بدأ يتحرك في بشكل معاكس. وهذا يتضح من خلال الإعلان عن استثمارات بقيمة 6 مليارات يورو لتطوير ثلاثة مشروعات ترفيهية قرب باريس مما يعكس تغيّرًا مهمًا في طبيعة العلاقة. رؤوس الأموال والمشروعات السعودية نفسها أصبحت تبحث عن فرص داخل الاقتصاد الفرنسي. هذا يؤكد أن نضج العلاقات الاقتصادية يقاس أيضًا بقدرة شركاتها ومستثمريها على التحوّل إلى لاعبين دوليين وبناء أصول ومصالح اقتصادية في الخارج. من هنا يمكن فهم خصوصية العلاقة السعودية الفرنسية في المرحلة الحالية. لكل دولة دوافعها، لكن مساحة المصالح المشتركة بينهما تتسع. لهذا فإن القيمة الاقتصادية للزيارة الأخيرة لها أبعاد كبيرة تتجاوز عدد الاتفاقيات التي وقعت، وحتى مليارات الاستثمارات المعلنة.

00:00 | 27-08-2026

السكن وسوق العمل.. علاقة لا نراها

تخيل مهندسًا يعيش في مدينة «أ»، وحصل على فرصة عمل في مدينة «ب» براتب يزيد بنحو 20 %. الوظيفة الجديدة أفضل، والشركة تحتاج إلى مهاراته، وربما تكون إنتاجيته فيها أعلى. من دون تفكير سيكون الانتقال منطقيًا، لكن ماذا لو كانت تكلفة السكن في المدينة الجديدة أعلى 40 %؟

هنا يكتشف المهندس أن الزيادة في راتبه لا تكفي لتعويض ارتفاع تكلفة السكن، فيقرر البقاء في مدينته ورفض الوظيفة. من ناحية المنطق يعتبر قرارًا عقلانيًا، لكن اقتصاديًا المشكلة تتجاوز تلك العقلانية كون الشركة لم تحصل على المهارة التي تحتاج إليها، والعامل لم ينتقل إلى المكان الذي يمكن أن يكون فيه أكثر إنتاجية.

في هذه الحالة، لم تعد أزمة السكن مشكلة تخص ذلك المهندس وحده، ولا مجرد قضية اجتماعية تتعلق بقدرة الأسر على شراء المنازل أو تحمّل الإيجارات. من زاوية أخرى، أصبح السكن عاملًا مؤثرًا في كفاءة سوق العمل وفي الطريقة التي يوزع بها الاقتصاد موارده البشرية. توصف مثل هذه الحالات في الاقتصاد، بأنها أحد أشكال سوء تخصيص العمالة. قد تكون الوظائف موجودة، والمهارات موجودة أيضًا، لكنهما لا يلتقيان في المكان نفسه، لأن الجغرافيا نفسها أصبحت عائقًا اقتصاديًا.

أخذت تكتسب هذه الفكرة حضورًا أكثر مع الارتفاع الكبير في أسعار السكن خلال العقود الماضية. في تقرير حديث لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية حول القدرة على تحمل تكاليف السكن، تشير المنظمة إلى أن صعوبة الوصول إلى سكن ميسور التكلفة تقلل قدرة الأفراد على الانتقال بين المناطق، وهو ما قد يزيد عدم تطابق المهارات مع الوظائف ويسهم في نقص العمالة في بعض الأماكن. القضية هنا تتجاوز فكرة كم يدفع الفرد مقابل منزله، إلى ماذا يخسر الاقتصاد عندما يصبح المنزل عائقاً أمام انتقال العامل إلى فرصة أفضل.

المدن لا تتساوى في إنتاجيتها، بعضها يجمع الشركات والجامعات ورأس المال والخبرات والبنية التحتية في مساحة واحدة، فتظهر ما يسميه الاقتصاديون وفورات التجمع. عندما تجتمع الشركات والعمالة الماهرة بالقرب من بعضها، تنتقل المعرفة بصورة أسرع، وتزداد فرص التخصص والابتكار، وترتفع الإنتاجية، لكن المشكلة تبدأ عندما تنجح المدينة اقتصاديًا إلى درجة تجعل السكن فيها باهظًا، فيصبح النجاح نفسه سببًا في منع مزيد من العمال من الوصول إليها.

آثار ارتفاع أسعار السكن تتجاوز كونها عائقًا أمام الأسر؛ فهي قد تعني فرصة عمل لم تتحقق، ومهارة بقيت في المكان الخطأ، وإنتاجية خسرها الاقتصاد لأن العامل المناسب لم يستطع الوصول إلى المكان الصحيح. باختصار هي أزمة في الطريقة التي يوزع بها الاقتصاد أهم موارده وهو الإنسان. هذا يقودنا إلى إعادة التفكير حتى في الطريقة التي نقيس بها نجاح سياسات الإسكان. زيادة التملّك هدف اجتماعي مهم، لكن ليس المؤشر الوحيد على كفاءة سوق الإسكان. السوق يحتاج أيضًا إلى خيارات إيجار متنوعة، ومعروض قادر على الاستجابة للطلب، ومدن تسمح ببناء مساكن بالقرب من مراكز العمل، لأن الاقتصاد الحديث يحتاج إلى حركة الناس بقدر حاجته إلى امتلاكهم الأصول. بناء على ذلك، فإن السياسة الإسكانية يجب أن تكون جزءًا من السياسة الإنتاجية.

