أخبار السعودية | صحيفة عكاظ - author

https://cdnx.premiumread.com/?url=https://www.okaz.com.sa/uploads/authors/1235.jpg&w=220&q=100&f=webp

علي محمد الحازمي

الرياض وباريس.. تقاطع الرؤيتين

قد تبدو رؤية «السعودية 2030» و«فرنسا 2030» متشابهتين في الاسم والتاريخ المستهدف فقط، لكن بالنظر إلى ما وراء العنوان يكشف عن تقاطعات اقتصادية أعمق بكثير. السعودية تسعى من خلال رؤيتها إلى بناء اقتصاد أكثر تنوعًا، ورفع مساهمة القطاعات غير النفطية، وتطوير قطاعات جديدة، وجذب الاستثمار والتقنية والمعرفة. على الجانب الفرنسي، تهدف إلى إعادة بناء قدراتها الصناعية والتقنية، وتعزيز قدرتها على المنافسة في صناعات المستقبل، من الطاقة النظيفة إلى الذكاء الاصطناعي والتقنيات المتقدمة. إذن البلدان لا ينطلقان من النقطة نفسها، لكنهما يتحركان في اتجاهات تتقاطع بصورة واضحة. في تقديري، هذا هو المدخل الاقتصادي الأهم لفهم زيارة ولي العهد الأمير محمد بن سلمان الأخيرة إلى فرنسا. هناك سؤال حاضر بقوة في الرؤيتين حول من سيملك صناعات وتقنيات اقتصاد المستقبل؟ لذلك العلاقة بين الرياض وباريس تتجاوز فكرة التجارة والاستثمار بصورتهما التقليدية.

بعد عقود من توسع العولمة وانتقال أجزاء من الإنتاج الصناعي إلى آسيا، أصبحت الاقتصادات الكبرى أكثر اهتمامًا بالأمن الصناعي وسلاسل الإمداد والقدرة على إنتاج التقنيات الإستراتيجية محليًا. فرنسا 2030 تعكس هذا التحوّل بوضوح؛ فهي تستهدف دعم الصناعات المستقبلية، وخفض الانبعاثات الصناعية، وإنتاج المركبات الكهربائية والهجينة، وتطوير الطيران منخفض الكربون، إلى جانب الاستثمار في التقنيات الإستراتيجية. في ذات الوقت، تسير رؤية السعودية 2030 في اتجاه مختلف في نقطة البداية، لكنه متقارب في النتيجة، وذلك من خلال بناء قاعدة صناعية أكبر، وتوطين سلاسل القيمة، وزيادة المحتوى المحلي، وتحويل المملكة إلى مركز للصناعة والخدمات اللوجستية والاستثمار. هنا تصبح فرنسا شريكًا يمتلك معرفة صناعية وتكنولوجية تحتاج إليها قطاعات تستهدف المملكة بناءها محليًا بعيداً التبادل التجاري التقليدي.

فرنسا 2030 تراهن على مزيج يجمع الطاقة النووية والهيدروجين وإزالة الكربون من الصناعة، وهذا يتضح جلياً من خلال سعيها لتطوير مفاعلات نووية صغيرة ومبتكرة، والوصول إلى موقع ريادي في الهيدروجين الأخضر، وخفض الانبعاثات الصناعية. في الجانب الآخر السعودي، رغم موقعها كواحدة من أهم دول الطاقة التقليدية في العالم، إلا أنها تبني في الوقت نفسه قدرات كبيرة في الطاقة المتجدّدة والهيدروجين والتقنيات منخفضة الكربون ضمن توجهاتها في الحد من الكربون للعام 2060. هنا تظهر واحدة من أهم العلاقات التكاملية بين الرؤيتين، فرنسا تمتلك قاعدة تقنية وصناعية متقدّمة، بينما تمتلك المملكة الموارد ورأس المال والموقع الجغرافي والقدرة على إنتاج الطاقة على نطاق واسع. لذلك قد تكون الطاقة إحدى أهم المساحات التي تتحوّل فيها العلاقة من بيع وشراء إلى بناء سلاسل قيمة مشتركة.

علاوة على ذلك، فرنسا تنظر اليوم إلى الذكاء الاصطناعي باعتباره جزءًا من سيادتها الاقتصادية والتكنولوجية، وتسعى إلى زيادة قدراتها في مراكز البيانات، والحوسبة، والبحث، والتطوير. في المقابل، أصبحت المملكة تنظر إلى الذكاء الاصطناعي والبيانات والبنية التحتية الرقمية باعتبارها محركات للنمو الاقتصادي الجديد. على الرغم من أن عناصر القوة مختلفة لدى الطرفين، كون فرنسا تمتلك الجامعات والباحثين والشركات والخبرة التقنية والوصول إلى السوق الأوروبية، إلا أن السعودية تمتلك قدرة استثمارية كبيرة، وطاقة تنافسية، وسوقًا سريع التحوّل، وطموحًا لبناء بنية تحتية رقمية ضخمة، هذه الاختلافات، هي ما يجعل الشراكة الاقتصادية أكثر منطقية.

لا نستطيع إغفال الجانب الثقافي، فرنسا تمتلك واحدة من أقدم وأقوى الصناعات السياحية والثقافية في العالم، بينما تعمل المملكة على بناء قطاع سياحي وثقافي وترفيهي كان حضوره الاقتصادي محدودًا قبل سنوات قليلة. التعاون في العلا مثال واضح على أن العلاقة يمكن أن تتجاوز الاستثمار المالي إلى نقل الخبرة في إدارة الوجهات، وحماية التراث، وبناء المنتجات الثقافية والسياحية. الجدير بالذكر، في الزيارة الأخيرة الاتجاه بدأ يتحرك في بشكل معاكس. وهذا يتضح من خلال الإعلان عن استثمارات بقيمة 6 مليارات يورو لتطوير ثلاثة مشروعات ترفيهية قرب باريس مما يعكس تغيّرًا مهمًا في طبيعة العلاقة. رؤوس الأموال والمشروعات السعودية نفسها أصبحت تبحث عن فرص داخل الاقتصاد الفرنسي. هذا يؤكد أن نضج العلاقات الاقتصادية يقاس أيضًا بقدرة شركاتها ومستثمريها على التحوّل إلى لاعبين دوليين وبناء أصول ومصالح اقتصادية في الخارج. من هنا يمكن فهم خصوصية العلاقة السعودية الفرنسية في المرحلة الحالية. لكل دولة دوافعها، لكن مساحة المصالح المشتركة بينهما تتسع. لهذا فإن القيمة الاقتصادية للزيارة الأخيرة لها أبعاد كبيرة تتجاوز عدد الاتفاقيات التي وقعت، وحتى مليارات الاستثمارات المعلنة.

