أن تبحث في تاريخ الموحدين الدروز فهي مهمة صعب اجتيازها عبر صفحات أو من خلال عرض ساذج لجماعة امتازت باغراقها في الباطنية وتحدثت فيما تريد ان تتحدث هي، لا فيما تريد أن تعرفه أنت. والدروز ملة تقدم نفسها بمفهوم فلسفي ربط مجموعة من القيم الاجتماعية بالرمزية والصوفية حتى بلغ حدا قد لا يناسب ان يكون شريعة يحتكم اليها مجتمع بسيط يحتاج نظرية تنزل الى أرض الواقع
فهو تارة (المذهب الدرزي) يجعل «اخوان الصفا» من صلب معتقده تاركا مساحة شاسعة من التساؤلات حول ارتباط الصوفية بالمنطق الجدلي عبر تقديمها في طبق واحد عندما يرى ان افلاطون وارسطو وفيثاغورس من أهم رموزه الروحية وتارة أخرى يبدو لك انه مذهب تجاهل نصف المجتمع عندما ترك المرأة دون تكليف.
وهو بذلك وبدون أدنى شك يبدو مذهبا نخبويا انتقى تعاليمه بغموض وابتعد عن الشريحة الأهم في المجتمع مطلقا عليها تسمية «الجهّال».. فمن هم الدروز؟! وما هي حقيقة عقيدتهم؟!
الدروز ـ او الموحدون كما يرغبون ان يطلق عليهم ـ هم فئة ظهرت قبل حوالى الف عام هجرية حسبما أرخت لهم بعض المراجع اذ تقول بعض الكتب ان محور العقيدة الدرزية كان الخليفة الفاطمي ابو علي المنصور بن العزيز بالله بن المعز لدين الله الملقب بـ«الحاكم بأمر الله» والذي ولد عام 375هـ.
الا ان المؤسس الفعلي لهذه العقيدة ـ حسب بعض المراجع ـ هو حمزة بن علي بن محمد الزوزوني مؤلف كتاب العقائد الدرزية وهو الذي ادعى ان روح الاله قد حلت في الحاكم ليأتي معه محمد بن اسماعيل الدرزي الملقب بـ«نشتكين» الدرزي والذي سارع في اعلان الوهية الحاكم سنة 407هـ مما اغضب حمزة عليه ففر الى الشام ودعا الى مذهبه وما كان الا ان انقلب عليه اتباعه فقتلوه سنة 411هـ. وبعيدا عن التاريخ المرتبط بهذه الطائفة نجد ان ثمة ما يثير جدلا واسعا حول تعاليمها وطقوسها.
فالدروز يذهبون بالباطنية الى حد التزمت، الامر الذي قد لا يسمح لك بمعرفة الكثير عنهم حتى وان كنت تعيش بين ظهرانيهم، فهم يمزجون بين الفلسفة الخيالية «الميتافيزيقية» وبين الواقع ويربطون مذهبهم بفلاسفة لم يعايشوهم ويعترفون بتأثرهم بالباطنية اليونانية ويعتبرون ارسطو وافلاطون وفيثاغورس اسيادهم الروحانيين.
كما أنهم تأثروا بالدهريين عبر ايمانهم بالحياة الابدية حيث يؤمنون بتناسخ الارواح ويمزجون البوذية بالفلسفة الفارسية والهندية وصولا لافكار ومعتقدات الفراعنة.
وقصص التناسخ تكاد لا تخلو قرية من قراهم من عدة حالات يخبرونك فيها ان فلانا قد مات فانتقلت روحه وتقمصت فلانا وقد تفاجأ بعجوز في الثمانين يقول لطفل لم يتجاوز العامين «يا عمي» مؤكدا لك ان عمه قتل في مكان ما فتقمصت روحه جسد هذا الطفل الذي ولد يوم قتله.. ليس هذا فحسب فالروح حسب معتقدهم ستنتقل الى جسد ثالث ورابع وهكذا في مراحل متتابعة لحياة الفرد الواحد.
يقول الدروز ان انتقالاتهم التاريخية جاءت للدفاع عن اخوانهم في الدين وهو مبدأ حافظ عليه الدروز لانه في صلب معتقداتهم فهم حريصون على حماية بعضهم البعض لضمان نقاء عرقهم.

أرقام مقدسة
وللأرقام (5) و(7) عند الدروز قدسية خاصة فالنجمة الخماسية تعتبر رمزهم الديني.
والناس عندهم على ثلاث درجات
العقل : طبقة رجال الدين الدارسين وهؤلاء ايضا من ثلاث طبقات
1- رؤساء
2- عقلاء
3- اجاويد
- الاجاويد: وهم الذين اطلعوا على تعاليم الدين والتزموا بها
-الجهال: وهم عامة الناس
ولا يعرف الدرزي تعاليم مذهبه قبل بلوغ الاربعين وتقتصر معرفة علوم الدين على الرجال دون النساء.
ويقول البعض ان الدروز ينقسمون لطبقتين
- الروحانيين: رؤساء وعقلاء واجاويد
-الجثمانيين: امراء وجهال
ويقول الدروز انهم ينتمون الى قبائل عربية عريقة (من تنوخ) لذلك فهم يلقبون انفسهم بالتنوخيين ويطلقون على انفسهم ايضا تسمية (بنو معروف) نظرا لكرمهم وصفاتهم الحميدة.
يتغنى الدروز بما يسمونه (ميثاق الاقحوانة) نسبة الى معركة الاقحوانة التي وقعت بجوار سهل حطين في الشام والتي انتصروا فيها على المرداسيين من بني كلاب بمساعدة الامير رافع بن ابي الليل زعيم قبائل بني كلاب عام 420هـ الموافق 1029م.
خلط فلسفي
ولعل اكثر مايثير التساؤل في عقيدة الدروز هو الخلط الواضح في الفلسفة والاعتماد على ما يناسبهم من نصوص مجتزأة وهم لا يقدمون حلا منطقيا لفلسفتهم ولا يعمدون الى تفسير الاشكالية في فهمها ولعل اهم مايساعد على عدم اختراق عقيدتهم هو انها لم تطرح بشكل فعلي على طاولة النقاش والتفنيد وما زالت حبيسة فئة بعينها من الطائفة.
فهناك من يشكك بتعاليمها التي لم تضع نصا واضحا يمكن الرجوع اليه وتفسير ملامحه وحيثياته. ولكون الدروز يشكلون اقلية في اماكن تواجدهم سوريا، لبنان، فلسطين، ربما يكون هذا قد ساعدهم على المحافظة على بنية الطائفة مع ما اعتمدته من باطنية وقدرة على ضبط اتباعها عبر قوانين صارمة لا تجيز لهم الخروج عن تعاليمها وحتى عاداتها الموروثة وهو مايثير مزيدا من التساؤلات ويجعل القضية مثار جدل وأخذ ورد.