00:00 | 20-08-2026

العالم يشيخ.. هل يشيخ الاقتصاد معه؟

هناك حقيقة ديموغرافية تتمحور حول فكرة أن العالم يتجه إلى الشيخوخة. معدلات المواليد تتراجع في عدد متزايد من الدول، ومتوسط الأعمار يرتفع، والقوى العاملة بدأت بالفعل في الانكماش في بعض الاقتصادات الكبرى. الحديث عن «القنبلة الديموغرافية» أصبح حاضراً بقوة في النقاش الاقتصادي في كثير من الدول كاليابان، وكوريا الجنوبية، والصين وأجزاء واسعة من أوروبا.

المنطق الذي يقف خلف هذا القلق مفهوم. عدد أقل من المواليد اليوم يعني عدداً أقل من العمال غداً، في المقابل يعني عدداً أكبر من كبار السن والمتقاعدين. في ظل التحوّلات التقنية الكبرى لماذا لا ننظر إلى المسألة من زاوية أخرى؟

ماذا لو كان انخفاض عدد العمال لا يعني بالضرورة انخفاض القدرة على الإنتاج؟ وماذا لو كان نقص العمال نفسه أحد الأسباب التي تدفع الاقتصادات إلى أن تصبح أكثر إنتاجية؟ الاقتصاد في النهاية لا يعتمد فقط على عدد من يعملون، بل على مقدار ما ينتجه كل واحد منهم، وهذا فرق مهم.

لنفترض أن اقتصاداً لديه عشرة ملايين عامل ينتج كل منهم ما يعادل 100 ألف دولار سنوياً، ثم انخفض عدد العاملين بمرور الوقت، لكن الاستثمار في التكنولوجيا ورأس المال رفع إنتاجية العامل بصورة كبيرة. عندها ليس من الضروري أن ينخفض الإنتاج الكلي بالقدر الذي يوحي به انخفاض عدد العمال، وقد لا ينخفض أصلاً إذا كانت مكاسب الإنتاجية كبيرة بما يكفي. هنا أعتقد أن النقاش حول شيخوخة السكان يحتاج إلى الانتقال من التركيز على عدد العمال إلى التركيز على إنتاجية العامل. الندرة في الاقتصاد لا تؤدي دائماً إلى الانكماش، أحياناً تغيّر السلوك والحوافز.

عندما تكون العمالة متوفرة ومنخفضة التكلفة، تستطيع الشركات الاستمرار في توظيف المزيد من الأشخاص لزيادة إنتاجها، لكن عندما يصبح العامل نادراً وأكثر تكلفة، تتغيّر المعادلة. يصبح الاستثمار في الآلات والبرمجيات والأتمتة والروبوتات أكثر جدوى، وتبدأ الشركات في البحث عن طريقة لإنتاج الكمية نفسها، أو أكثر، باستخدام عدد أقل من الأشخاص. بعبارة أخرى، قد يكون نقص العمال نفسه حافزاً لرفع إنتاجيتهم.

هناك العديد من الدول فيها انخفاض في معدلات المواليد، لكن لم يرتبط بالضرورة بنمو اقتصادي ضعيف. في كثير من المناطق والدول التي شهدت انخفاضاً أكبر في المواليد حققت في بعض الحالات نمواً أعلى في الناتج لكل فرد في سن العمل، إلى جانب نشاط أكبر في التقنيات الموفرة للعمل وتحسّن في بعض مؤشرات الإنتاجية. هنا تصبح المفارقة أكثر وضوحاً، قد يؤدي انخفاض عدد البشر المتاحين للعمل إلى زيادة الاستثمار في التكنولوجيا التي تجعل الإنسان الموجود أكثر إنتاجية.

التاريخ الاقتصادي مليء بأمثلة مشابهة. الآلة لم تنتشر فقط لأنها اختراع جيد، بل لأنها أصبحت في لحظة معينة أكثر جدوى من الاستمرار في الاعتماد على العمل البشري بالطريقة القديمة. كلما ارتفعت تكلفة عنصر من عناصر الإنتاج، زاد الحافز للبحث عن بديل له أو استخدامه بكفاءة أكبر. ما يجعل هذه القضية أكثر أهمية اليوم هو توقيتها. العالم يشيخ في اللحظة نفسها التي يشهد فيها طفرة غير مسبوقة في الذكاء الاصطناعي والروبوتات والأتمتة. خلال السنوات القليلة الماضية، انشغلنا بسؤال واحد: هل سيأخذ الذكاء الاصطناعي وظائف البشر؟ ربما علينا أن نضع إلى جانبه سؤالاً آخر: ماذا لو احتجنا إلى الذكاء الاصطناعي لأننا لن نملك عدداً كافياً من البشر للقيام بكل تلك الوظائف؟

00:04 | 13-08-2026