منذ 18 ساعة

السكن وسوق العمل.. علاقة لا نراها

تخيل مهندسًا يعيش في مدينة «أ»، وحصل على فرصة عمل في مدينة «ب» براتب يزيد بنحو 20 %. الوظيفة الجديدة أفضل، والشركة تحتاج إلى مهاراته، وربما تكون إنتاجيته فيها أعلى. من دون تفكير سيكون الانتقال منطقيًا، لكن ماذا لو كانت تكلفة السكن في المدينة الجديدة أعلى 40 %؟

هنا يكتشف المهندس أن الزيادة في راتبه لا تكفي لتعويض ارتفاع تكلفة السكن، فيقرر البقاء في مدينته ورفض الوظيفة. من ناحية المنطق يعتبر قرارًا عقلانيًا، لكن اقتصاديًا المشكلة تتجاوز تلك العقلانية كون الشركة لم تحصل على المهارة التي تحتاج إليها، والعامل لم ينتقل إلى المكان الذي يمكن أن يكون فيه أكثر إنتاجية.

في هذه الحالة، لم تعد أزمة السكن مشكلة تخص ذلك المهندس وحده، ولا مجرد قضية اجتماعية تتعلق بقدرة الأسر على شراء المنازل أو تحمّل الإيجارات. من زاوية أخرى، أصبح السكن عاملًا مؤثرًا في كفاءة سوق العمل وفي الطريقة التي يوزع بها الاقتصاد موارده البشرية. توصف مثل هذه الحالات في الاقتصاد، بأنها أحد أشكال سوء تخصيص العمالة. قد تكون الوظائف موجودة، والمهارات موجودة أيضًا، لكنهما لا يلتقيان في المكان نفسه، لأن الجغرافيا نفسها أصبحت عائقًا اقتصاديًا.

أخذت تكتسب هذه الفكرة حضورًا أكثر مع الارتفاع الكبير في أسعار السكن خلال العقود الماضية. في تقرير حديث لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية حول القدرة على تحمل تكاليف السكن، تشير المنظمة إلى أن صعوبة الوصول إلى سكن ميسور التكلفة تقلل قدرة الأفراد على الانتقال بين المناطق، وهو ما قد يزيد عدم تطابق المهارات مع الوظائف ويسهم في نقص العمالة في بعض الأماكن. القضية هنا تتجاوز فكرة كم يدفع الفرد مقابل منزله، إلى ماذا يخسر الاقتصاد عندما يصبح المنزل عائقاً أمام انتقال العامل إلى فرصة أفضل.

المدن لا تتساوى في إنتاجيتها، بعضها يجمع الشركات والجامعات ورأس المال والخبرات والبنية التحتية في مساحة واحدة، فتظهر ما يسميه الاقتصاديون وفورات التجمع. عندما تجتمع الشركات والعمالة الماهرة بالقرب من بعضها، تنتقل المعرفة بصورة أسرع، وتزداد فرص التخصص والابتكار، وترتفع الإنتاجية، لكن المشكلة تبدأ عندما تنجح المدينة اقتصاديًا إلى درجة تجعل السكن فيها باهظًا، فيصبح النجاح نفسه سببًا في منع مزيد من العمال من الوصول إليها.

آثار ارتفاع أسعار السكن تتجاوز كونها عائقًا أمام الأسر؛ فهي قد تعني فرصة عمل لم تتحقق، ومهارة بقيت في المكان الخطأ، وإنتاجية خسرها الاقتصاد لأن العامل المناسب لم يستطع الوصول إلى المكان الصحيح. باختصار هي أزمة في الطريقة التي يوزع بها الاقتصاد أهم موارده وهو الإنسان. هذا يقودنا إلى إعادة التفكير حتى في الطريقة التي نقيس بها نجاح سياسات الإسكان. زيادة التملّك هدف اجتماعي مهم، لكن ليس المؤشر الوحيد على كفاءة سوق الإسكان. السوق يحتاج أيضًا إلى خيارات إيجار متنوعة، ومعروض قادر على الاستجابة للطلب، ومدن تسمح ببناء مساكن بالقرب من مراكز العمل، لأن الاقتصاد الحديث يحتاج إلى حركة الناس بقدر حاجته إلى امتلاكهم الأصول. بناء على ذلك، فإن السياسة الإسكانية يجب أن تكون جزءًا من السياسة الإنتاجية.

00:00 | 20-08-2026

العالم يشيخ.. هل يشيخ الاقتصاد معه؟

هناك حقيقة ديموغرافية تتمحور حول فكرة أن العالم يتجه إلى الشيخوخة. معدلات المواليد تتراجع في عدد متزايد من الدول، ومتوسط الأعمار يرتفع، والقوى العاملة بدأت بالفعل في الانكماش في بعض الاقتصادات الكبرى. الحديث عن «القنبلة الديموغرافية» أصبح حاضراً بقوة في النقاش الاقتصادي في كثير من الدول كاليابان، وكوريا الجنوبية، والصين وأجزاء واسعة من أوروبا.

المنطق الذي يقف خلف هذا القلق مفهوم. عدد أقل من المواليد اليوم يعني عدداً أقل من العمال غداً، في المقابل يعني عدداً أكبر من كبار السن والمتقاعدين. في ظل التحوّلات التقنية الكبرى لماذا لا ننظر إلى المسألة من زاوية أخرى؟

ماذا لو كان انخفاض عدد العمال لا يعني بالضرورة انخفاض القدرة على الإنتاج؟ وماذا لو كان نقص العمال نفسه أحد الأسباب التي تدفع الاقتصادات إلى أن تصبح أكثر إنتاجية؟ الاقتصاد في النهاية لا يعتمد فقط على عدد من يعملون، بل على مقدار ما ينتجه كل واحد منهم، وهذا فرق مهم.

لنفترض أن اقتصاداً لديه عشرة ملايين عامل ينتج كل منهم ما يعادل 100 ألف دولار سنوياً، ثم انخفض عدد العاملين بمرور الوقت، لكن الاستثمار في التكنولوجيا ورأس المال رفع إنتاجية العامل بصورة كبيرة. عندها ليس من الضروري أن ينخفض الإنتاج الكلي بالقدر الذي يوحي به انخفاض عدد العمال، وقد لا ينخفض أصلاً إذا كانت مكاسب الإنتاجية كبيرة بما يكفي. هنا أعتقد أن النقاش حول شيخوخة السكان يحتاج إلى الانتقال من التركيز على عدد العمال إلى التركيز على إنتاجية العامل. الندرة في الاقتصاد لا تؤدي دائماً إلى الانكماش، أحياناً تغيّر السلوك والحوافز.

عندما تكون العمالة متوفرة ومنخفضة التكلفة، تستطيع الشركات الاستمرار في توظيف المزيد من الأشخاص لزيادة إنتاجها، لكن عندما يصبح العامل نادراً وأكثر تكلفة، تتغيّر المعادلة. يصبح الاستثمار في الآلات والبرمجيات والأتمتة والروبوتات أكثر جدوى، وتبدأ الشركات في البحث عن طريقة لإنتاج الكمية نفسها، أو أكثر، باستخدام عدد أقل من الأشخاص. بعبارة أخرى، قد يكون نقص العمال نفسه حافزاً لرفع إنتاجيتهم.

هناك العديد من الدول فيها انخفاض في معدلات المواليد، لكن لم يرتبط بالضرورة بنمو اقتصادي ضعيف. في كثير من المناطق والدول التي شهدت انخفاضاً أكبر في المواليد حققت في بعض الحالات نمواً أعلى في الناتج لكل فرد في سن العمل، إلى جانب نشاط أكبر في التقنيات الموفرة للعمل وتحسّن في بعض مؤشرات الإنتاجية. هنا تصبح المفارقة أكثر وضوحاً، قد يؤدي انخفاض عدد البشر المتاحين للعمل إلى زيادة الاستثمار في التكنولوجيا التي تجعل الإنسان الموجود أكثر إنتاجية.

التاريخ الاقتصادي مليء بأمثلة مشابهة. الآلة لم تنتشر فقط لأنها اختراع جيد، بل لأنها أصبحت في لحظة معينة أكثر جدوى من الاستمرار في الاعتماد على العمل البشري بالطريقة القديمة. كلما ارتفعت تكلفة عنصر من عناصر الإنتاج، زاد الحافز للبحث عن بديل له أو استخدامه بكفاءة أكبر. ما يجعل هذه القضية أكثر أهمية اليوم هو توقيتها. العالم يشيخ في اللحظة نفسها التي يشهد فيها طفرة غير مسبوقة في الذكاء الاصطناعي والروبوتات والأتمتة. خلال السنوات القليلة الماضية، انشغلنا بسؤال واحد: هل سيأخذ الذكاء الاصطناعي وظائف البشر؟ ربما علينا أن نضع إلى جانبه سؤالاً آخر: ماذا لو احتجنا إلى الذكاء الاصطناعي لأننا لن نملك عدداً كافياً من البشر للقيام بكل تلك الوظائف؟

00:04 | 13-08-2026

لماذا تدعم أمريكا الين الياباني؟

عندما أعلنت الولايات المتحدة مؤخراً ضخ مليارات الدولارات لدعم الين الياباني بعد وصوله إلى أدنى مستوياته منذ عقود، بدا المشهد وكأنه خطوة لإنقاذ الاقتصاد الياباني والحفاظ على استقرار الأسواق العالمية. في الاقتصاد الدولي، نادراً ما تكون التدخلات الكبرى عملاً خيرياً أو دعماً مجانياً لحليف. هناك قاعدة اقتصادية غير مكتوبة تقول إن الدول الكبرى لا تتدخل في أسواق العملات من أجل الآخرين، إنما عندما تقتضي مصالحها ذلك. العملات تتجاوز كونها وسيلة للتبادل أو مقياس للقيمة، لتصبح أداة تعكس توازنات التجارة، وحركة رؤوس الأموال، والسياسة النقدية، وحتى موازين القوى الاقتصادية بين الدول. من هنا يبرز سؤالان: لماذا أصبحت العملة اليابانية قضية تستحق تدخلاً أمريكياً؟ وما الذي تخشى واشنطن خسارته إذا استمر الين في التراجع؟ القراءة الاقتصادية تشير إلى أن ما بدا في ظاهره دعماً لليابان قد يكون في جوهره خطوة لحماية مصالح أمريكية أوسع، تمتد من سوق سندات الخزانة إلى تكلفة تمويل الدّيْن العام، وصولاً إلى القدرة التنافسية للاقتصاد الأمريكي.

الإجابة تبدأ من حقيقة كثيراً ما تغيب عن النقاش العام، وهي أن اليابان تتجاوز فكرة كونها ثالث أكبر اقتصاد في العالم، لتكون أحد أكبر الدائنين الأجانب للحكومة الأمريكية من خلال استثماراتها الضخمة في سندات الخزانة بما يقارب 1.1 تريليون دولار. مع تجاوز الدّيْن العام الأمريكي 37 تريليون دولار، أصبحت الحكومة الأمريكية أكثر اعتماداً على استمرار الطلب العالمي على سندات الخزانة لتمويل احتياجاتها المتزايدة. من هذا المنطلق، يمكن النظر إلى التدخل الأمريكي باعتباره خطوة وقائية أكثر منه عملية إنقاذ. الهدف لم يكن فقط دعم الين، إنما أيضاً تجنّب اضطرابات قد تمتد إلى سوق السندات الأمريكية، التي تُعد حجر الأساس للنظام المالي العالمي.

كان الين قد تراجع إلى مستويات لم يشهدها منذ نحو أربعة عقود، مقترباً من 164 يناً للدولار. يعود جانب كبير من هذا الضعف إلى اتساع الفارق بين أسعار الفائدة الأمريكية واليابانية. المستثمر يستطيع الاقتراض بالين بتكلفة منخفضة، ثم يحوّل أمواله إلى الدولار ويستثمرها في سندات أو أصول أمريكية تحقق عائداً أعلى. المعروف، كلما اتسع هذا الفارق زاد بيع الين وشراء الدولار، فيما يعرف بتجارة فروقات العائد أو الـCarry Trade.

في المقابل، كلما ضعف الين ازدادت الضغوط على الاقتصاد الياباني، سواء من خلال ارتفاع تكلفة واردات الطاقة والغذاء أو زيادة معدلات التضخم. إذا قررت السلطات اليابانية الدفاع عن عملتها منفردة، فإنها تحتاج إلى سيولة دولارية كبيرة لشراء الين من الأسواق. أحد الخيارات المتاحة أمام الحكومة اليابانية هو بيع جزء من احتياطاتها المقوّمة بالدولار، بما في ذلك سندات الخزانة الأمريكية. هنا يتحوّل ضعف الين من مشكلة يابانية إلى تحدٍّ أمريكي، لأن بيع كميات كبيرة من السندات يؤدي إلى انخفاض أسعارها وارتفاع عوائدها، وهو ما يعني ارتفاع تكلفة الاقتراض على الحكومة الأمريكية، وامتداد الأثر إلى الشركات والأسر والأسواق المالية. بالنسبة لإدارة تسعى إلى احتواء كلفة خدمة الدّيْن وتحفيز النمو، فإن آخر ما تريده واشنطن هو أن يبدأ أحد أكبر مموليها الخارجيين بتقليص حيازاته بسرعة؛ لذلك يمكن قراءة التدخل الأمريكي باعتباره عملية وقائية من خلال مساعدة اليابان على دعم الين من دون اضطرارها إلى إغراق السوق بالسندات الأمريكية.

هذه ليست القصة كلها. الإدارة الأمريكية، ولا سيما في عهد الرئيس دونالد ترمب، تنظر أيضاً إلى أسعار الصرف باعتبارها أداة تؤثر في ميزان التجارة. الين الضعيف يجعل المنتجات اليابانية أكثر قدرة على المنافسة داخل السوق الأمريكية، ويمنح الشركات اليابانية ميزة سعرية يصعب على المنتج الأمريكي مجاراتها. بالتالي، فإن استقرار الين أو ارتفاعه نسبياً ينسجم مع هدف أوسع يتمثّل في تقليص الاختلالات التجارية ودعم الصناعة المحلية، دون اللجوء دائماً إلى فرض رسوم جمركية جديدة. واشنطن لا تقدم منحة مجانية لحليفها، بل تدفع مبلغاً محدوداً اليوم لتجنّب فاتورة أكبر غداً.

00:00 | 6-08-2026

من المحلية إلى العالمية.. التمويل هو البداية

هناك اعتقاد شائع بأن نجاح الشركات في التصدير يبدأ من جودة المنتج، لكن الواقع الاقتصادي يقول إن الجودة هي نقطة البداية فقط، وليست نهاية الرحلة. كم من شركة تمتلك منتجاً منافساً عالمياً، لكنها لا تتمكن من تجاوز حدود السوق المحلية، لعدم مواكبة التمويل لطموحها. وفي الاقتصاد، لا تكفي الميزة التنافسية إذا لم تجد من يمولها. بناءً على هذه الحقيقة، لم يكن من قبيل المصادفة أن تنشئ معظم الاقتصادات الكبرى مؤسسات متخصصة لتمويل الصادرات، على سبيل المثال، الولايات المتحدة تمتلك بنك التصدير والاستيراد، والمملكة المتحدة لديها هيئة تمويل الصادرات، واليابان تعتمد على بنك اليابان للتعاون الدولي، والصين تمتلك مؤسسات تمويلية عملاقة تدعم انتشار شركاتها عالمياً. الرسالة التي تجمع هذه التجارب واحدة، التصدير يحتاج إلى تمويل يفهم طبيعة التجارة الدولية.

العديد من الدراسات الاقتصادية تدعم وتؤكد هذا التوجه، وقد أشار البنك الدولي في إحدى الدراسات إلى أن محدودية الوصول إلى التمويل تعد من أبرز العوائق أمام دخول الشركات إلى الأسواق الخارجية، خصوصاً المنشآت الصغيرة والمتوسطة. كما ترى منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) أن وكالات ائتمان وتمويل الصادرات أصبحت جزءاً من البنية التحتية للتنافسية الوطنية، وليست مجرد جهات تقدم قروضاً أو ضمانات. علاوة على ذلك، يقدر بنك التنمية الآسيوي فجوة تمويل التجارة العالمية بأكثر من 2.5 تريليون دولار، وهي فجوة يتحمّل عبئها الأكبر قطاع المنشآت الصغيرة والمتوسطة.

هنا تتضح حقيقة مالية مهمة؛ الشركات المصدّرة لا تحتاج إلى تمويل لأنها تعاني ضعفاً مالياً، بل لأنها تتحمّل دورة نقدية تختلف جذرياً عن البيع المحلي، وذلك لتكفّلها بشراء المواد الخام، والإنتاج، والشحن، والتأمين، وانتظارها لأسابيع أو أشهر حتى استلام قيمة صادراتها، وخلال هذه الفترة قد تضطر إلى رفض عقود تصديرية جديدة لغياب السيولة. هنا يبرز الفرق بين التمويل التجاري التقليدي والتمويل التنموي الموجه للصادرات. الأول ينظر إلى الصفقة، بينما ينظر الثاني إلى الأثر الاقتصادي الذي تولّده هذه الصفقة على الاقتصاد الوطني.

مع انتقال الاقتصاد السعودي إلى مرحلة جديدة تقودها القطاعات غير النفطية، تصبح القدرة على الوصول إلى الأسواق العالمية عاملاً مهماً في استدامة هذا التحوّل؛ لذلك جاء بنك التصدير والاستيراد السعودي ليؤدي هذا الدور التنموي، انسجاماً مع مستهدفات رؤية السعودية 2030 الرامية إلى تنويع الاقتصاد وزيادة مساهمة القطاع غير النفطي في الناتج المحلي الإجمالي. البنك لا يعمل كبنك تجاري ينافس البنوك، وإنما كمؤسسة تنموية تعالج إحدى أهم الفجوات التي تواجه المصدرين، عبر توفير حلول تمويلية وتأمينية تتناسب مع طبيعة التجارة الدولية. تشمل هذه المنظومة تمويل المصدرين المحليين، وتمويل المشترين الدوليين، وتأمين ائتمان الصادرات، وتأمين الاعتمادات المستندية، وغيرها من الأدوات التي تساعد الشركات على التوسع الخارجي بثقة أكبر وإدارة المخاطر المصاحبة للتجارة الدولية.

يتجاوز أثر هذه الحلول الشركات الكبيرة، لتمتد أهميتها إلى المنشآت الصغيرة والمتوسطة، التي تمثل اليوم محركاً رئيسياً للنمو والابتكار في معظم الاقتصادات. تشير بيانات بنك التصدير والاستيراد السعودي إلى أن هذه المنشآت تمثل نحو 40% من إجمالي عملائه، كما فتحت حلول البنك الائتمانية الآفاق أمام الصادرات السعودية غير النفطية للوصول إلى أكثر من 150 دولة حول العالم، وهو ما يعكس اتساع الأثر الذي يمكن أن يحدثه التمويل المتخصص في فتح أسواق جديدة أمام المنتج السعودي. وحتى تتضح الرؤية، فإن تمويل الصادرات يتجاوز أداء الشركات وحدها، لينعكس على الاقتصاد الوطني بأكمله. ومن هذا المبدأ، فإن عقد تصدير جديد يعني زيادة في الإنتاج، وتشغيلاً للمصانع، وفرص عمل جديدة، واستثمارات إضافية، وتدفقات أكبر من العملات الأجنبية، وتحسّناً في ميزان المدفوعات. وبناءً على تلك المعطيات، تنظر الاقتصادات المتقدمة إلى مؤسسات تمويل الصادرات باعتبارها أداة من أدوات السياسة الاقتصادية، متجاوزة حدود فكرة القنوات التمويلية.

المؤكد، أن الشركات العالمية لا تبدأ من الموانئ، بل تبدأ من قرار استثماري يجد من يموله؛ لأن التمويل هو الجسر الذي تعبر عليه الشركات من المحلية إلى العالمية. كلما نجحنا في بناء منظومة تمويل أكثر كفاءة، اقتربنا خطوة إضافية من اقتصاد أكثر تنوعاً، وأكثر تنافسية، وأكثر قدرة على تحقيق مستهدفات رؤية السعودية 2030.

00:08 | 3-08-2026

حين أصبح اليقين ميزة تنافسية

قبل سنوات، كانت الدول تتنافس على جذب الاستثمارات عبر أدواتها التقليدية المتمثلة في تخفيض الضرائب، وتوفير العمالة الرخيصة، ومنح الأراضي والحوافز المالية، والاستفادة من وفرة الموارد الطبيعية. كان الافتراض السائد أن المستثمر سيذهب دائمًا إلى السوق التي تحقّق له أعلى عائد، لكن هذا الافتراض لم يعد صحيحًا بالقدر نفسه. في عالم أصبح أكثر اضطرابًا من أي وقت مضى، تغيّرت أولويات رأس المال، حيث لم يعد المستثمر يسأل؛ كم سأربح؟ وإنما ما مدى قدرتي على التنبؤ بما سيحدث غدًا؟ هذه ليست مسألة نفسية، بقدر ماهي قضية اقتصادية بامتياز. ما يُرعب المستثمر هو الغموض أكثر من المخاطر. المستثمر يتعامل مع المخاطر باعتبارها جزءًا من النشاط الاقتصادي، لأنها قابلة للقياس والتسعير. في المقابل، الغموض يحدّ من القدرة على التنبؤ، ويرفع تكلفة رأس المال، ويؤجل قرارات الاستثمار.

لقد اعتادت الأسواق المالية على التعامل مع التقلبات الاقتصادية، وارتفاع أسعار الفائدة، وتغيّر أسعار الصرف، وحتى الدورات الاقتصادية. بيد أن السنوات الأخيرة أضافت نوعًا مختلفًا من عدم اليقين أتى على هيئة حروب تجارية، واضطرابات في سلاسل الإمداد، وتوترات جيوسياسية، وتغيّرات متسارعة في السياسات الصناعية والتجارية. في ظل هذه البيئة، أصبحت الشركات تفضل الاقتصادات التي توفر قدرًا أكبر من الوضوح وقابلية التنبؤ.

هنا برز تحوّل مهم في مفهوم التنافسية، حيث لم تعد الميزة التنافسية للدول تُقاس فقط بحجم السوق أو وفرة الموارد أو انخفاض التكاليف. أصبح معيار التنافسية يشمل أيضًا جودة المؤسسات، واستقرار الأطر التنظيمية، ووضوح السياسات الاقتصادية. قد يعود السبب في ذلك، كون كلما زادت قدرة المستثمر على توقع اتجاهات السياسة الاقتصادية، انخفضت تكلفة عدم اليقين، وارتفعت جاذبية الاقتصاد. لهذا السبب، قد تجد اقتصادًا ينمو بوتيرة معتدلة لكنه يجذب استثمارات ضخمة، في حين يواجه اقتصاد آخر يتمتع بإمكانات كبيرة صعوبة في استقطاب رؤوس الأموال بسبب تقلب البيئة التنظيمية أو غياب وضوح السياسات. إلى جانب معدلات النمو، يولي المستثمر أهمية كبيرة لقدرة الدولة على توفير بيئة اقتصادية يمكن التنبؤ بها.

من هنا، تجاوزت الإصلاحات الاقتصادية هدف تحسين المؤشرات الكلية، لتصبح وسيلة لترسيخ الثقة في البيئة الاقتصادية. وحتى تتضح الرؤية، تعزيز الحوكمة، واستقرار التشريعات، ورفع جودة المؤسسات، وتحسين كفاءة القضاء، وتسريع الإجراءات، جميعها تُعد استثمارات اقتصادية تخفض تكلفة ممارسة الأعمال، وتمنح القطاع الخاص القدرة على اتخاذ قرارات طويلة الأجل.

هذا لا يعني أن اليقين الكامل ممكن، كون العالم بطبيعته يتغيّر، ولا توجد دولة تستطيع إزالة المخاطر أو منع الصدمات الخارجية. الفارق الحقيقي يكمن في قدرة الدول على تقليل حالة عدم اليقين، وجعل قواعد اللعبة واضحة ومستقرة حتى في أوقات التقلب. المستثمر لا يبحث عن اقتصاد بلا مخاطر، وإنما عن اقتصاد يعرف كيف يديرها. ربما لهذا السبب، أصبحت المنافسة بين الاقتصادات اليوم أكثر تعقيدًا، لأنها لم تعد تدور فقط حول من يمتلك النفط، أو الموانئ، أو البنية التحتية، إنما حول من يستطيع أن يمنح المستثمر ما أصبح نادرًا في عالم سريع التغيّر «الثقة في المستقبل». اليقين لم يعد رفاهية مؤسسية، بل أصبح أحد أهم الأصول الاقتصادية التي تتنافس عليها الدول لجذب الاستثمار وتحقيق النمو المستدام.

00:01 | 23-07-2026

من إدارة الأصول إلى صناعة القيمة

هل يُقاس نجاح الجهات الحكومية بعدد الفرص الاستثمارية التي تطرحها، أم بالقيمة الاقتصادية التي تصنعها؟ عندما أعلنت وزارة البلديات والإسكان طرح أكثر من 13 ألف فرصة استثمارية خلال النصف الأول من عام 2026، اتجهت الأنظار إلى الرقم، لكن الرقم في حد ذاته لا يخبرنا بالكثير. من منظور اقتصادي، لا تعني الأرقام الكبيرة بالضرورة إنجازات كبيرة، لأن القيمة الحقيقية لا تكمن في عدد الفرص المعلنة، بل في قدرتها على جذب الاستثمارات، وخلق الوظائف، وتحويل الأصول العامة إلى محركات للنمو. في الاقتصاد، لا تُقاس النجاحات بعدد المبادرات، وإنما بالأثر الذي تتركه على الاقتصاد الحقيقي.

من هذا المنطلق، فإن ما يحدث اليوم في القطاع البلدي يتجاوز كونه برنامجًا لطرح فرص استثمارية، ليعكس تحوّلًا مؤسسيًا أعمق في طريقة إدارة الأصول العامة. اليوم، الأراضي والمرافق البلدية تجاوزت فكرة كونها ممتلكات حكومية يجب الحفاظ عليها، لتُعامل كرأسمال اقتصادي ينبغي تعظيم عائده وتحويله إلى محرك للنمو.

هذا التحوّل يمثّل نقلة مهمة في فلسفة العمل الحكومي. لوقت قريب، كان نجاح الجهة الحكومية يُقاس بحجم ما تمتلكه من أصول أو بعدد المشاريع التي تنفذها. أما اليوم، فقد أصبح المعيار أكثر تطورًا، كم من استثمار جذب هذا الأصل؟ وكم وظيفة وفر؟ وما مقدار القيمة المضافة التي خلقها للاقتصاد؟ وهذا ببساطة يؤكد أن وزارة البلديات والإسكان أحدثت نقلة من إدارة الممتلكات إلى إدارة القيمة.

بالتوازي مع ذلك، تغيّر دور القطاع الخاص أيضًا. الحكومة أصبحت تركّز على التخطيط والتنظيم وتهيئة البيئة الاستثمارية، بينما يتولى القطاع الخاص التمويل، والتطوير، والتشغيل، والابتكار. هذا التحوّل لعب دورًا مهمًا في تخفيف العبء عن المالية العامة، وقاد إلى رفع كفاءة استخدام الأصول، وزيادة الإنتاجية، وتعزيز تنافسية الاقتصاد.

تتجاوز أهمية هذا التحوّل القطاع البلدي نفسه؛ فهو يرتبط مباشرة بأحد أهم مستهدفات رؤية المملكة 2030، والمتمثل في رفع مساهمة القطاع الخاص في الناتج المحلي الإجمالي إلى 65 %. الوصول إلى هذا الهدف لن يتحقق عبر زيادة الإنفاق الحكومي وحده، وإنما من خلال خلق فرص استثمارية حقيقية تمكّن القطاع الخاص من توظيف رأس المال، وتطوير الأصول العامة، وتوسيع النشاط الاقتصادي في مختلف المناطق والقطاعات.

كل أرض بلدية تتحوّل إلى مشروع تجاري، أو مرفق سياحي، أو مركز صحي، أو منشأة رياضية، أو مشروع لوجستي توسع النشاط الاقتصادي، وتخلق فرص عمل، وتحفّز سلاسل الإمداد، وتولد إيرادات جديدة، وهو ما ينعكس في نهاية المطاف على ارتفاع مساهمة القطاع الخاص في الناتج المحلي الإجمالي. من هنا، فإن الاستثمار في الأصول البلدية أداة لتحقيق أحد أهم مستهدفات التحوّل الاقتصادي في المملكة.

وهنا يبرز مفهوم اقتصادي مهم يعرف بالعائد على الأصول العامة. الأصل الحكومي لا ينبغي أن يُقاس بقيمته الدفترية أو بمساحته، وإنما بقدرته على توليد قيمة اقتصادية واجتماعية مستدامة. الأرض غير المستغلة تمثل تكلفة فرصة ضائعة، في المقابل تتحوّل الأرض المطورة إلى مصدر للإيرادات، ومحرك للاستثمار، وأداة لتحسين جودة الحياة.

التجارب الدولية تقدّم نماذج واضحة في مثل هذا التحوّل. على سبيل المثال في سنغافورة، يكمن سر نجاحها الاقتصادي في الإدارة الإستراتيجية للأصول العامة. على الرغم من محدودية الأراضي، تبنّت الحكومة نهجًا يقوم على تعظيم القيمة الاقتصادية لكل أصل، وربط قرارات استخدام الأراضي بالعائد الاقتصادي والاجتماعي طويل الأجل، وبذلك أصبحت الأصول الحكومية مصدرًا لتمويل البنية التحتية وتعزيز الاستدامة المالية، بدلاً من أن تكون مجرد ممتلكات تحتفظ بها الدولة. لم تقتصر هذه الفلسفة على سنغافورة، فقد تبنّت أستراليا برامج إعادة تدوير الأصول، بينما اعتمدت بلديات كندية على شراكات واسعة مع القطاع الخاص، في تأكيد عالمي على أن كفاءة استثمار الأصول أصبحت أهم من مجرد امتلاكها.

هذه التجارب تؤكد أن التحوّل الذي تشهده المملكة ليس استثناءً، بل هو جزء من اتجاه عالمي يعيد تعريف دور الدولة في الاقتصاد. الدول الحديثة لم تعد تقيس نجاحها بحجم الأصول التي تمتلكها، وإنما بقدرتها على تعظيم العائد منها، وتحويلها إلى أدوات للنمو والإنتاجية والاستدامة المالية.

من هذا المنظور، فإن إعلان وزارة البلديات والإسكان لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره خبرًا عن 13 ألف فرصة استثمارية، بل باعتباره مؤشرًا على تحوّل اقتصادي أعمق؛ تتحوّل فيه البلديات من جهات تقدم الخدمات إلى جهات تصنع الأسواق، وتمكن الاستثمار، وتدير الأصول بعقلية اقتصادية. هذا التحول قد يكون أحد أهم الإصلاحات الاقتصادية الهادئة التي تشهدها المملكة، لأنه يعيد صياغة العلاقة بين الدولة والقطاع الخاص، ويجعل الأصول العامة أكثر قدرة على خلق الثروة بدلاً من الاكتفاء بالحفاظ عليها.

23:35 | 15-07-2026

النفط السعودي.. قراءة في منطق القرار

أثار قرار المملكة بخفض السعر الرسمي لبيع خامها إلى الأسواق الآسيوية، وهو الأكبر منذ سنوات، كثيرًا من التساؤلات حول ما إذا كانت السعودية بدأت تدخل مرحلة جديدة من المنافسة السعرية. القراءة الاقتصادية الأعمق تشير إلى أن ما يحدث ليس تنازلًا عن الإيرادات، بقدر ما هو استخدام مدروس لأحد أهم أدوات السياسة النفطية التي تمتلكها المملكة. في أسواق النفط، لا تُقاس القيادة دائمًا بالقدرة على بيع البرميل بأعلى سعر، بل بالقدرة على استخدام أدوات التسعير في الوقت المناسب للحفاظ على النفوذ والمكانة في السوق العالمية.

لفهم هذا القرار، لا بد أولًا من النظر إلى البيئة التي يتحرك فيها سوق النفط اليوم. الملاحظ أن الأسواق شهدت عودة الإمدادات من الشرق الأوسط بعد انحسار جزء من المخاطر الجيوسياسية، بالتزامن مع الزيادات التدريجية في إنتاج تحالف أوبك+، إضافة إلى تباطؤ نسبي في نمو الطلب الآسيوي وعودة بعض البراميل المنافسة إلى السوق. هذه العوامل مجتمعة رفعت مستوى المنافسة بين المنتجين، خصوصًا في آسيا التي تمثل أكبر مركز لنمو الطلب العالمي على النفط.

في مثل هذه الظروف، لا يصبح الهدف الاقتصادي هو تعظيم سعر البرميل في المدى القصير، بقدر الحفاظ على العملاء والحصة السوقية. العميل الذي يفقده المنتج اليوم قد يحتاج سنوات لاستعادته، بينما يمكن تعويض انخفاض السعر مع تحسّن دورة السوق. لذلك، تمثل الحصة السوقية أصلًا إستراتيجيًا يضمن استمرار الطلب المستقبلي، ويحافظ على المكانة التجارية للنفط السعودي في أهم أسواق العالم.

لهذا السبب تعتمد السعودية منذ سنوات على آلية أسعار البيع الرسمية (Official Selling Prices - OSP)، وهي ليست أسعارًا ثابتة، وإنما أداة تسعير مرنة تُراجع شهريًا وفق أوضاع السوق، بهدف الحفاظ على تنافسية الخام السعودي مقارنة بالخامات البديلة. ومن هذا المنطلق، فإن خفض السعر الرسمي لا يُعدّ تغييرًا في الإستراتيجية، إنما تطبيقًا طبيعيًا لها عندما تتغير أساسيات السوق.

التاريخ يؤكد أن المملكة تعاملت دائمًا مع الحصة السوقية باعتبارها أحد أهم أصولها الإستراتيجية. في محطات عديدة من تاريخ سوق النفط، فضّلت السعودية امتصاص جزء من الضغوط السعرية للحفاظ على علاقاتها التجارية طويلة الأجل مع عملائها، إدراكًا منها أن خسارة جزء محدود من السعر أقل تكلفة بكثير من خسارة سوق أو عميل إستراتيجي.

تستند هذه السياسة إلى مجموعة من المزايا التنافسية التي لا تتوافر لكثير من المنتجين. المملكة تعد أكبر مصدّر للنفط الخام في العالم، وتمتلك أكبر طاقة إنتاجية احتياطية تمنحها مرونة عالية في إدارة الإمدادات، كما تتمتع بتكاليف إنتاج من بين الأدنى عالميًا، إضافة إلى شبكة واسعة من العملاء، وعقود توريد طويلة الأجل، وبنية تحتية متطورة تجعلها من أكثر الموردين موثوقية واستقرارًا في السوق العالمية. هذه المزايا تمنح السعودية قدرة أكبر على إدارة دورات الأسعار مقارنة بالعديد من المنافسين.

من منظور اقتصادي، فإن الأسواق السلعية لا تكافئ دائمًا من يحقق أعلى سعر، بل تكافئ من يحافظ على حضوره ونفوذه عبر مختلف الدورات الاقتصادية. لذلك، فإن التخلي عن جزء محدود من السعر في مرحلة تشهد ارتفاعًا في المنافسة قد يكون قرارًا أكثر ربحية على المدى الطويل، لأنه يحافظ على تدفقات الإيرادات المستقبلية، ويصون العلاقات التجارية التي بُنيت على مدى عقود. السعودية تدير مكانتها في السوق العالمية، وهذا هو الفارق بين المنتج الذي يتفاعل مع السوق، والمنتج الذي يمتلك القدرة على التأثير في اتجاهها.

19:29 | 8-07-2026

العقار كأداة للسياسة الاقتصادية..

اعتدنا عند الحديث عن جذب الاستثمار الأجنبي أن نركّز على الحوافز الضريبية، وسهولة ممارسة الأعمال، وسرعة إصدار التراخيص، وتطور البنية التحتية. لعقود طويلة اعتبرت هذه العناصر هي المعايير التي تتنافس من خلالها الدول لاستقطاب الشركات العالمية ورؤوس الأموال. خلال السنوات القليلة الماضية المشهد الاقتصادي العالمي تغيّر بصورة دراماتيكية، فالشركات لم تعد تبحث فقط عن أقل تكلفة أو أقل ضريبة، بل أصبحت تبحث عن بيئة تمنحها القدرة على الاستقرار والنمو لعقود. من هنا بدأت أداة جديدة تدخل في معادلة التنافس بين الدول وهي السياسة العقارية. وفي هذا السياق، يمكن النظر إلى السياسة العقارية بوصفها امتداداً للسياسة الاقتصادية، وليست مجرد إطار لتنظيم الملكية. قد يبدو الأمر غريباً، وهنا يأتي السؤال كيف توظف السياسة العقارية لتعزيز النمو الاقتصادي وجذب الاستثمار النوعي دون الإخلال بتوازن السوق؟ وهذا هو السؤال الذي يبدو أن المملكة بدأت تجيب عنه من خلال هذا النظام الجديد لتملّك غير السعوديين للعقارات.

الشركات العالمية لا تنتقل إلى دولة جديدة من أجل شراء أرض أو مبنى، بل من أجل بناء نشاط اقتصادي متكامل. المصنع يحتاج إلى أرض مستقرة، والمركز اللوجستي يحتاج إلى مستودعات، ومركز البيانات يحتاج إلى موقع دائم، والمقر الإقليمي يحتاج إلى مبنى يمثل قاعدة لإدارة الأعمال. من هذه الزاوية، أصبح حق التملّك جزءاً من قرار الاستثمار نفسه، لأنه كلما شعر المستثمر أن حقوقه واضحة ومستقرة، زادت شهيته الاستثمارية على ضخ رؤوس الأموال وتوسيع أعماله والاستمرار على المدى الطويل. من هنا يمكن فهم التحوّل الذي نشهده في العديد من الاقتصادات، حيث أصبحت السياسة العقارية تكمل السياسات الضريبية والتنظيمية في جذب الاستثمار.

من هذا المنظور، يمكن التعمّق في قراءة نظام تملّك غير السعوديين للعقار في المملكة العربية السعودية. اختزال القرار في كونه «سماحاً للأجانب بتملك العقارات» لا يعكس حقيقته الاقتصادية. النظام، كما تظهر فلسفته، لا يتعامل مع العقار كسلعة، بل كأحد الممكّنات الاقتصادية التي تدعم مستهدفات رؤية 2030 في تنويع الاقتصاد، واستقطاب الاستثمار الأجنبي المباشر، ورفع الإنتاجية. الملفت أن النظام لم يتبنَّ نموذج الانفتاح الكامل، كما لم يتجه إلى الإغلاق الكامل. اختار نموذجاً وسطاً يقوم على التوازن؛ إذ حدد الفئات المؤهلة للتملّك، وربط ذلك بنطاقات جغرافية محددة، وأوجد إجراءات رقمية واضحة، وربط الملكية بالسجل العقاري، بما يحقق هدفين في الوقت نفسه: تعزيز جاذبية الاستثمار، والحفاظ على استقرار السوق العقارية.

هذا التوازن يتجاوز فكرة التنظيم التفصيلي، ليصل إلى جوهر السياسة الاقتصادية ذاتها. الدول التي تفتح أسواقها العقارية دون ضوابط قد تواجه ارتفاعاً في الأسعار أو زيادة في المضاربات أو ضغوطاً على القدرة السكنية للمواطنين. في المقابل، فإن الدول التي تغلق أسواقها بالكامل قد تفقد جزءاً من قدرتها على استقطاب الاستثمارات النوعية، لذلك أصبحت المنافسة اليوم تقوم على إيجاد المعادلة التي تحقّق الانفتاح الاقتصادي دون الإخلال بالمصلحة الوطنية.

الأهم من ذلك أن القيمة الاقتصادية لهذا النوع من السياسات يبدأ بعد شراء العقار، وليس عند توقيع عقد البيع. الشركات العالمية عندما تمتلك عقاراً لتشغيل مصنع أو مقر إقليمي أو مركز بيانات، فإنها لا تضيف صفقة عقارية إلى السوق فحسب، بل تضيف وظائف جديدة، وتقنيات متقدّمة، وإنفاقاً رأسمالياً، وسلاسل إمداد، وعقوداً مع الموردين، وخدمات لوجستية، وهندسية، ومالية.

وهنا لابد من بيان، أن نجاح هذه السياسة لا تقاس بحجم المبيعات العقارية أو عدد طلبات التملّك، وإنما بحجم الاستثمار المنتج الذي نجح في استقطابه. المؤشرات التي تستحق المتابعة هي عدد المصانع الجديدة، والمقار الإقليمية التي انتقلت إلى المملكة، ومراكز البيانات التي أُنشئت، والوظائف التي خُلقت، والقيمة المضافة التي دخلت الاقتصاد الوطني.

00:00 | 2-07-2026

نهاية العَقد بين الفيدرالي والأسواق

في أول اجتماع له على رأس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، أبقى كيفن وورش أسعار الفائدة دون تغيير. ظاهرياً لم يكن القرار استثنائياً، لكن ما جرى خلف القرار قد يكون أكثر أهمية من القرار نفسه. المؤشرات الصادرة عن الاجتماع توحي بأن الفيدرالي بدأ يعيد النظر في الطريقة التي يتعامل بها مع الأسواق المالية التي استمرت لأكثر من عقدين.

منذ الأزمة المالية العالمية عام 2008 تشكّلت علاقة جديدة بين الأسواق والفيدرالي الأمريكي. ملامح تلك العلاقة متمثّلة في تبدل دور الفيدرالي من كونه مقتصراً على إدارة التضخم وسوق العمل، ليصل إلى تشكيل توقعات المستثمرين. مع كل أزمة أو تباطؤ اقتصادي كانت الأسواق تتوقع تدخلاً نقدياً جديداً، سواء عبر خفض الفائدة أو ضخ السيولة أو إرسال رسائل تطمينية حول المستقبل.

بمرور الوقت، اعتادت الأسواق على نمط معين من السلوك. عندما تتراجع الأسهم تتزايد التوقعات بخفض الفائدة، وعندما يتباطأ النمو تنتظر الأسواق تدخلاً من الفيدرالي. ومن هذا المنطلق، أصبح المستثمرون يمحصون بيانات الفيدرالي وتصريحات مسؤوليه أحياناً أكثر مما ينقبون في القوائم المالية للشركات أو المؤشرات الاقتصادية الأساسية.

هذا التحول خلق ما يشبه عقداً ضمنياً غير مكتوب بين الأسواق والفيدرالي. وبناء على تلك المعطيات، أصبحت الأسواق تفترض أن الفيدرالي سيتدخل عند الضرورة حرصاً منه على توجيه الأسواق مسبقاً لتقليل المفاجآت. هذا العقد غير المكتوب يبدو اليوم أمام اختبار حقيقي.

رسائل وورش الأولى أوحت بأن الفيدرالي قد لا يرغب في الاستمرار بهذا النهج. بدلاً من تقديم إشارات تفصيلية للأسواق حول خطواته المقبلة، بدا أكثر ميلاً إلى ترك المستثمرين يواجهون قدراً أكبر من عدم اليقين. وبدلاً من التركيز على حماية الأسواق من التقلبات، عاد التركيز إلى المهمة التقليدية للفيدرالي المتمثلة في السيطرة على التضخم والحفاظ على استقرار الأسعار. لوهلة، قد يبدو هذا التحوّل تقنياً، لكنه في الواقع يعكس تغييراً استراتيجياً عميقاً. لذلك يبدو أن وورش يسعى إلى إنهاء حقبة اعتادت فيها الأسواق النظر إلى الفيدرالي باعتباره الموجه والمنقذ الأخير، وإعادة المسؤولية إلى المستثمرين أنفسهم لقراءة المخاطر وتحمل نتائج قراراتهم.

خلال السنوات الماضية أدت السياسات النقدية التوسعية إلى ارتفاعات كبيرة في أسعار الأصول حول العالم. صحيح أن جزءاً من هذه الارتفاعات كان مدعوماً بالنمو الاقتصادي والتطور التكنولوجي، لكن جزءاً آخر ارتبط بتدفق السيولة وتوقعات استمرار الدعم النقدي. نتيجة لذلك، باتت أسعار الأصول أقل حساسية للمخاطر الحقيقية وأكثر حساسية لتصريحات الفيدرالي الأمريكي.

من هنا، يمكن فهم الرؤية التي يبدو أن وورش يتبناها. السوق السليمة، من وجهة نظر العديد من المحافظين النقديين، هي السوق التي تسعر المخاطر بنفسها. المستثمر الذي يحقق عائداً مرتفعاً يجب أن يتحمّل أيضاً احتمال الخسارة. أما عندما تصبح الأسواق واثقة من وجود شبكة أمان دائمة توفرها البنوك المركزية، فإن آلية تسعير المخاطر تبدأ في التشوّه.

بطبيعة الحال لا يخلو هذا التوجه من المخاطر. التقليل من التوجيه المستقبلي قد يزيد التقلبات ويرفع تكلفة التمويل ويجعل الأسواق أكثر حساسية للأخبار الاقتصادية. في الوقت ذاته، ربما لدى وورش قناعة أن قدراً من التقلب أفضل من تراكم اختلالات مالية كبيرة نتيجة الاعتماد المفرط على السياسة النقدية.

00:00 | 25-06-2026